ترامب ونوبل للسلام والحروب الـ8 المزعومة: صناعة الهيمنة بالترهيب
لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب حنق على العالم جراء عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام، عبّر عنه بوضوح في رسالته إلى رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره في 19 يناير/كانون الثاني الماضي، والتي قال فيها: "بما أنني لم أحصل عليها (الجائزة) فإنني أشعر بأنني لست ملتزماً بالعمل فقط من أجل السلام". حذّر ترامب يومها من أن العالم لن يكون في أمان ما لم يحصل بشكل كامل ونهائي على جزيرة غرينلاند الدنماركية.
لم يترك ترامب وسيلة للتعبير عن غضبه من عدم نيل الجائزة أو سبيلاً أو باباً إلا طرقه، فحصل على ميدالية نوبل للسلام التي قدمتها لجنة نوبل لزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، خلال زيارتها إلى واشنطن في 15 يناير الماضي،
وجائزة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) للسلام في الخامس من ديسمبر/ كانون الأول الماضي. كما أضاف اسمه إلى "معهد السلام الأميركي" في العاصمة واشنطن،
وكتب عشرات المنشورات التي تدعو لحصوله على الجائزة مستنكراً نيْل الرئيس الأسبق باراك أوباما عليها. ولم يستضف ترامب زعيماً أو يعقد فعالية داخلية أو مؤتمراً إلا اشتكى من "الظلم" الواقع عليه، قبل أن يستكمل في صيغة المترفع بأنه "لا بأس، المهم أن أنقذ الأرواح".
وفي المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس السويسرية، الذي عُقد بين 19 يناير الماضي و23 منه، كرّر دونالد ترامب سرديته القائلة إنه أنهى ثماني حروب، وربما أكثر، وأنه "يستحق جائزة نوبل عن كل واحدة منها".
قبل قرون بعيدة، وتحديداً في القرن الثاني الميلادي، رفع الإمبراطور الروماني هادريان شعار "السلام من خلال القوة"، مستخدماً سياسة دفاعية لتعزيز الاستقرار الداخلي، وتخلى عن أراضٍ بدلاً من التوسع العسكري المستمر،
إضافة إلى سعيه لفرض الثقافة اليونانية أداةً لتوحيد الإمبراطورية داخلياً وقمع الثورات آنذاك.
وفي ثمانينيات القرن الماضي أعاد الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان استخدام الشعار نفسه، مدفوعاً برؤية أيديولوجية واضحة، تركز على تقويض الاتحاد السوفييتي ومحاصرة الشيوعية ومنع تمددها، مع إضعاف الدول والأنظمة الموالية لموسكو من الداخل وأطلق مبادرة الدفاع الاستراتيجي (حرب النجوم).
رفع ريغان شعار "السلام من خلال القوة"، مقدماً دعماً مادياً وعسكرياً واستخباراتياً للمجموعات التي تحارب الشيوعية في أفغانستان ونيكاراغوا وأنغولا وغيرها،
لدرجة أن واشنطن أقنعت الرئيس المصري الراحل أنور السادات بإرسال "مجاهدين للقتال في أفغانستان"، والسعودية بدعم المجاهدين ضد الشيوعية مادياً.
المفارقة أن هذه المجموعات هي التي شكلت لاحقاً عصب تنظيم القاعدة. غير أن هذه السياسات تم تقديمها آنذاك تحت أيديولوجية نشر الديمقراطية والأسواق الحرة.
دعم ريغان صراعات تطورت إلى حروب أهلية في عدة دول، وهي أفغانستان ونيكاراغوا وأنغولا والسلفادور في فترة انتشر فيها مصطلح "الحروب بالوكالة"، وشن ضربات على عدة دول هي لبنان وإيران وليبيا وغرينادا.
ومنذ حكم ريغان، سارت الولايات المتحدة على هذه العقيدة السياسية، التي تخللتها حربا العراق وأفغانستان، وانضمام حلف شمال الأطلسي "ناتو" إلى الولايات المتحدة حليفاً لها في الحربين.
عقيدة دونالد ترامب
في عام 2025، أعاد دونالد ترامب إحياء شعار هادريان وريغان، متبنياً نهجاً براغماتياً يركز على شخصه وليس على الأيديولوجية السياسية للدولة بعينها، مسلطاً الأضواء على نفسه زعيماً عالمياً يجب أن يخشاه العالم.
وفي حين رأى ريغان في التحالف مع "ناتو" ركيزة أساسية للأمن القومي الأميركي والتحالفات لتعزيز تماسك "العالم الحر" ضد الاتحاد السوفييتي، قرر دونالد ترامب تهديد حلفائه الذين أعانوه على مدى عقود لإضعاف السوفييت والوصول إلى مصطلح "فائض القوة"،
وفرض تعرفات جمركية عالمية ونفذ ضربة على إيران، وكرر اختطاف رئيس جمهورية، كما فعل مع نظيره الفنزويلي نيكولاس مادورو في الثالث من يناير الماضي، مثلما فعلت الولايات المتحدة في عام 1990 مع الرئيس البنمي مانويل نورييغا.
والأهم من ذلك إطلاق تهديدات يومية في كل الاتجاهات اعتماداً على قوته، وافتخاره علناً لحصوله على نفط فنزويلا، وسعيه لضم أراض جديدة للولايات المتحدة لأول مرة منذ عام 1947، حين كانت جزر ماريانا الشمالية وكارولاين ومارشال آخر الأراضي التي ضمّتها واشنطن.
يرى دونالد ترامب في نفسه رئيساً تجاوز رونالد ريغان المؤسس للحزب الجمهوري في صيغته الحالية، أي عبر تفعيل القاعدة المحافظة في الحزب. في ولايته الأولى (2017 ـ 2021)، كان ترامب يضع نفسه في مقارنة مع ريغان، لكن اليوم يرى نفسه قد تجاوز ريغان بمراحل،
بل يقارن نفسه مع مؤسس أميركا الرئيس جورج واشنطن (1787 ـ 1789)، ومع الرئيس أبراهام لينكولن (1861 ـ 1865)، الذي يحمل لقب "المحرّر العظيم"، لدوره في الحرب الأهلية الأميركية (1861 ـ 1865)، وتحرير الأميركيين السود من العبودية.
ومثلما كان لريغان إرثه في السياسة الأميركية منذ الثمانينيات حتى عام 2017، يرغب ترامب في أن يكون صاحب إرث أعظم في الحياة السياسية.
استعار ترامب شعار "السلام من خلال القوة" مثلما استعار شعار "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى" من ريغان، لكنه غيّر السياسات بالكامل.
استخدم دونالد ترامب القوتين العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة سلاحاً لترهيب الدول عالمياً، فشن هجمات عسكرية في عام 2025 على سبعة دول، وهي اليمن وإيران وفنزويلا والصومال ونيجيريا والعراق وسورية.
لكن نجاح ضربته العسكرية على المواقع النووية الإيرانية، في 22 يونيو/ حزيران الماضي، واستخدام التعرفات الجمركية سلاحاً ضد دول العالم، واختطاف مادورو وزوجته سيليا فلوريس من كاراكاس، أظهر له مدى قوته ومدى خشية العالم من قوته العسكرية التي "لا يمكن مواجهتها"، كما يردد هو شخصياً.
رسخ نجاح العملية العسكرية لاختطاف مادورو صورة ترامب زعيماً قادراً على فعل أي شيء، وأمام العالم، باعتباره رجلاً "لا يمكن توقعه".
أرعب دونالد ترامب قادة أوروبا بأكملها في سبيل سعيه للحصول على إقليم غرينلاند التابع للدنمارك، إضافة إلى تهديداته بتوجيه ضربات عسكرية لكوبا والمكسيك وكولومبيا وإيران،
وتأسيسه مجلس السلام الذي كان يفترض أن يقتصر على غزة، قبل أن تظهر خططه لتوسيع إطاره بحيث لا يختص فقط بالأوضاع في غزة وإنما بالصراعات العالمية،
في ما بدا مؤشراً لرغبته في أن يكون له مجده الشخصي بعيداً عن الأمم المتحدة التي تساهم دول مالكة لحق النقض (الفيتو) في الغالب في إفشال قراراتها وخططها لحل الصراعات. والدول الخمس هي الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا.
مزاعم الحروب الـ8
يدّعي دونالد ترامب أنه أوقف ثماني حروب عالمياً، وأحياناً يذكر أنها أكثر من ثمانٍ. لكن منذ توليه منصبه في 20 يناير 2025، شاركت الولايات المتحدة في ستة اتفاقات لوقف إطلاق النار.
أرمينيا وأذربيجان
وقعت أرمينيا وأذربيجان، وهما جمهوريتان سوفييتيتان سابقتان، اتفاق سلام مع دونالد ترامب في الثامن من أغسطس/ آب الماضي لإنهاء حرب دامت عقوداً.
وأشاد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف ورئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بجهد ترامب في حفل التوقيع بالبيت الأبيض. واستشهد ترامب في مؤتمر دافوس بمدى صعوبة حل هذا الصراع بالقول إن "بوتين أبلغه بأنه لم يصدق أنه حل هذا الصراع".
وبناءً على هذا الاتفاق، حصلت الولايات المتحدة على حصة في ممر زنغزور الذي يربط أذربيجان بجيب ناختشيفان التابع لها والمفصول بأرض أرمينية، وذلك وفقاً لنص إطاري تم توقيعه في 20 يناير الماضي في العاصمة واشنطن بين وزيري الخارجية، الأميركي ماركو روبيو والأرميني أرارات ميرزويان.
وأشار روبيو إلى أنه سيُطلق على الممر اسم "طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي"، وسيتم إنشاء شركة تمتلك فيها الولايات المتحدة نسبة 74%، في مقابل 26% لأرمينيا،
على أن تتولى الشركة تشييد البنية التحتية للسكك الحديدية والطرق وخطوط أنابيب الطاقة (النفط والغاز)، والبنية التحتية الرقمية، بما في ذلك شبكات الألياف البصرية. وتستهدف الولايات المتحدة استثمارات أميركية ووصول معادن حيوية ونادرة إلى السوق الأميركية.
ونجح ترامب في اتفاق السلام هذا بين الدولتين.
كمبوديا وتايلاند
في يوليو/ تموز الماضي، قُتل عشرات الجنود في نزاع حدودي بين كمبوديا وتايلاند، الواقعتين في جنوب شرقي آسيا، وقاد ترامب مكالمات هاتفية بينهما مهدداً بتعثر الاتفاقات التجارية مع كليهما،
وصولاً إلى توقيع اتفاق سلام بينهما بحضور ترامب في ماليزيا، في 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي. وانهار هذا الاتفاق في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وتم استبداله بوقف إطلاق نار آخر لم يشارك فيه ترامب وفقاً لوكالة رويترز.
الهند وباكستان
وقعت اشتباكات بين الهند وباكستان في مايو/ أيار الماضي، قبل أن يعلن ترامب، على منصات التواصل الاجتماعي، أن الدولتين توصلتا إلى وقف إطلاق النار من خلال محادثات قادتها الولايات المتحدة، بعد تصاعد المواجهة العسكرية بينهما.
وعلى الرغم من أن الجانب الباكستاني نسب الفضل لترامب إلا أن الهند نفت ذلك تماماً.
جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا
في 20 يونيو 2025، أعلن ترامب عن معاهدة بين الدولتين الأفريقيتين في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم استمرار القتال بعد الإعلان، إلا أنه تم توقيع اتفاق واشنطن في ديسمبر الماضي، من دون تحقيق السلام بينهما.
إيران وإسرائيل
في 12 يونيو الماضي، هاجمت إسرائيل إيران التي ردت عليها، واستمر القتال حتى 24 يونيو من الشهر نفسه، تخلله هجوم أميركي على مواقع نطنز وأصفهان وفوردو النووية الإيرانية في 22 يونيو الماضي.
في 23 يونيو الماضي، أعلن ترامب على منصات التواصل الاجتماعي عن وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، من دون تحوله لاتفاق سلام.
واليوم يهدد ترامب بقصف إيران مجدداً على خلفية التظاهرات التي اندلعت وسقط فيها آلاف الأشخاص، مستدعياً شعارات "الحريات والديمقراطية"، في إطار رغبته في ترسيخ آلية الترهيب التي يتبعها حالياً.
العدوان الإسرائيلي على غزة
رغم توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في العاشر من أكتوبر الماضي، بعد عامين من حرب الإبادة الإسرائيلية التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 70 ألف شخص، لا تزال إسرائيل تواصل هجماتها يومياً على المدنيين.
ونقلت صحيفة يو أس توداي الأميركية عن مصدر بالبيت الأبيض أن حروب ترامب الثماني تتضمن صراعين وقعا في الغالب خلال فترة ولايته الأولى.
مصر وإثيوبيا
طبقاً لصحيفة يو أس توداي الأميركية يعتبر ترامب الخلاف بين مصر وإثيوبيا حرباً أنهاها، لكن على أرض الواقع لم يتطور الخلاف على سد النهضة بين الدولتين إلى حرب، ولم تهاجم أي منهما الأخرى.
وفي 16 يناير الماضي وجّه ترامب رسالة إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي يعرض فيها التدخل لحل الخلافات.
صربيا وكوسوفو
الصراع الآخر الذي ذكره البيت الأبيض لـ"يو أس توداي" هو بين صربيا وكوسوفو، حيث أعلن أنهما اتفقتا على التطبيع الاقتصادي، غير أن التوترات بين الدولتين لا تزال قائمة، كما أنه لم يتحول الأمر بينهما إلى صراع مسلح، ولم يتم توقيع أي اتفاق سلام.
في هذا السياق، أشارت عضوة الحزب الجمهوري جينجر تشابمان، إلى أن ترامب بخاصة خلال ولايته الثانية، تخلى عن الكلمات المنمقة واللغة الجميلة والخطب الرنانة عن نشر الديمقراطية في العالم وحقوق الإنسان وجعل العالم أكثر أماناً، التي كانت تستخدم منذ أيام ريغان حتى أوباما.
واعتبرت أن "ترامب يعلن طموحه من دون أقنعة وبصراحة تامة، ربما يمكن أن نسميه (السلام من خلال التعاملات التجارية)، لكن ما نراه عملياً هو إثارة النزاعات والمواجهات والترهيب،
ونرى استخدام التجارة سلاحاً، وحتى العقوبات والتهديدات الصريحة هي محاولة لفرض نفوذ ترامب وسيطرته على العالم، ومحاولة استعادة الهيمنة الأميركية والحفاظ على مكانة الدولار، لكن في الوقت ذاته قد تؤدي هذه السياسة إلى تنفير الحلفاء واستفزاز الخصوم".
ووجّهت تشابمان، وهي عضوة حركة ماغا (اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً)، انتقادات حادة إلى سياسات ترامب في فنزويلا، ووصفت مصادرته ناقلات النفط بأنها "قرصنة".
ولفتت إلى أن "ترامب يقول إننا سنقسم إيرادات النفط مع فنزويلا ويشيد بالإدارة، وفي الوقت ذاته نرى مصادرة ناقلات النفط. وصرح من قبل بأنه سيحتفظ بالسفن... نحن نتصرف كقراصنة في البحار.
هذا تطور مقلق جداً لأنه يؤدي إلى تصعيد أكبر في مناطق أخرى"، مشيرة إلى أن تشديد العقوبات عالمياً يجعل العالم أكثر خطورة، وترامب "دفع فنزويلا إلى كارثة اقتصادية شديدة في نهاية 2025، ويحاول فعل الأمر نفسه الآن مع إيران".
ورأت تشابمان أن "ترامب يريد أن يضيف لنفسه إرثاً تاريخياً من خلال سعيه للحصول على غرينلاند، إذ يريد أن يسجل في التاريخ أنه أحد الرؤساء الأميركيين الذي زادوا مساحة الولايات المتحدة"،
مضيفة أن الفارق هو أن "روسيا أرادت بيع ألاسكا عام 1867 وفرنسا أرادت بيع ولاية لويزيانا في عام 1803 وترامب يريد الآن الاستحواذ على غرينلاند من أجل إرثه السياسي".
ولفتت إلى أنه "في غرينلاند سيواجه ترامب صعوبة كبيرة. يقول إن لديه إطار اتفاق، لكنه سيستمر في الضغط ليسعى لتحويله إلى شراء كامل وسيطرة وملكية مباشرة. أشك بأن شيئاً سيوقفه عن هذا المطلب".
كما انتقدت تشابمان ترامب في ما يخص جائزة نوبل للسلام، وقالت: "من المدهش أنه ما زال مهووساً بها. هو غاضب ومنزعج. رسالته إلى النرويج بدت اندفاعية، لكن سلوكه اللاحق يظهر غضبه.
غير أنه في دافوس بدا أكثر تسامحاً ولديه استعداد للعمل مع ناتو للوصول إلى حل بخصوص الإقليم. المثير للاهتمام أنه عندما دعم المعارضة في فنزويلا، أصبحوا أقل دعماً لماريا كورينا ماتشادو،
وعندما دعم المحتجين في إيران تراجعت الاحتجاجات. حتى أن أحزاب المعارضة غير متأكدة من أنها تريد الارتباط باسمه".
وعن ادعاءاته بإيقاف ثماني حروب، قالت: "هو يحتاج إلى إضافة إنجازات جديدة في تاريخه".
محمد البديوي