رمضان.. بين روحانية السكينة وفوضى الضجيج!!
كان رمضان - ولا يزال في ذاكرتنا - شهر الرحمة والمغفرة، وموسماً للبر والإحسان، ومحطةً تتصافى فيها النفوس وتتآلف القلوب.
كان شهر العبادة الهادئة، والتبتل الصامت، والغوص في كنوز تراثنا العربي والإسلامي، حيث يجد الصائم في "خلوته" مع الكتاب والذكر زاداً للروح ورياضة للنفس.
واليوم، ونحن في أمسّ الحاجة لهذه السكينة، باتت بعض مظاهر "الضجيج" تعكر صفو هذا الشهر الفضيل.
لقد تحولت مكبرات الصوت في المساجد - للأسف - من وسيلة للنداء للصلاة، إلى مصدر قلق دائم للأحياء المجاورة، لا تكاد تهدأ من غروب الشمس حتى مطلع الفجر.
وإذا ما شاءت الأقدار أن تكون مجاوراً لمسجد -كما هو حالي- فإن حق "الجوار" الذي عظمته شريعتنا السمحاء يصبح في مهب الريح.
مكبرات الصوت الموجهة بقوة مفرطة نحو المنازل تقتحم خصوصياتنا، وتقوض راحتنا، وتجعل من العسير على المريض أن يرتاح، وعلى الطالب أن يذاكر، وعلى المتعبد أن يخشع في بيته.
في كل المجتمعات المتحضرة ، تنتهي حريتك عندما تمس بحرية الآخرين وسكينتهم.
والأصل في المساجد الجامعة في كل بلدان العالم الاسلامي، أن يرفع فيها الأذان للإعلام بدخول الوقت، ثم تكون الصلاة والذكر والدروس عبر السماعات الداخلية، حفاظاً على الخشوع، وعملاً بالتوجيه القرآني الكريم: ((وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا)).
إننا نناشد القائمين على الأمر، ووزارة الأوقاف والإرشاد، والعلماء الأجلاء، أن ينظروا بعين الرحمة والمسؤولية لهذا الواقع.
الناس بحاجة إلى من يمسح دموعهم، ويواسي أوجاعهم، ويخفف عنهم ضغوط الحياة المعيشية الصعبة، وهم أحوج ما يكونون إلى الهدوء النفسي، وليس إلى تداخل الأصوات عبر المكبرات الذي يُذهب هيبة الخشوع ويتحول إلى مجرد ضوضاء.
إن الدين هو المعاملة، ورسالة نبي الرحمة (صلى الله عليه وآله وسلم) هي تتميم مكارم الأخلاق. ومن صميم الأخلاق مراعاة حقوق الجار، وكف الأذى، وتوفير البيئة الملائمة للسكينة العامة.
نأمل أن تكون أفعالنا، وتنظيمنا لشعائرنا، خير هادٍ ومرشد، وأن نكون عوناً للناس على الطاعة لا منفرين منها بالصخب.
*ملحوظة من واقع الحال:
وبينما أنا أصيغ هذه الحروف بقلب يعتصره الألم، لا تتوقف لحظة واحدة أصوات "المفرقعات" (الطماش) التي يطلقها الأطفال في الشوارع والأزقة، منذ منتصف شعبان الى اللحظة في فوضى عارمة لا ضابط لها.
لقد حاولت جاهداً تنفيذ برنامجي الرمضاني المعتاد، فتناولتُ كتاب "البيان والتبيين" لعمرو بن بحر الجاحظ، لأستروِح بجمال لغته وبيانه، ولكن دون جدوى!
لم أستطع التركيز أو إكمال صفحة واحدة بسبب دوي القوارح المتتالية التي تخترق النوافذ والأعصاب.
طرحته جانباً بأسى، وتناولتُ كتاب "الإشارات الإلهية" للعارف بالله أبو حيان التوحيدي، علّني أجد في مناجاته سكوناً لروحي، ولكن هيهات.. نفس الحالة، تشتت ذهني كامل بسبب "قراح" الطماش الذي لا يتوقف لحظة واحدة، من الصباح الباكر حتى ساعات متأخرة من الليل.
وأتساءل بمرارة: من الذي يعبث بسكينتنا وحياتنا بهذا الشكل؟
من الذي رخّص لاستيراد هذه الكميات المهولة من المفرقعات التي حولت شوارعنا إلى ساحات حرب مصغرة؟
من هو التاجر أو الوكيل الذي استوردها ليملأ جيوبه مالاً، بينما يملأ بيوت الناس فزعاً وإزعاجاً؟ لا ألحقه الله خيراً.
أين حق الناس في السكينة والهدوء في شهر الصيام؟ سؤال نضعه برسم الجهات المختصة، لعلنا نجد من يغار على حرمة الشهر وراحة العباد.