ابتزاز المقدس وشرعنة الجوع
الرسول الأعظم ﷺ بُعث رحمةً للعالمين، ودعوته قامت على العدل والرحمة وإغاثة الضعيف والمسكين وإطعام الجائع.
ولهذا فإن استحضار سيرته والاحتفال بذكرى مولده لا ينبغي أن يتحول إلى مناسبة لتكميم الأفواه أو تأجيل الحديث عن مآسي الناس..
بل إلى تذكير عملي بأن كرامة الإنسان وإغاثة المحتاج ليستا تفصيلاً هامشياً أمام أي مظهر احتفالي باذخ.
في علم المنطق، حين يعجز الخصم عن مواجهة الحجة بالحجة، قد يلجأ إلى الارهاب الفكري أو الشخصنة أو التخويف أو إسقاط تهم جاهزة معلبه على صاحب الرأي.
وهكذا، بدلاً من مناقشة سؤال بسيط ومشروع:
هل كان إنفاق كل هذه الأموال للاحتفال الباذخ، بهذه الطريقة، هو الأولوية الأكثر إلحاحاً في بلد يعاني الجوع والفقر؟
تتحول الإجابة أحياناً إلى اتهامات من قبيل:
«أنت حاقد على رسول الله!»
«أنت منافق!»
«أنت حاقد انت مريض!»
إنها أبشع عمليات الابتزاز السياسي للمقدس الديني.
وهنا تصبح المشكلة أخطر من مجرد خلاف في الرأي؛ لأن المقدس نفسه يُستدعى أحياناً ليكون درعاً يحول دون مساءلة القرار أو نقد الأولويات.
لا أحد يعترض على الفرح، ولا على إحياء المناسبات الدينية الجامعة، ولا على التعبير عن المحبة للرسول ﷺ.
لكن السؤال الأخلاقي الذي لا ينبغي مصادرته هو:
ما الذي يليق ببلدٍ يصرخ فيه الجائعون؟
وما الذي ينبغي أن تكون له الأولوية حين تتزاحم الاحتياجات؟
هل الأولى أن تُنفق الأموال على مظاهر احتفالية باهظة، بينما هناك أسر عاجزة عن توفير أبسط ضروريات الحياة؟
العشرات يظهرون بوجوههم وأسمائهم، ويقولون ببساطة مؤلمة:
«نحن جياع».
. هل كان الرسول الأعظم، الذي ربط الحجر على بطنه من شدة الجوع ورفض أن يشبع وجاره جائع، سيقبل بأن تُحرق ثروات الأمة في الهواء بينما الآلاف من شابات اليمن ونسائه الكرائم يطُفن الشوارع بحثاً عن كسرة خبز؟
فهل يكون الرد على صرختهم بالمزيد من المظاهر والأضواء؟
أم يكون الرد بإطعامهم، وإغاثتهم، وصون كرامتهم؟
المحبة الحقيقية للرسول ﷺ لا تحتاج إلى مزايدة على الناس، ولا إلى إسكات الجائع حين يسأل، ولا إلى تخوين الناقد حين يعترض.
بل لعل من أصدق صور الاقتداء بسيرته أن نضع الإنسان المحتاج في مقدمة أولوياتنا، وأن نتذكر دائماً أن الرحمة ليست شعاراً يُرفع، وإنما مسؤولية تُمارس.
ليس من حق أحد أن يحتكر المقدس ليمنح نفسه حصانة من النقد.
وليس من حق أحد أيضاً أن يجعل نقد الإنفاق أو مساءلة الأولويات دليلاً على كراهية الدين أو الإساءة إلى الرسول ﷺ.
يمكن للإنسان أن يحب دينه ورسوله ﷺ، وفي الوقت نفسه أن يسأل:
هل كان هذا الإنفاق ضرورياً؟
هل كان توقيته مناسباً؟
وهل كان يمكن أن تذهب هذه الأموال إلى من هم أشد حاجة؟
هذه ليست إساءة إلى المقدس.
هذه أسئلة في الأولويات، وفي المال العام، وفي المسؤولية الأخلاقية.
وعندما يصبح السؤال عن جوع الإنسان جريمة، يصبح الصمت عن الجوع هو الفضيلة الوحيدة المطلوبة.
وهنا تحديداً ينبغي أن نتوقف ونسأل أنفسنا:
هل نريد مناسبة نحتفل فيها بالمقدس؟
أم نريد مناسبة نقتدي فيها به؟
الفرق بين الاثنين كبير.