قضايا مغيّبة في حرب اليمن
في الحروب، لا تقتصر مسؤولية الإعلام على نقل أخبار المعارك وتطوراتها، بل ينبغي أن تمتد إلى مواكبة آثارها وتداعياتها على المجتمع.
وفي اليمن، تتزايد أهمية تسليط الضوء على قضايا تتفاقم بفعل الحرب، بدءاً من تجنيد الأطفال وحرمانهم من التعليم واستغلالهم في أعمال شاقة، وانتهاء بارتفاع مستويات الفقر والجوع والبطالة واتساع موجات النزوح.
ومع استنزاف مقاتليهم في أرياف تعز والساحل الغربي هذه الأيام، يجوب الحوثيون المدن والقرى اليمنية الخاضعة لسيطرتهم بهدف تعويض خسائرهم البشرية عبر تجنيد الأطفال والزج بهم إلى محارق الموت.
ويتساءل كثيرون عن أسباب قبول الأسر اليمنية تجنيد أطفالها للقتال في صفوف الحوثيين.
والإجابة عن هذا السؤال متشعبة، تتداخل فيها عوامل كثيرة من ضمنها الإكراه والاستدراج عبر الخداع والتضليل، إضافة إلى تقصير الإعلام في نشر الوعي من خلال الرواية المضادة القادرة على هزيمة سردية الحوثيين، التي عادة ما تستثمر الشعارات التعبوية للتأثير في وعي الأطفال وأسرهم، وتصوير مشاركتهم في الحروب على أنها تضحية وبطولة.
ولا يتوقف نجاح الخطاب الإعلامي المناهض للحوثيين على كشف مخاطر تجنيد الأطفال فحسب، بل يتطلب إيصال رسائله إلى الأسر المستهدفة، وإقناعها بمخاطر الزج بأبنائها في المعارك، بما يعزز قدرتها على مقاومة حملات التجنيد، ولا سيما في أرياف اليمن النائية.
ويستدعي ذلك توجيه خطاب إعلامي مدرَّس يتناسب مع طبيعة المجتمعات المستهدفة وخصوصياتها الاجتماعية والثقافية.
وفي هذا الإطار، يمكن للإعلام الحكومي تكثيف إنتاج المقاطع التي تروي مآسي القتلى والأسرى من الأطفال وأسرهم المكلومة، وما يترتب على ذلك من معاناة وفقدان، ويحفّز الآباء والأمهات على حماية أبنائهم ومقاومة محاولات استقطابهم بالإغراء أو إخضاعهم للتهديد والضغط.
ويستخدم الحوثيون أكثر من وسيلة لإيقاع الأطفال على وجه الخصوص، في شِراكهم، ومن أخطرها تنظيم ما يُسمّى بـ"المراكز الصيفية" الحوثية التي تشير تقارير حقوقية إلى استقطابها مئات الآلاف من الأطفال سنوياً،
ويتم فيها تعبئة الأطفال بمضامين أيدلوجية وطائفية تزرع في نفوسهم الكراهية والعداء للآخر بحيث يسهل لاحقاً استدعائهم للانخراط في الحروب.
ومن ضمن أنشطة هذه المراكز، إقامة معسكرات مغلقة يتم فيها تدريب أطفال من أعمار معينة على استخدام الأسلحة وأساليب القتال، في خطوة تعزز تحويل هذه المراكز إلى بوابة لتجنيد الأطفال.
ويتداول اليمنيون في القرى وأحياء المدن اليمنية قصصاً كثيرة لأطفال فروا من أسرهم والتحقوا بجبهات القتال في صفوف الحوثيين، متأثرين بخطاب التعبئة الأيديولوجية الذي تلقوه في هذه المراكز.
ولا ينبغي أن تظل هذه القصص حبيسة المجالس العائلية أو شهادات الأهالي، بل يتعين على الإعلام جمعها وتوثيقها ونشرها للرأي العام.
ياسر عزي
صحافي يمني