جماعة الحوثي والخيارات الصعبة
فرضت العلاقة التحالفية بين إيران ووكلائها استراتيجيةً ثابتةً يحدّدها المشترك العقائدي والسياسي أيضاً، الذي ينعكس في بلورة موقف عسكري موحّد يستجيب للتهديدات المشتركة، إلى جانب إدارة معادلة الردع ضدّ الخصوم.
بيد أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، كما يبدو، قلبت هذه الاستراتيجية، إذ وجد الوكلاء أنفسهم يفتقرون إلى إطار مركزي يوحّد سياستهم ومواردهم، في مواجهة عدوّ مشترك متفوّق عسكرياً، ففرض عليهم هذا تبنّي خيارات انتقائية فرضتها، إلى حدّ كبير، حساباتهم السياسية في هذه المرحلة، أكثر ممّا فرضها مبدأ التحالفية واستحقاقاته.
خلافاً للموقف الرسمي لقوى محور المقاومة، من حزب الله في لبنان إلى المليشيات الشيعية في العراق، تبنّت جماعة الحوثي حتى الآن سياسةً حذرةً من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، قائمةً على مبدأ الحياد وتقييم تطوّرات الحرب، ليشكّل ذلك تحوّلاً لافتاً في سياستها الخارجية التي ترتكز على البعد الإسنادي في نصرة حلفائها ومكاسبها المحلّية والإقليمية،
إذ إنه، ومع التزام الجماعة بدعم حليفها الإيراني، إلى جانب وضع مقدراتها العسكرية في حالة تأهّب قصوى استعداداً للتدخّل في أيّ مرحلة، إلا أنها قصرت مجالات الإسناد على المستويين السياسي والإعلامي،
بما في ذلك المستوى الشعبي المتمثّل بتحشيد تظاهرات أسبوعية في المناطق الخاضعة لها، وهو ما يعني انكفاءها في الوقت الراهن، ومن ثم عزل نفسها عن تبعات الصراع الدائر، الأمر الذي فرضته حساباتها السياسية من إفرازات الحرب الحالية وانعكاساتها على الجماعة، مستندةً بالطبع إلى الهامش السياسي الذي توفّره لها طبيعة علاقتها بحليفها الإيراني.
تؤثّر مفاعيل الهُويّة وإفرازاتها في طرائق توجيه الحرب واستثمارها أيضاً، فتمنحها المشروعية السياسية، على الأقلّ عند قطاعات المناصرين، وفي حالة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، فقد أدّت قولبتها في إطار ديني، والأهم طائفي، إلى تحجيم التضامن مع إيران،
وعزّز ذلك أيديولوجيا نظام طائفي، إلى جانب مفاعيل تدخّل طهران في اليمن لدعم وكيلها، وكرّس حالة انقسام سياسي ومجتمعي في اليمن، الأمر الذي قيّد خيارات جماعة الحوثي في إسناد حليفها عسكرياً.
وإذا كان المعطى الهُويّاتي والمذهبي يجعل من خوضها الحرب الإسنادية لدعم إيران مسألةً مصيرية، والأهم دينية، تعضدها سرديات العداء لأميركا وإسرائيل، فإن انقسام أجنحتها العسكرية والسياسية ما بين التيار الموالي لإيران الذي يضغط للمشاركة في الحرب، والجناح المعارض، فاقم إرباك الجماعة من حيث حسم وجهتها في هذه المرحلة، بما يعنيه ذلك من تحمّل مسؤولية القرار وتبعاته.
ومن جهة أخرى، فقد انتقلت حالة الانقسام السياسي في سلطة الجماعة إلى المستوى المجتمعي. فعلى الرغم من التعبئة الدينية اليومية، من الجوامع إلى القنوات الإعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد فشلت الجماعة حتى الآن في بلورة حاضنة شعبية متماسكة تمنحها قدراً من المشروعية لدخول الحرب،
مقارنةً مثلاً بحالة الإسناد الشعبي في دعم القضية الفلسطينية التي وفّرت لها، إبّان حرب الكيان الإسرائيلي على قطاع غزّة، فرض خياراتها على المجتمعات الخاضعة لها،
ومن ثم فقدت الجماعة معطى مهمّاً، هو القدرة على تحشيد المجتمع، سواءً على مستوى الدعم أو الموارد، لحسم وجهتها من الحرب.
إلى ذلك، يشكّل الطابع الشمولي للحرب الحالية عاملاً مؤثّراً في تفضيل جماعة الحوثي خيار الحياد، على الأقلّ في الوقت الحالي.
فإلى جانب أن مسار الحرب الدائرة وأهدافها المعلَنة قد يفرضان نمط حرب مفتوحة، خلافاً لنمط الحروب الإسنادية التي خاضتها الجماعة ومكّنتها إلى حدّ كبير من تقدير حسابات المخاطر في جبهتها الداخلية، فإن محدودية قدراتها العسكرية تجعل من انخراطها في الحرب عاملاً غير مؤثّر في تحسين موازين القوى لصالح حليفها الإيراني،
عدا عن أنه عبء على الجماعة، بما في ذلك تحوّلها إلى هدف عسكري مباشر لأميركا وإسرائيل. إضافة إلى أن انخراطها في الحرب لن يؤدّي فقط إلى استنزاف ما تبقّى من مقدرتها العسكرية، بل سيؤدّي إلى الإضرار بموقعها في المعادلة اليمنية، إذ قد يندفع خصومها المحلّيون إلى تصعيد الحرب، ومن ثم تشتيت موارد الجماعة العسكرية، وربّما تغيير موازين القوى.
ومن جهة أخرى، وعلى الرغم من أن استئناف الجماعة معركتها البحرية في البحر الأحمر يظلّ خياراً محتملاً، ومرتبطاً بإدارة إيران لمعادلة حرب الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز، فإن تحول البحر الأحمر إلى ملاذ وحيد لحركة الملاحة يضاعف مستويات المخاطر بالنسبة إلى الجماعة في حال انخراطها في الحرب البحرية، إذ إن حرص الإدارة الأميركية،
وفي سياق عزل تأثير حربها على إيران عن سوق الطاقة العالمية، يجعل من تحييد البحر الأحمر ضرورةً استراتيجيةً بالنسبة إلى أميركا، ومن ثم، فإن استئناف الجماعة حربها البحرية يشكّل مغامرةً غير محسوبة العواقب،
بالإضافة بالطبع إلى كلفتها الكارثية على الجماعة. يضاف إلى ذلك، وهو الأهم، أن التحوّلات العسكرية في الجبهة اليمنية بعد تولي السعودية مهمة الإشراف على الممرات المائية، بما في ذلك التمركز في باب المندب، تجعل أيّ خطوة من الجماعة تستهدف الملاحة في البحر الأحمر تصعيداً موجهاً ضدّ السعودية، وهو ما تحاول الجماعة تجنّبه.
في مقابل شمولية الحرب الحالية وضبابية مساراتها، بما في ذلك تداعياتها التي تشمل إعادة هندسة التحالفات في الإقليم، فإن استمرار استهداف إيران دول الخليج، للضغط على أميركا لوقف الحرب، يعني تركيز الصراع في المحيط الإقليمي،
ومن ثم يجذّر التوتّرات السياسية، والأهم الطائفية، في المنطقة على المدى البعيد، إلى جانب تقويض مسار تطبيع العلاقات بين إيران ودول الجوار، وهو ما يخلق بالنسبة إلى جماعة الحوثي تحدّيات سياسية واقتصادية أيضاً، جرّاء تحدّيات إدارة علاقتها بالسعودية، لدورها المركزي في الساحة اليمنية، التي تتجاوز إدارة شبكة وكلائها إلى فرص إنهاء الحرب في اليمن، والأهم تعويل الجماعة،
وفي سياق استئناف المسار التفاوضي، على دفع السعودية إلى تنفيذ الشقّ الاقتصادي من خريطة الطريق،
إذ إن الجماعة التي تواجه وضعاً اقتصادياً كارثياً، مع استمرار تقلّص مواردها والعقوبات الاقتصادية الأميركية، وأيضاً انتفاء قدرة حليفها الإيراني على دعمها، تراهن على التفاهمات مع السعودية لمواجهة أعبائها الاقتصادية، الأمر الذي يجعل تحييد نفسها في الحرب الحالية، ولو مؤقّتاً، خياراً مثالياً بالنسبة إليها.
ومن جهة أخرى، فإن تحالف الجماعة مع إيران قد يدفع السعودية إلى تبني نهج متشدّد حيالها، سواء بدعم خصومها عسكرياً أو تضييق الخناق عليها اقتصادياً، ما يجعل الجماعة تفضّل خيار التهدئة مع السعودية لتجنّب فاتورة مكلفة، وأيضاً تفويت الفرصة على خصومها.
ربّما من حيث النتائج الأولية، فإن جماعة الحوثي، وإن استطاعت في الوقت الحالي تجنّب مصير وكلاء إيران الآخرين، إلا أن استنزاف القدرة العسكرية لإيران في حرب طويلة، وإضعافها، يعنيان فقدان الجماعة لأهم شريان حيوي يدعم قوتها العسكرية، إلى جانب أشكال الدعم والإسناد الاقتصادي.
كما أن استهداف إيران يعني إضعاف رأس السلطة الهرمية في إدارة محور المقاومة على المدى البعيد، إلى جانب تمثّلات إيران الأيديولوجية والدينية في سردية الإسلام الشيعي في مقابل الإسلام السنّي.
ناهيك عن مخاطر أن تفضي الحرب الحالية إلى شلّ النظام الإيراني أو إسقاطه، وهو ما يعني توجيه ضربة قاصمة للجماعة.
ومن جهة أخرى، وإن نجت الجماعة من استهداف أميركا وإسرائيل في هذه المرحلة، فإنها تظلّ هدفاً عسكرياً دائماً، وأن دورها سيحين سواء في حالة هزيمة إيران أم لا.
أمّا في حالة انتهاء الحرب وبقاء النظام الإيراني، فإن تقاعس الجماعة عن إسناد حليفها عسكرياً، وإن أتى في سياق تفاهمات بينية، يعني فشلها في اختبار الولاء، من خلال المبادرة في الإسناد،
ومن ثم فإن الجماعة تواجه مأزقاً سياسياً لترتيب أولوياتها في هذه المرحلة، ما بين خيارات محدودة: إمّا المضي في نهج الحياد وإما المقامرة بخوض الحرب، وإن عنى ذلك، في الحالتَين، أنها في مفترق طرق تواجه تحدّيات مصيرية لضمان وجودها السياسي.
* كاتبة وناشطة يمنية