لبنان بين مرحلتين، هل للأمل مكان؟ وأي دور للسعوديّة؟
لم تكن كلُّ القرارات الرسميّة في لُبنان وخصوصًا منها السعي لحصرية السلاح وقرارات الحرب والسلام بيد الدولة، ورفع الشرعية الحكومية عن سلاح حزب الله، ثم التفاوض المُباشر مع إسرائيل،
وصولا الى فتح صفحة جديدة في العلاقات السوريّة اللُبنانيّة، مُجرَّدَ ردودِ فعلٍ عابرة تُحاكي مع ما كان يحصُل سابقًا.
بل كلُّ هذه التطورات ما هي الاّ عناوين لمرحلة سياسيّة أمنيّة اقتصاديّة جديدة تتبلور معالمُها حاليًّا لتتكيف مع المتغيرات الكبرى في المنطقة، وتستمر بطيّ صفحةِ ماضٍ لُبنانيّ مع ساسته الذين جاؤوا من خلف الحروب وبسببها،
فرفعوا مستوى مصالحهم على حساب مصلحة الوطن وبناءِ الدولة.
ثمة تقاطُع عربي إقليمي دولي واضح لمن يُريد أن يراه يرافق هذه التطوّرات اللُبنانيّة، سمحت لرئيس الجمهوريّة جوزيف عون ورئيس الحكومة نوّاف سلام بعدم إيلاء كبير أهمية لما تقوله الأطراف الداخليّة المُعرقلة لقيام المرحلة المُقبلة،
ذلك أنَّ هذا التقاطع يفترض قيامَ دولةٍ قويّة مهما كان الثمن، تمامًا كما يفترض صدّ التحالفات المصلحيّة التي كانت تقوم بين أطراف الداخل الممثلين لطوائفهم ومصالحهم ومافياتهم، والتي كانت تقفز فوق خلافاتهم العقائدية والإيديولوجية والمذهبيّة حين يحضُر قالب الجُبنة لتقاسمه.
لم يُعرف عن الرئيس جوزيف عون في خلال قيادته للجيش أنّه كان من النوع الذي يتنازل أمام ترهيب الأحزاب والقوى السياسيّة، فهو استطاع بشخصيته العنيدة والمتمرّدة أن يحافظ على استقلالية جيّدة،
وكان اختيارُه لرئاسة الجمهوريّة الذي لعبت فيه الولايات المتحدة الأميركية والسعودية الدور الأهم، قد انطلق من رغبة واضحة عند هؤلاء بالدخول في مرحلة جديدة في لُبنان،
عنوانُها الأساس هو قيام الدولة، وكف يد المتسلطين عليها بمساعدة عربية وضغوط أميركية وتلويح بالعقوبات، وانهاء عصر الحروب والسلاح غير الشرعي.
وقد نجح الرئيس عون ومعه رئيس الوزراء د نوّاف سلام (رغم تنافرهما في عدد من المحطّات) في إسماع صوت الدولة الذي بقي مخنوقًا لعقود طويلة أمام صُراخ الأحزاب والميليشيات وأمراء الحروب،
وهذا ما عرّضهما سريعًا لحملة تخوين وترهيب ممنهجة خصوصًا بعد قراري رفع الشرعية عن سلاح الحزب والذهاب نحو المفاوضات المُباشرة.
وعلى أهمية مواقفهما التي اتسمت بجرأة قاربت المغامرة، الاّ أنَّ ذلك ما كان ليتحقّق لولا الدعم الدائم والمُباشر من الأطراف الفاعلة حاليًّا وفي مقدمها أميركا التي اختصرت الغرب بشخصها، والسعوديّة التي تمثّل العمق العربي الحاضر بقوة في لُبنان لاستكمال انهاء المرحلة السابقة وبناء مرحلة جديدة تستند الى قيام الدولة.
لم يأتِ التنسيق العربي خصوصا المصري والقطري مع السعودية من باب الصُدفة، ولم يكن التناغم مع الدور الفرنسي والتواصل المستمر مع الجانب الأميركي لضمان التزام إسرائيل بوقف الحرب والمباشرة بالانسحاب لصالح الجيش اللُبناني وتقليص نفوذ سلاح حزب الله، ردةَ فعلٍ، بل جاء بناءً على خطة تتبلور معالمُها يومًا بعد آخر للخروج من النفق اللُبناني المظلم.
وليس التنسيق السعودي الإيراني (النسبيّ، ولكن المهم) في سياق مواكبة المفاوضات الصعبة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، مجرّد مواكبة عابرة، بل هو استباقٌ لمرحلة إقليمية مفتوحة على كل الاحتمالات، وتتطلب مراقبة دقيقة واستعدادًا كبيرًا للحفاظ على الأمن القومي العربي والذي لسوريا ولبنان فيه دورٌ مهم.
يفترض كلُّ ما تقدم، أن ينصب الجهد العربي الإقليمي الدوليّ، حول ثلاثة عناوين لُبنانيّة واضحة: انسحابٌ إسرائيليٌّ كامل من الأراضي اللُبنانيّة، وحصرُ كامل السلاح وعلى كلّ الأراضي اللُبنانيّة بيد الدولة، ومرافقةُ الدولة القائمة من تحت الدمار ورماد مصالح أمراء الحروب، لاستكمال مراحل الإصلاح وإعادة الإعمار وفصل السلطات،
وهذا كله سيكون شرطًا أولاً لحصول لُبنان على مساعدات ماليّة وتدفقات اقتصادية ومشاريع استثمارية، ولاستمرار المظلة الدوليّة والعربية التي ستزداد الحاجة إليها مع اقتراب فصل الشتاء، وضرورات المباشرة بإعادة الإعمار وإعادة النازحين الى بلداتهم وقراهم وبيوتهم.
صحيح أن حزب الله يسعى لفرض معادلة أخرى ويرفع الصوت عاليًّا ضد عون وسلام وكل من يخالفه، لكن الصحيح أيضًا أن الدولة صارت تتصرف دون أن تلتفت كثيرًا الى ما يقوله الحزب، وهي تستند في ذلك إلى الدعم العربي والإقليمي والدولي من جهة،
وإلى قناعة راسخة بأن المفاوضات الإيرانية الأميركية في حال نجحت ستُفضي الى القبول بإنهاء عصر السلاح وانسحاب إسرائيل ولو بعد حين.
يُدرك رئيس مجلس النواب نبيه برّي أكثر من غيره، نظرًا لمروحة علاقاته الواسعة مع أصحاب القرار عند العرب والغرب وفي الإقليم، بأنَّ لُبنان يقف على أعتاب مرحلة آخذة بالانتهاء، وأخرى آخذة بالتبلور،
ولذلك فهو زانَ بميزان الذهب احتمال سعي حزب الله لإسقاط الحكومة بالشارع، ووقف ضدها لإدراكه بأن ذلك ليس سببا للفتنة فحسب، بلا لأنه ما عاد مناسبًا للمرحلة المُقبلة والاحتضان العربي والدولي لها، خصوصا أنَّ أميركا ( وفي رسالة إنذار واضحة) لم تتردد في فرض عقوبات مؤخّرًا على حليف المحور في الجانب المسيحيّ ، زعيم تيّار المردة سليمان فرنجية .
الأمل بقيام دولة قادرة، وانسحابٍ إسرائيلي فعليّ، وسحب لسلاح حزب الله في تسويات المرحلة المُقبلة، عناصرُ تدعو للأمل، لكن يبقى هذا الأملُ محفوفًا بخطر تقلّبات ترامب الذي ما زال حتّى اللحظة يلوّح بالقوة ضد إيران، ويغامر بدعوة سوريا لضرب حزب الله، ومحفوفًا كذلك بخطر أطماع نتنياهو غير القادرة على وقف الحرب قبل تحقيق انجاز كبير ضد الحزب أو إيران...(رغم عجزه الواضح عن ذلك رغم التدمير والابادة).
ولذلك يبقى خطر نتنياهو بجر لُبنان وإيران مجددا للحرب أحد أخطر العوامل حاليًّا.
قد تكون السعوديّة وعبر تنسيقها الدقيق حاليًّا مع مصر وقطر والولايات المتحدة الأميركية وتركيا والحفاظ على تواصلها المفيد مع إيران رغم الصواريخ الإيرانية عليها وعلى الخليج، حجرُ الرَحى لمواكبة لُبنان في مرحلة نهوضه، ولكن يجب الأخذ بعين الاعتبار هنا ايضًا أن سعوديةَ اليوم مع الأمير محمد بن سلمان تختلف تمامًا عن سعودية الأمس،
فمع السعودية الجديدة يبدو لا مكان لأمراء الحروب ولا للطبقة السياسيّة السابقة والموسومة بالفساد، ولا للسلاح غير الشرعي ولا للتنازل في مسألة بناء دولةٍ قوية تتفاهم مع دولة سورية قويّة أيضًا، تمامًا كما لا مكان عندها لاحتمال بقاء إسرائيل في لُبنان أو سوريا او لاحتمال رفض قيام دولة فلسطينية...ولولا هذا الضابط السعودي لكانت علاقات لُبنان وسورية في مكان آخر تمامًا.
هل كل هذا يدفع إلى الأمل...؟