السودان: حروب الجنرالات تتناظر وتتكامل
تحلى محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، بمقدار غير ضئيل من الشجاعة الأدبية حين صرّح هكذا: «في الشرق الأوسط، تتحدى فلسطين ضمائرنا، مثلما تفعل معاناة شعبها. يجب أن تتوقف إبادة هذا الشعب».
الصواب السياسي اقتضى منه أن يستطرد، أيضاً: «من السودان إلى الساحل، إلى جمهورية الكونغو شرقاً، وفي الصومال، وأماكن أخرى، يواصل شعبنا سداد ثمن باهظ جراء انعدام الاستقرار».
وهذا الربط بين مشهد فلسطين المحتلة، ومشاهد مختلفة في أفريقيا، يستحضر العامل الإسرائيلي من باب وشائج شتى؛ قد تبدأ من التحاق جنرالات انقلاب خريف 2921 في السودان بقاطرات التطبيع مع دولة الاحتلال، ولها أن تمرّ بصفاقة الاعتراف الإسرائيلي بالكيان الانفصالي في «أرض الصومال»،
ولن تنتهي عند الشبكات الخارجية التي تتولى تغذية الحرب الضروس بين جيش عبد الفتاح البرهان وميليشيات محمد حمدان دقلو…
والحال أن تعبير «سداد ثمن باهظ جراء انعدام الاستقرار»، الذي استخدمه يوسف، أقرب إلى خدمة الحدود الدنيا في توصيف حرب دامية تدخل عامها الثالث في السودان؛ ضمن عناصر متشابكة، مثل المدّ والجزر في انتصار/ انكسار هذا الفريق أو ذاك، بصفة شبه دورية عملياً؛ أو عطالة الفعل الدبلوماسي الإقليمي والدولي، وفي عداده وعود الإدارة الأمريكية؛
فضلاً عن فظائع الانتهاكات التي تواصل «قوات الدعم السريع» ارتكابها في مناطق النيل الأبيض وشمال كردفان وإقليم دارفور ومواقع أخرى.
الأرجح أنّ رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي ليس غريباً عن سمة مركزية كبرى طبعت معظم أطوار تاريخ السودان الحديث، مفادها أنّ السلطات المركزية، بمساهمة غالبية الأحزاب والقوى في شمال البلاد وجنوبها، تكفلت بإشعال حربَيْن أهليتين بين أعوام 1955 إلى 1972 و1983 إلى 2005؛ سقط ضحيتها قرابة مليونَيْ قتيل، وشُرّد 4 ملايين آخرين عن بيوتهم وقراهم وبلداتهم.
وهذا قبل هندسة الجنجويد، و«الدعم السريع»، وأجهزة عمر البشير، والجنرالات صنيعته أو المنقلبين عليه؛ وليس بمنأى، أيضاً، عن التالي:
1) الثروة النفطية، التي يحتضن الجنوب احتياطيها الأعظم؛
و2) الانشطار الديني بين الإسلام والمسيحية، إذْ لا يدين بالمسيحية إلا 17% من أهل الجنوب، مقابل 18% للمسلمين، و65% أتباع عقائد وثنية شتى؛
و3) الاختلاط الديمغرافي، في قلب توزّع جغرافي معقد؛
و4) الخريطة القبائلية، بينها 30 قبيلة في الجنوب وحده.
وأياً كانت نسبة الصحيح الملموس، أو الافتراضي التكهني، أو ذاك المستند إلى صور أقمار صناعية، في تقرير وكالة «رويترز» حول معسكر سرّي على الأراضي الأثيوبية لتدريب آلاف المنخرطين في صفوف «الدعم السريع»؛
وبصرف النظر أيضاً، عن تورط الإمارات في تمويله، أو نفيها؛ فإنّ معادلات صدام البرهان/ دقلو تبقى متناظرة، أو حتى متكاملة، في إضرام المزيد من نيران الاحتراب الداخلي في السودان.
كأنّ الزمن لم يبدّل كثيراً في طور اضطرار العسكر إلى عقد صفقة مع المدنيين، رضوخاً لضغوطات أفريقية ودولية تكاتفت مع اشتراطات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي؛ أو كأنّ ذلك الاضطرار كان خطوة تكتيكية قسرية، منحت الجنرالات فرصة التقاط الأنفاس قبيل نقض الشراكة مع المدنيين، وانقضاض هذا على ذاك، والانقياد إلى تدخل خارجي هنا أو هناك.
حرب الجنرالات تتجاهل قوى المجتمع السوداني، السياسية والمدنية، لأسباب عديدة داخلية ذات صلة بموازين القوى والمصالح والارتهانات والتبعيات، وأخرى ناجمة عن تاريخ العلاقة بين العسكر والسلطة وتراث اللجوء إلى خيار الانقلاب. وأما الخارجية منها فهي خليط من أبجديات التدخل الخارجي وأيّ المصالح تحظى بالأولوية، من دون اكتراث بعواقبها المدمرة.
أو، بالأحرى، من دون احتساب مصالح الشعب السوداني ذاته، ليس في عموم مطالب الحياة اليومية، ولا آمال التطلع إلى تحوّل نوعي صوب الإصلاح والتغيير الجوهري؛ بل، ربما، مجرد البقاء على قيد الحياة.
صبحي حديدي