جماعة الحوثي... الرهانات والخسائر
صعّدت جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران هجماتها في جبهات عديدة، وتطرح هذه التطوّرات جملةً من الأسئلة المركّبة، بدءاً بأوراق القوّة التي تعوّل عليها الجماعة في إدارة صراعها الحالي متعدّد الجبهات ورهاناتها في هذه المرحلة،
وكذلك العوامل التي تقيّدها، إلى جانب إمكان تحقيق أهدافها من خلال استخدام القوّة.
وفقاً لمؤشّرات التصعيد ونطاقاته الجغرافية، تدير جماعة الحوثي جبهات الحرب وفق استراتيجية تصاعدية مدروسة، بما في ذلك الاستعداد لمعركة طويلة الأمد، وانعكس ذلك على إجراءاتها ووسائل إدارة سلطتها.
فعلى الصعيد السياسي، عملت لتهيئة المجتمعات الخاضعة لها لحربها الحالية من خلال تكريس خطاب سياسي ديني يهدف إلى حشد المجتمع خلفها، والأهم تحجيم أيّ مطالب اقتصادية مجتمعية.
وعلى الصعيد العسكري، وجّهت مواردها لمعركتها المصيرية، بما في ذلك فرض التجنيد الإجباري وإجبار المجتمعات القبلية على تقديم مقاتلين. وانسجاماً مع هذه الإجراءات، أدارت الجماعة تصعيدها العسكري وفق قواعد معركة طويلة، أي حرب تصاعدية وموجّهة.
إقليمياً، استمرّت باستهداف الملاحة السعودية في الممرّات البحرية من البحر الأحمر إلى خليج عدن، وكذلك نفّذت عمليات عسكرية دورية تطاول منشآت نفطية سعودية،
إلى جانب نقلها المعارك إلى العمق السعودي الحدودي مع اليمن، وبموازاة ذلك اعتمادها على حليفها الإيراني في إدارة معركة المضائق في المنطقة، وكذلك ضبط تصعيدها على الملاحة السعودية بما ينسجم مع مسارات التفاهمات الأميركية - الإيرانية في إدارة مضيق هرمز.
محلّياً، ومن خلال استراتيجية التصعيد العسكري التصاعدي في عموم الجبهات، كثّفت هجماتها في الجبهات الاستراتيجية، مثل مدينة مأرب الغنيّة بالنفط، وميناء المخا في الساحل الغربي، المطلّ على باب المندب، إلى جانب مناطق التماس في مدينتي الضالع وتعز.
وتعكس استراتيجية الجماعة تحوّلاً ملحوظاً في إدارة الجبهات، وترتكز على عزل الجبهات الاستراتيجية جغرافياً وعسكرياً، وأيضاً تشتيت خصومها عبر الجبهات الثانوية، وكذلك تبنّي وسائل قتالية محدّدة وموازنة طبيعة الأهداف.
ففي حين تحوّلت المسيّرات والصواريخ الباليستية إلى سلاحها الرئيس الضارب، ركّزت أهدافها على مخازن الأسلحة وخطوط الإمدادات، وكذلك حشود المقاتلين، بما في ذلك البنى الحيوية مثل المعسكرات والموانئ،
إلى جانب تعطيل فرص الهجوم على مدينة الحديدة الخاضعة لها من الساحل الغربي الخاضع لخصومها، وقطع الإمدادات عنهم، إضافة إلى عزل جبهة الساحل وكذلك مأرب عن الجبهات الأخرى،
وكذلك تجنّب خسارة مقاتليها في مواجهات مباشرة، مقابل إنزال أكبر قدر من الخسائر البشرية على خصومها، والأهمّ تركيز الاستهداف على القوى العسكرية الفاعلة: قوات الطوارئ ودرع الوطن، والقوّة السلفية المقاتلة، وقوات العميد طارق صالح في الساحل الغربي، ومن ثمّ استباق أيّ هجوم عسكري شامل من قبلهما.
تكمن القوّة الرئيسة لجماعة الحوثي في مركزية عقيدتها العسكرية التي تشكّل نواة صلبة في بنيتها التنظيمية، ومن ثمّ فإنّ حالة الحرب تمثّل شرطاً وجودياً لها، وما يستتبعه ذلك من استمرار جاهزيتها العسكرية،
وكذلك تنظيم وإدارة الموارد تبعاً لذلك، إلى جانب توظيف فكرة العدو لتعضيد عصبتها المقاتلة، وكذلك توحيد حاضنتها الاجتماعية،
فضلاً عن، وهو الأهمّ، وحدة قرارها العسكري تحت أيّ ظرف طارئ ومواجهة أيّ تطوّرات، وهو ما يمنحها تفوّقاً على خصومها المحلّيين.
فبعيداً من مكاسب ترتيب سلطة المجلس الرئاسي، وكذلك إعادة السعودية هيكلة المؤسّسة العسكرية والأمنية، بما في ذلك تحسين مركزها في معادلة الصراع المحلّي،
فإنّ استمرار افتقارها إلى القرار العسكري يجعلها مقيّدةً بالأهداف السعودية، ما أفقدها زمام المبادرة والهجوم، وهو ما يتّضح في سير المعارك حتّى الآن،
إذ منحت هذه القيود الجماعة تفوّقاً استراتيجياً وعسكرياً في إدارة المعارك، بما في ذلك تكثيف حربها في الجبهات المهمّة بالنسبة إليها، مقابل البناء على هذه المعطيات لخلق توتّرات سياسية في معسكر خصومها.
ولأنّها قوة مليشياوية، كرّس ذلك حقيقة واقعية تتمثّل في تجاهلها القوانين الدولية المنظّمة للحرب، ومن ثمّ تبنّي استراتيجية العنف المفرط والمنفلت من خلال توسيع نطاقات الاستهداف لتشمل البيئات المدنية والبنى التحتية،
وهو ما يتجلّى في تكثيف هجماتها على مخيّمات النازحين في مأرب وسقوط العشرات من القتلى والجرحى، واستهداف ميناء المخا والبنى التحتية في المدينة، بهدف الضغط الاقتصادي والإنساني على خصومها.
ومن جهة أخرى، تخوض الجماعة معركتها من منطلق أنّها معركة وجودية ومصيرية، إذ تدرك أنّ هزيمتها تعني نهايتها المحتومة،
ومن جهة ثانية، فإنّ ربطها جبهة البحر الأحمر بمضيق هرمز يمكّنها من تنسيق هجماتها مع حليفها الإيراني، ومن ثمّ ضمان مقدار من المشاركة في اتخاذ القرار، وهامش من الحرية في إدارة الجبهة اليمنية، خلافاً للسلطة الشرعية التي، إن انضمّت إلى التحالف البحري الذي شكّلته السعودية، فإنّ دورها هامشي في إدارة معادلة الردع ضدّ الجماعة.
تمثّل حالة الاستقطاب السياسي والطائفي إقليمياً، بما في ذلك التوتّرات الجيوسياسية، وكذلك تحوّلات معادلة النفوذ في الساحة اليمنية، مجالاً حيوياً لاستثمار الجماعة. فعلى الصعيد الإقليمي، إنّ تشكيل تحالف بحري بقيادة السعودية،
وكذلك "اتفاقية مكّة" بين السعودية وتركيا وباكستان، وإن أتت في سياق الاستراتيجية الأمنية السعودية الكلّية في المنطقة، فإنّ مواجهة تهديدات جماعة الحوثي البحرية التي تطاول عمقها تمثّل سبباً لتشكيلها ومواجهة تهديداتها، ممّا يتيح لها توظيف مضامين التحالفات على المستوى الشعبي وكذلك السياسي، وتقديم نفسها بوصفها تواجه تحالفاً عسكرياً متعدّد الأقطاب.
كما أنّ خوضها الحرب ضدّ السعودية يضمن لها قدراً من دعم وكلاء إيران وشركائها، ومن ذلك استهداف الفصائل الشيعية العراقية للأراضي والمنشآت السعودية، ووممارسة ضغوط متعدّدة الجبهات، من وقت إلى آخر. وفي ما يخصّ إدارة جبهة البحر الأحمر، وتفعيل استراتيجية الحصار البحري على السعودية،
ومع صعوبة سيطرة الجماعة على المعادلة البحرية، فإنّ تعدّد القوى المطلّة على البحر الأحمر وتباين أهدافها، بما في ذلك مفاعيل الوجود الإسرائيلي في البرّ الصومالي، يمكّنانها من الاستفادة من شبكات الدعم الثانوية ممثّلةً بالجماعات المسلّحة في القرن الأفريقي، بما في ذلك إرباك الملاحة ورفع مستويات المخاطر.
وعلى الصعيد المحلّي، فإنّ تحوّلات النفوذ في جنوب اليمن، وما ترتب عليها من تحجيم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، وإعادة انتشار القوات السلفية في الخريطة اليمنية جنوباً، تتيح للجماعة استثمار هذه المتغيّرات لتحقيق أهداف عديدة.
فإضافة إلى استغلالها الانتشار الواسع للقوات السلفية، واستنزافها في مواجهات بينية، تسعى إلى ترتيب تفاهمات مع "الانتقالي"، خاصّةً مع تبنّيه الحياد في الحرب الحالية، ومن ثمّ تحييد جيوبه العسكرية المنتشرة في النطاقات الجغرافية عن مواجهة مقاتلي الجماعة.
ومن جهة أخرى، فإنّ أيّ معركة شاملة ضدّ الجماعة قد تدفع إلى تحرّك القوات السلفية من مناطق التماس، وهو ما يتيح لمقاتليها التمدّد عسكرياً، أو على الأقلّ إرباك خصومها من خلال إسناد "الانتقالي" في معركة استعادة سيطرته العسكرية، وتحديداً في مدينة عدن، على قاعدة عدوّ عدوّي صديقي.
خوض معارك في جبهات جغرافية واسعة تتعدّى النطاق اليمني، ومهما كانت القدرات العسكرية لجماعة الحوثي، يمثّل إنهاكاً عسكرياً لقواتها،
كما أنّ اعتمادها على الطيران المسيّر في حربها الحالية، ومع امتلاك خصومها القدرة ذاتها، وتعرّضها للاستهداف في مناطق عديدة، يعني فقدانها ورقة تفوّقها العسكري التي تراهن عليها. يضاف إلى ذلك أنّ التهيئة لمعركة طويلة الأمد تعني،
وفي ظلّ التحدّيات الاقتصادية التي تواجهها ووصول المجتمعات في المناطق الخاضعة لها إلى مرحلة المجاعة، فضلاً عن الاحتراق النفسي والاستنزاف البشري في دورات حروب متواصلة، تفتيت ما تبقّى من قاعدتها الاجتماعية.
كما أنّ حربها ضدّ السعودية وتعطيل إمدادات النفط في المنطقة تتجاوز تبعاتهما معادلة إدارة أوراق الضغط، بحيث يمسّان العصب الاقتصادي العالمي، ويضرّات بمصالح القوى الإقليمية وكذلك الدولية، وفي مقدّمتها الولايات المتحدة.
إلى جانب أنّ استهداف السعودية يعني إحراق الجماعة جميع مراكبها، والقضاء على فرص نجاح المسار الدبلوماسي، أي دفع السعودية إلى تنفيذ مطالبها في ما يخصّ الشق الاقتصادي في خريطة الطريق الأممية، وهو ما يُفقد معركة الجماعة أيّ معنى.
وتبقى النافذة الوحيدة المتاحة للجماعة للخروج من مأزق صنعته بنفسها هي المراهنة على حليفها الإيراني كي تشمل المفاوضات مع أميركا الملفّ اليمني، أسوةً بالملفّ اللبناني، أي تنفيذ مطالب الجماعة، وبالطبع الرهان على أخطاء خصومها المحلّيين.
* كاتبة وناشطة يمنية