من ثائر إلى طاغية..!
بعد قرابة الساعة، تفاجأتُ بالضابط المتحفّز وقد خمدت حميّته رغماً عنه. رأيته منكسراً، زامّاً شفتيه، قاطباً حاجبيه، بوجه عابس مكسوٍّ بخيبة أكبر من أن تُدارى..
أمر الحارس بامتعاض أشدّ منه أن يُخلي سبيلي، دون أن يتحدث معي ببنت شفة. لقد خاب مراده، وأُحبط كيده، و«عاد بخفي حنين».
خرجتُ بمرافقة أحدهم إلى البوابة الخارجية، فوجدتُ المعتصمين في الساحة ينتظرونني، وقد رفضوا مغادرة مكانهم.. انفرجت أساريرهم بمجرد أن شاهدوني مقبلاً نحوهم..
استقبلوني بحرارة نادرة واشتياقٍ جمٍّ، وكأنني عائد من القمر، يريدون أن يعرفوا منّي كل الأخبار التي أحملها إليهم.
جميعهم كانوا شغوفين بأن يسمعوا ما حدث، فيما كنتُ مقلاً بالكلام، وصدري يفيض بالقهر الذي حاولتُ، بقلة حيلة، أن أداريه عن أعينهم المتفحّصة..
لم أستطع الضحك، وفشلتُ في تصنّع الابتسامة، وهو ما فسّره البعض بأنني تعرضتُ لسوء أشدّ لا أريد البوح به أو الإفصاح عنه.. ربما ظنوا أنني تعرضتُ للضرب أو الإهانة في الداخل، ولا أريد أن أفصح عنها أمامهم، أو هكذا بدت الأمور للبعض.
قررتُ، بدافع قوي، أن أثير الموضوع في البرلمان على نحو غير معتاد، وهو ما حدث بالفعل. كما قطعتُ على نفسي وعداً بأن أفعل شيئاً في المستقبل على الصعيد الحقوقي، ينصبّ على محاولة كشف ما استطعتُ من انتهاكات ارتُكبت بحق الإنسان في هذه السجون والمعتقلات.
وفاءً بما وعدتُ به، فتحتُ ملف التعذيب في العام 2009 باسم منظمة التغيير للحقوق والحريات التي أرأسها، ونشرت صحيفة «المستقلة» التي أملكها ما أمكن من شهادات الضحايا.. أما اليوم وفي هذا العهد الأكثر غلوا واستبدادا لم يعد لدي منظمة ولا صحيفة.
***
أما كثير ممن وصلوا إلى السلطة في أعقاب 2011، وفي 2014 وما بعدها، فقد صاروا، في ما آلوا إليه، طغاة اليوم. وكم ينطبق هذا الحال على ما قاله جورج أورويل: «ثائر اليوم هو طاغية الغد».
جلّ الاستهداف في الأمس كان ينصبّ على مَن يفهمون أو بدأوا يفهمون، أما اليوم فالاستهداف يطال الجميع، من قبل كل سلطات الحرب والفساد المهول. بات شعب بأكمله محلاً للاستهداف الواسع، وكل من جهته يمارس ما قدر عليه من طغيان فاق في بعضه حدود التصوّر.
تستطيع اليوم، وبسهولة، ودون أن تمنح أحداً صك غفران، أن تكتشف مدى السقوط السحيق، والتراجع الحقوقي الفادح بين العام 2006،
وما حدث في الحرب وما يحدث اليوم من ردة حضارية وانقطاع لمسار التطور، واستيلاء القوى الطارئة على مسار التاريخ، وما رافق ذلك من قمع وتعذيب يفوق كل وصف وخيال.
تستطيع أن ترى اليوم، بيسر، ما هو شاخص للعيان من رعب وبشاعة، هنا أو هناك، لا ينكره إلا ناكر أو مكابر.. تستطيع اليوم أن ترى الطغيان حتى وإن كنتَ أعمى أو لا تملك أعيناً؛ الطغيان هو اليوم من يسوسنا ويسودنا جميعاً، ويعلكنا ليلاً ونهاراً، وفي كل آن وحين.
شعبنا ينزف ويجوع ويموت وينسحق بين رحاهم وحروبهم المهلكة؛ شعب منكوب بطغيان حكامه، وبالخيبات التي لا تريد الفكاك منه. شعب تعصره الخيبات القاتلة، ويلويه الألم البالغ ذروته، ويعبث به كل ما هو بشع ومروّع.
***
يتبع الحلقة العاشرة
- من كتابي الجديد قيد الإعداد والمراجعة.
* برلماني وسياسي يمني