ماذا يعني تحرير الدولة في اليمن؟
يمكنني القول إن العمليات العسكرية التي نفذتها القوات المسلحة اليمنية ضد القوات والقدرات التابعة للميليشيات الحوثية في عدد من المحاور والجبهات،
تأتي في سياق حقها الدستوري والمشروع في الدفاع عن منتسبيها وحماية المدنيين ومواقع الدولة، ولا سيما بعد الاعتداءات المتكررة التي طاولت القوات المسلحة والمواطنين في مأرب وحضرموت والمخا، وأدت إلى سقوط ضحايا وجرحى.
في جوهر هذا الفعل المشروع لا ينبغي النظر إلى القوة على أنها غاية مستقلة، بل كونها إحدى أدوات الدولة حين تصبح حماية الإنسان ومؤسساتها مهددة. فالدولة التي تعجز عن حماية جنودها ومواطنيها تفقد تدريجاً قدرتها على أداء وظيفتها الأساسية
بينما يصبح الرد المنضبط على الاعتداءات تأكيداً بأن حياة اليمني ليست هامشاً في حسابات الصراع، وأن دماء الجنود والمدنيين لا يمكن أن تتحول إلى رقم عابر في بيانات الحرب.
من هنا تكتسب هذه العمليات معناها كونها دفاعاً عن حق الدولة في الوجود، قبل أن تكون فعلاً عسكرياً.
فضلاً عن ذلك، أرى أن أهمية هذه العمليات تتجاوز بعدها الميداني المباشر، لأنها تكشف عن حقيقة أكثر عمقاً تتصل بطبيعة المؤسسة العسكرية نفسها.
فالقوات المسلحة اليمنية، على رغم تعدد تشكيلاتها واختلاف مسؤولياتها ومواقع انتشارها، يفترض أن تقوم في الأساس على "وحدة الوظيفة الوطنية"
فهي ليست مجموعات منفصلة تتنافس على الجغرافيا، وإنما مؤسسة واحدة غايتها حماية الجمهورية والمجتمع والدستور، وهذا ما يجب أن يكون.
لذلك، فإن الاعتداء على إحدى وحداتها لا ينبغي أن يقرأ بوصفه حادثة محلية محدودة، بل على أنه اعتداء على فكرة المؤسسة العسكرية ذاتها.
والرد على الاعتداء، متى التزم بالقانون ومقتضيات الموقف العملياتي، لا يكون عملاً انتقامياً، وإنما تعبيراً عن وظيفة الدولة في حماية منتسبيها ومواطنيها.
هذه المعادلة ضرورية في تقديري لأن المجتمع لا يستطيع أن يعيش بأمان إذا أصبح السلاح خارج مؤسسات الدولة قادراً على فرض قواعده الخاصة، أو تحويل القوة إلى مصدر مستقل للشرعية.
من هذه النقطة، المشار إليها أعلاه، تبرز أهمية "توحيد الصف الوطني" كونه أكثر من ضرورة سياسية ملحة، فهو شرط من شروط استعادة الدولة نفسها.
فالدولة لا تستعاد بمجرد إعادة فتح مؤسسة أو استعادة موقع، وإنما حين تتقاطع الإرادة السياسية والاجتماعية والعسكرية حول مركز قانوني واحد يحتكر حق استخدام القوة وفق الدستور.
ولهذا، تتحمل القبائل اليمنية والنخب الاجتماعية والمدنية وسائر مكونات النسيج الوطني مسؤولية تاريخية في مساندة أبنائها من منتسبي القوات المسلحة، والوقوف إلى جانب الحكومة اليمنية الشرعية في جهودها الرامية إلى استعادة مؤسسات الجمهورية وإنهاء الانقلاب.
بيد أن هذه المساندة ينبغي أن تتأسس على وعي وطني حقيقي لا على العصبية المناطقية، لأن القبيلة، حين تنحاز إلى الدولة والقانون، تتحول من "طرف في الصراع" إلى "سند للاستقرار"
وحين تنغلق داخل حساباتها الضيقة تصبح في تصوري جزءاً من المشكلة التي تعطل ولادة الدولة الجامعة.
ومن ثم، يصبح ضرورياً هنا التمييز بين المعركة الوطنية وبين سكان المناطق الواقعة تحت سيطرة الميليشيات الحوثية،
فالمعركة ليست مع أبناء صنعاء أو صعدة أو الحديدة أو ذمار أو حجة أو أية محافظة يمنية أخرى، وليست صراعاً بين مناطق أو جماعات اجتماعية، وإنما مواجهة مع ميليشيات إرهابية ومشروع سياسي ثيوقراطي عقائدي صادر حق اليمنيين في دولتهم بقوة السلاح.
هذا التمييز، الموضح أعلاه، هو أساس أخلاقي وسياسي لأي مشروع لاستعادة اليمن.
فالمواطن الذي يعيش تحت سيطرة هذه الميليشيات كسلطة أمر واقع، ليس مسؤولاً بالضرورة عن خيارات السلطة التي تحكمه، وقد يكون هو نفسه أحد أكثر المتضررين من الجبايات والقمع وانهيار الاقتصاد وتراجع الخدمات وتقييد الحريات.
وعليه، فإن "تحرير الدولة" ينبغي ألا يتحول إلى تحرير منطقة من منطقة، بل إلى تحرير الإنسان اليمني من منطق انقلاب القوة المسلحة التي جعلت الانتماء السياسي شرطاً للحق في "الحياة" و"الكرامة".
وإذا كان الإنسان هو مركز هذه المعادلة، فإن "الاقتصاد" و"الحياة اليومية" في تصوري يصبحان جزءاً من مفهوم "الأمن الوطني"، لا قضايا منفصلة عنه.
لاحظوا معي من فضلكم أن المجتمع الذي ينهك بالجبايات، وتستنزف موارده، وتتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل قيمة العملة، وتتعطل مؤسساته، لا يعيش مجرد أزمة اقتصادية، بل يعيش اختلالاً في العلاقة بين المواطن والدولة.
وعندما تستخدم الموارد العامة لخدمة مشروع سياسي أو عسكري خارج مؤسسات الجمهورية، يتحول الاقتصاد من وسيلة لتحسين حياة الناس إلى أداة لإدامة الصراع.
لذلك فإن استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح لا تعني فقط استعادة المعسكر أو الميناء أو الطريق، وإنما استعادة قدرة المؤسسات على إدارة الموارد وفق قواعد عامة
بحيث يشعر المواطن أن الضرائب والموارد تعود له في صورة "أمن" و"خدمات" و"تعليم" و"صحة" و"فرص حياة". عندها فقط يبدأ المواطن في استعادة ثقته بأن الدولة ليست سلطة فوقه، بل إطار يحمي حقوقه ويصون كرامته.
من هذا المنظور، فإن جاهزية القوات المسلحة للتعامل بحزم مع أي اعتداء جديد، وفق توجيهات القيادة السياسية والعسكرية ومقتضيات الموقف العملياتي، ينبغي ألا تفهم بوصفها دعوة مفتوحة إلى التصعيد، وإنما كونها إعلاناً لمسؤولية لا تستطيع الدولة التخلي عنها.
بعبارة أخرى أدق وأوضح: السلام الحقيقي لا يقوم على ترك المعتدي يحدد قواعده، كذلك أن خفض التوتر لا يعني إلغاء حق الدولة في الدفاع عن نفسها. وفي الوقت ذاته، تظل قيمة القوة مرتبطة بالغاية التي تستخدم من أجلها وبالضوابط التي تحكم استخدامها،
إذ إن حماية المدنيين والقوات والمواقع العسكرية تستوجب الانضباط، كذلك تستوجب وضوحاً في تحديد المسؤوليات.
وكلما كانت المؤسسة العسكرية أكثر التزاماً بالقانون وأكثر قدرة على ضبط قوتها، ازدادت شرعيتها في نظر المجتمع، لأن القوة التي تحمي الإنسان تختلف في معناها الأخلاقي والسياسي عن القوة التي تستخدم الإنسان وقوداً لصراع لا ينتهي.
من هنا أيضاً تتحدد مسؤولية الميليشيات الحوثية ومن يقف خلفها عن استمرار التصعيد كلما استمرت في استهداف القوات المسلحة والمناطق المدنية،
فالسلم لا يمكن أن يستقر في بيئة يصبح فيها السلاح خارج القانون قادراً على فرض شروطه من دون ردع.
والدولة لا تستطيع حماية السلام بمجرد الرغبة فيه، لأن السلام يحتاج إلى مؤسسات تملك القدرة على حمايته، وقانون يحدد حدود القوة، ومجتمع يرفض تحويل العنف إلى وسيلة دائمة لإدارة الخلاف.
وهذه الحقيقة لا تعني أن الحرب قدر أبدي على اليمن، بل تعني العكس تماماً: إن بناء توازن واضح يردع الاعتداء يمكن أن يكون خطوة باتجاه استعادة الدولة ممن انقلب عليها بقوة السلاح وإنهاء الحرب،
لأن التسويات الجادة لا تنشأ من فراغ القوة، وإنما من وجود "وعي" يدرك أن العودة للدولة هي الطريق الأقل كلفة والأكثر قابلية للحياة، فالسلام الذي لا تحميه الدولة يبقى هدنة موقتة قابلة للانهيار.
ولهذا فإن استعادة الدولة ينبغي أن تفهم على أنها مشروع إنساني قبل أن تكون مشروعاً سياسياً أو عسكرياً، فالدولة ليست مباني وزارات ولا أختاماً رسمية ولا تشكيلات أمنية فحسب،
إنها المعنى الذي يجعل المواطن مواطناً، والقانون مرجعية، والسيادة شأناً وطنياً، والاختلاف السياسي ممكناً من دون خوف.
وعندما تغيب هذه المعاني يصبح المواطن مضطراً إلى البحث عن حماية بديلة في القبيلة أو الجماعة أو السلاح، فتتسع دائرة الانقسام ويصبح المجتمع أسيراً لمنطق القوة.
أما حين تستعيد الدولة وظيفتها، فإنها لا تنتزع من المجتمع أدواره، بل تعيد تنظيمها داخل إطار قانوني يحفظ للجميع حقوقهم.
ولذلك فإن معركة استعادة المؤسسات لا ينبغي أن تنفصل عن معركة استعادة الثقة، لأن المؤسسة التي لا يثق بها المواطن ستظل في تقديري عاجزة عن إنتاج الاستقرار مهما امتلكت من أدوات القوة.
في نهاية المطاف، أرى أن النصر الحقيقي في اليمن لا يقاس بعدد المواقع التي تستعاد أو بحجم الخسائر التي تلحق بالطرف الآخر، وإنما بـ"قدرة اليمنيين على إنهاء الأسباب" التي جعلتهم يعيشون طويلاً خارج مظلة الدولة.
قد تستعيد الجيوش أرضاً، لكن استعادة الإنسان تحتاج إلى شيء أعمق: قانون عادل ومؤسسات فاعلة واقتصاد قادر على توفير حياة كريمة، ومجتمع يشعر بأن الدولة ملك له وليست امتيازاً لفئة من دون أخرى.
وعليه، كخلاصة، فإن توحيد القوات المسلحة، وتوحيد القرار الوطني، وحماية المدنيين، ورفض تحويل الخلاف السياسي إلى عنف مسلح، كلها حلقات في طريق واحد هو استعادة الجمهورية لمعناها.
وعندما يصبح السلاح خاضعاً للقانون، والسياسة وسيلة للتنافس السلمي، والثروة العامة حقاً للمجتمع، عندها فقط يمكن القول إن اليمن لم يستعد دولته فحسب، بل استعاد الإنسان الذي من أجله وجدت الدولة أصلاً.
سامي الكاف
صحافي وكاتب يمني