الدولة حين تتحول إلى فئات!!
*كيف تخسر المؤسسات عقلها وتفقد المجتمع ثقتها*
هناك فرق كبير بين الدولة وبين السلطة.
الدولة تُبنى بالمؤسسات والقوانين والكفاءة
أما السلطة فليست سوى مرحلة عابرة في عمر الدولة.
لكن الخطر يبدأ عندما تختلط المفاهيم
فتُدار مؤسسات الدولة بعقلية التصنيف لا بعقلية المؤسسة
ويُعاد ترتيب الموظفين داخلها وفق دوائر غير معلنة من القرب والولاء
لا وفق معيار الخبرة والكفاءة.
عند هذه اللحظة لا تحدث أزمة سياسية فقط
بل تبدأ أزمة بنيوية داخل الجهاز الإداري للدولة نفسها.
كيف تبدأ المشكلة؟
في ظاهر الأمر تبدو المؤسسات قائمة:
مكاتب مفتوحة
إدارات تعمل
موظفون يحضرون
ومعاملات تُنجز.
لكن في العمق يتشكل واقع مختلف تماماً
حيث يُعاد فرز العاملين داخل الجهاز الإداري إلى دوائر غير مكتوبة يمكن تلخيصها بثلاث طبقات غير معلنة.
الدائرة الأولى:
من يملكون القرار
هذه الدائرة تضم من هم الأقرب إلى مراكز القرار الإداري والمالي.
ووجود هذه الطبقة في أي دولة أمر طبيعي
فالمؤسسات تحتاج إلى قيادة وإدارة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول القيادة من مسؤولية إدارية إلى شبكة نفوذ مغلقة
يصبح الوصول إليها أو التأثير فيها محكوماً بمعايير غير مهنية.
عندها تتحول الوظيفة القيادية من موقع لخدمة المؤسسة إلى موقع لتوزيع النفوذ داخلها.
الدائرة الثانية:
الجهاز الإداري المتكيّف
في هذه المساحة توجد شريحة واسعة من الموظفين الذين حاولوا التكيف مع التحولات التي مرت بها مؤسسات الدولة خلال السنوات الماضية.
بعضهم يمتلك خبرة تراكمت عبر سنوات طويلة من العمل
وبعضهم دخل الجهاز الإداري في ظروف اقتصادية صعبة بحثاً عن مصدر رزق أو استقرار وظيفي.
المشكلة هنا ليست في هؤلاء الناس
بل في البيئة الإدارية التي أصبح الاستقرار فيها مرتبطاً أحياناً بالعلاقات أكثر من ارتباطه بالأداء المهني.
ومع مرور الوقت يبدأ الجهاز الإداري بفقدان أحد أهم عناصر قوته:
الوضوح في معايير التقييم والفرص.
الدائرة الثالثة:
الكفاءات التي تراجعت إلى الخلف
وهذه هي الخسارة الصامتة التي لا تُقاس بالأرقام.
فخلال السنوات الماضية خرجت أو تراجعت أعداد كبيرة من الكفاءات المهنية والأكاديمية داخل مؤسسات الدولة المدنية.
بعضهم وجد نفسه خارج المؤسسة
وبعضهم بقي داخلها لكنه أصبح بعيداً عن مواقع التأثير وصنع القرار.
وحين يحدث ذلك
تخسر المؤسسة شيئاً لا يمكن تعويضه بسهولة:
الخبرة المتراكمة والعقل الإداري الذي تشكّل عبر سنوات طويلة من العمل.
ماذا يحدث للمؤسسات حين تختل المعايير؟
حين لا تكون الكفاءة هي معيار التقدم داخل المؤسسة
تبدأ آثار ذلك بالظهور تدريجياً:
يتراجع الأداء المؤسسي
تضعف القدرة على اتخاذ القرار المهني
وتتآكل الثقة بين المجتمع والجهاز الإداري.
فالمؤسسة القوية لا تُقاس بحجم مبانيها ولا بعدد موظفيها
بل بقدرتها على توظيف الكفاءة في المكان المناسب.
الموظف… الحلقة الأكثر هشاشة
وسط كل هذه التعقيدات
يبقى الموظف العادي هو الحلقة الأكثر هشاشة في هذه المعادلة.
فهو ليس صاحب قرار
ولا جزءاً من شبكات النفوذ، لكنه يتحمل العبء الأكبر للأزمات الاقتصادية والإدارية.
وفي بلد يعيش سنوات طويلة من الضغوط الاقتصادية
تصبح استقرار حياة الموظف مسألة تتجاوز الراتب نفسه لتصل إلى استقرار الأسرة والمجتمع.
ولهذا يصبح السؤال الذي يتردد اليوم في بيوت آلاف الموظفين سؤالاً بسيطاً في صياغته
لكنه عميق في دلالته:
حين يُنتظر مبلغ خمسة وثلاثين ألف ريال لثلاثة أشهر كاملة
هل يمكن لهذا المبلغ أن يغطي احتياجات أسرة؟
وهل يمكن تقسيمه على عدة أفراد بحيث يمنحهم الحد الأدنى من شعور الأمان
فضلاً عن فرحة مناسبة مثل العيد؟
ليس هذا سؤالاً سياسياً
بل سؤال معيشة وكرامة إنسانية.
ما الذي تحتاجه مؤسسات الدولة اليوم؟
مؤسسات الدولة المدنية لا تحتاج إلى شعارات جديدة بقدر ما تحتاج إلى العودة إلى قواعد بسيطة لكنها حاسمة:
أن تكون الكفاءة هي الطريق الطبيعي للمسؤولية
وأن تكون الوظيفة العامة خدمة للمجتمع لا امتيازاً مغلقاً
وأن يشعر الموظف أن المؤسسة التي يعمل فيها تحمي كرامته قبل أن تطلب منه أداء واجبه.
*زبدة القول*
الدول لا تنهار فجأة
بل تضعف تدريجياً عندما تفقد مؤسساتها معيار العدالة المهنية.
وحين تستعيد المؤسسات هذا المعيار
تستعيد معه ثقة المجتمع وقوتها في آن واحد.
ولهذا فإن إصلاح الدولة لا يبدأ من الخطابات الكبرى
بل من سؤال بسيط وواضح:
كيف نجعل مؤسسات الدولة مكاناً تتقدم فيه الكفاءة
ويشعر فيه الموظف أن جهده وخبرته هما الطريق الحقيقي للاستقرار والاحترام؟
أ. حميد القهالي