حكومة اليمن الجديدة.. هل تنجح في تجاوز تباينات الماضي؟
بعد ثلاثة أسابيع من النقاشات، أبصرت الحكومة اليمنية الجديدة النور، عقب موافقة أعضاء مجلس القيادة الرئاسي خلال اجتماع (الجمعة 6 فبراير) في الرياض.
الحكومة الجديدة التي يرأسها شائع الزنداني جاءت في مرحلة حساسة ومليئة بالتعقيدات، أفرزتها الأحداث التي عصفت بالمحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن خلال شهري ديسمبر ويناير الماضيين.
تشكيل الحكومة لم يكن إجراءً إدارياً معزولاً، بل تتويجاً لمسار معقد بدأ مع تصعيد المجلس الانتقالي المنحل في عدن، وما رافقه من انسحاب إماراتي ملحوظ من المشهد، قابله انخراط سعودي مباشر لإعادة ضبط توازن الشرعية ومنع انهيارها.
كما تسود حالة من التفاؤل في الأوساط اليمنية تجاه الحكومة الجديدة، بالرغم من التحديات الكبيرة التي تواجهها، خصوصاً ما يتعلق بالملف الاقتصادي والخدمي والأمني.
ولادة الحكومة
وجاء تشكيل الحكومة بعد ثلاثة أسابيع من المشاورات المكثفة وسط تباينات حادة حول شكلها، وضغوط إقليمية ودولية لتفادي فراغ سياسي في مرحلة شديدة الحساسية.
الحكومة التي وصفت بأنها الأكبر في تاريخ اليمن ضمت 35 حقيبة وزارية، ما يعكس محاولة استيعاب أكبر قدر ممكن من الأطراف السياسية، وإن كان على حساب "الرشاقة الحكومية".
الوزارات السيادية توزعت على نحو لافت، إذ جمع الزنداني بين رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية، بينما أُسندت الداخلية والدفاع والمالية لشخصيات محسوبة على مركز القرار داخل مجلس القيادة.
وأسندت وزارة الداخلية للواء إبراهيم حيدان من محافظة أبين، ووزارة الدفاع للواء الركن طاهر العقيلي وهو من محافظة عمران شمال اليمن، بينما تولى حقيبة المالية مروان بن غانم من حضرموت.
توزيع التشكيلة يعكس تركيزاً واضحاً على الوزارات السيادية المرتبطة بالأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، باعتبارها مفاصل أساسية في إدارة المرحلة الحالية، وسط تحديات داخلية وضغوط إقليمية ودولية متشابكة.
كما حصل المجلس الانتقالي المنحل على ست وزارات، في خطوة اعتبرت محاولة لتحييد خطر التمرد السياسي والعسكري في الجنوب، مستندة إلى دعم سعودي واسع وإجماع إقليمي ودولي على ضرورة تثبيت الاستقرار.
ما قبل الحكومة
ولدت الحكومة في لحظة سياسية حرجة، أعقبت تصعيداً غير مسبوق في عدن ومحافظات جنوبية وشرقية خلال شهري ديسمبر ويناير الماضيين، كاد يعصف بما تبقى من بنية الشرعية.
في خضم ذلك التصعيد تراجع دور الإمارات، وصولاً إلى إعلان أبوظبي انسحابها كلياً مطلع يناير الماضي، مقابل صعود الدور السعودي بوصفه الضامن الأخير لتماسك الشرعية ومنع انزلاقها إلى صراع داخلي مفتوح.
وبالنظر لطبيعة المرحلة التي سبقت تشكيل حكومة شائع الزنداني، يتضح جلياً أنها جاءت كحل وسط لتفكيك أزمة متراكمة، ومسعى لتجاوز حقبة التباين والانقسام داخل الشرعية، وسط آمال بأن تنجح في ذلك، وهذا ما يراه القيادي بحزب المؤتمر الشعبي العام عادل الشجاع.
وأضاف الشجاع، في منشور له بمنصة "فيسبوك"، أنه بـ"الرغم من موجة التشاؤم التي رافقت الإعلان عن تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة، فإن قراءة متأنية وهادئة للتجربة السياسية تفرض ضرورة التركيز على جوهر الأداء المنتظر منها".
كما شدد على أن "حكومة الزنداني جديرة بأن تُمنح فرصة حقيقية، لا من باب حسن النية فقط، بل استناداً إلى معطيات موضوعية تفتح باب الأمل أكثر مما تبرر القلق".
تحديات المرحلة
تواجه الحكومة تحديات أمنية معقدة، في مقدمتها ضبط الوضع في المحافظات الجنوبية والشرقية، ومنع محاولات فلول المجلس الانتقالي المنحل إعادة تنظيم صفوفهم ميدانياً،
إلى جانب ملف توحيد القرار الأمني والعسكري الذي يُعد من أعقد الملفات، في ظل تعدد التشكيلات المسلحة وتضارب الولاءات.
كما تقف الحكومة اليمنية أمام المعضلة الاقتصادية، وفي مقدمتها عدم استقرار العملة، وتراجع الإيرادات، وتدهور الخدمات الأساسية، وهي ملفات لا تحتمل التسويف في حلحلتها.
سياسياً، تُطالب الحكومة بإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة وحماية المركز القانوني لها، وهذا هو جوهر التصعيد الأخير الذي انتهى بحل المجلس الانتقالي ، وهو ما يشكل تحدياً للتعامل معه في ظل حالة المحاصصة التي تشكلت على أساسها الحكومة، وإن لم يكن ذلك ظاهراً.
يرى السياسي اليمني هاني علي سالم البيض أن "قيمة أي حكومة لا تُقاس بعدد الحقائب، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة تمس حياة المواطنين"، محذراً من أن تضخم الهياكل قد يعكس تغليب التوافقات على وضوح الأولويات.
وأضاف البيض، وهو نجل نائب رئيس اليمن الأسبق علي سالم البيض، أن "المرحلة لا تحتمل حكومة أسماء، بل حكومة برامج واضحة، تُحاسب على النتائج لا على التوازنات"، لافتاً إلى أن الحكومة الحالية أقرب لإدارة أزمة منها لحسمها.
ويؤيده فيما ذهب إليه القيادي بحزب المؤتمر الشعبي العام عادل الشجاع، الذي دعا إلى ضرورة التركيز على البرنامج الوزاري، وطريقة إدارة الفريق، وقدرته على العمل كمنظومة واحدة.
ولفت، في منشور له على "فيسبوك"، إلى أن الفيصل الحقيقي سيبقى برنامج الحكومة والتزاماتها العملية،
مشيراً إلى أن اليمن اليوم بحاجة ماسة إلى حكومة تضع في صدارة أولوياتها رفع نسبة النمو الاقتصادي عبر سياسات واقعية، وحصر السلاح بيد الدولة، وتحملها مسؤولية الأمن والدفاع، وإعادة اليمن إلى محيطه العربي والدولي كدولة فاعلة، لا كساحة أزمات.
حكومة ترضيات
يرى المحلل السياسي اليمني عمر بن هلابي، الذي يرأس أيضاً تكتل الإعلاميين والصحفيين ونشطاء المحافظات اليمنية الشرقية، أن الحكومة المُعلنة جاءت أقل من التوقعات، وأنها تحولت من حكومة كفاءات إلى حكومة ترضيات، حسب قوله.
وأعرب بن هلابي، عن أمنياته للحكومة بالنجاح، لافتاً إلى أن ذلك "يعتمد على برنامجها عندما تعلن عنه ومدى آليات المراقبة والإشراف على التنفيذ التي ستحدّدها أو تقبل بها".
واستطرد بن هلابي قائلاً:
- الحكومة وإن كانت الظروف قد انعكست على تكوينها فإنها كانت أقل مما أعلن عنها، وتحولت للأسف من حكومة كفاءات كما أعلن الدكتور الزنداني إلى حكومة ترضيات، وهذا مؤشر غير مريح أو غير مشجع على التفاؤل بالنجاح.
- لها نقاط قوة نوعاً ما، مثل قيادة وزارة الدفاع والداخلية، ولكنها ربما ستكون نقاط قوة معطلة لأنها ستعتمد في قوتها في الأساس على قوة القرار للحكومة، والقيادة كاملة والوضع في هذا الاتجاه لا يختلف عن السابق حتى الآن.
- التحديات كثيرة، ولكن أبرزها انحراف مسار التصحيح أو ربما نستطيع أن نقول استبدال قرار الحسم الذي اتخذ في حضرموت، إلى قرار الاحتواء الذي بدأ للأسف تطبيقه رئيس المجلس رشاد العليمي عندما وصل الحسم إلى شبوة وتوقف فيها، وانحرف مساره إلى الاحتواء.
- نشاهد أن هذا القرار سمح للقوى الانقلابية بالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفها والدلائل كثيرة، وأبرزها هذه المسيرات الحاشدة، التي وصل الدفع بها وإعادة أدلجتها والسيطرة عليها من قبل بقايا المجلس الانتقالي المنحل، لدرجة إهانة الدولة وحرق العلم الوطني، بل وصل بهم الشحن الأيديولوجي إلى دفعهم لحرق راية التوحيد لأول مرة في التاريخ، وهذه إشارة خطرة جداً.
- الصمت على تلك الأفعال، والإصرار على سياسة الاحتواء الخاطئة دفعت بهم إلى الوصول إلى حرق صور رموز وقيادات التحالف في سيئون.
- إذا لم تعد قيادة الدولة إلى الالتزام بسياسة الحزم فسوف يفرغ النصر الذي تحقق في حضرموت من مضمونه، وستكون كل القوى الانفصالية أقوى مما كانت، ونتائجها كارثية على القوى الوطنية وبشكل خاص على السعودية كحليف ضحى بالكثير لاتخاذ قرار الحسم في حضرموت.