عوى الذئبُ، فاستأنستُ بالذئب إذ عوى
نسينا كيف كنّا نجلس حول النار، ولم نعد نتذكّر شكل النجوم.
العجلة الكبيرة التي اخترعناها معاً، أملاً في أن تُساعدنا على احتواء الطبيعة، ابتلعت الطبيعة وطمست ملامحنا.
هيا بنا ننجز، نحن قادرون على فعل أيّ شيء، وكلّ شيء. قديماً كنّا نسمع "لا"، الآن لا نسمع سوى نعم. لم نعد نحن، صرنا ما نفعله. يُحاصرنا ما يُنشر على منصّات السوشيال ميديا بما يُحطّمنا من الداخل، بصور أولئك الناجحين الذين لا يعرفون الفشل.
نحن، وحسب، الفاشلون. لا عيب في المنظومة، لا خطأ في العالم، الفشل يعود إلينا. لنُنجز شيئاً في الغد، ولكنّه سيصبح غير كافٍ بعد غد. النجاح مكان مراوغ، مناور، غير ثابت، لا سبيل للوصول إليه، هناك سعي، سعي بلا سكينة.
اشتغل الفيلسوف الكوري الجنوبي، بيونغ تشون هان، من مكان إقامته في برلين، على أسقام المجتمع الحديث؛ القلق، الهوس، الاكتئاب، الاحتراق، التوحّد، والعزلة.
تبدأ المعضلة، عند هان، من خروجنا من مجتمع الانضباط Disciplinary Society إلى مجتمع الإنجاز Achievements Society.
داخل مجتمع الانضباط هذا تسود القيم والروح الجماعية، هناك حدود لكلّ شيء، الحدود تمنح الأمن والسكينة، والمجتمع يحمي نفسه وأفراده.
الحياة الحديثة متطلّبة، عنيفة، لا تؤمن بالمجتمع. هذا ما قالته تاتشر عام 1987 "لا يوجد شيء اسمه المجتمع، هناك أفراد من الرجال والنساء". ليست مصادفة أن تقود تاتشر، إلى جانب ريغان، قطار النيوليبرالية بكلّ وحشيته وانفلاته.
على الفرد أن يجد له مكاناً داخل هذا المجتمع "الوهمي" من خلال الإنجاز، والإنجاز مُمكن، والإنجاز أيضاً غير كاف. يشبه الأمر لعبة المترويشكا الروسية: كلّما نزعت غلافاً برز غلافٌ جديد.
يصعد "هان" في تفكيره إلى مستوى أعلى وهو يدرس مجتمع الإنجاز. في المجتمع القديم كان الناس ينقسمون إلى سادة وعبيد، على الأقل في زمن الأقنان في العصور الوسطى.
السيد، غليظ الطباع وفي يده السوط، يجلد عبيده طالباً المزيد من الإنجاز والإنتاج، قلّما اكترث لمشاكلهم ومخاوفهم، أمّا أعماقهم – الخوف والرجاء والانتظار والحب - فهي آخر ما يمكن له أن يتخيّله.
المجتمع الحديث حرّر العبيد، وأنهى تلك اللعبة القديمة القاسية. على الأقل هذا ما تدّعيه الحضارة المُعاصرة عن نفسها. بالطبع لا تسندها الحقائق، ويمكننا أن نخوض جدالاً حول هذا الإدّعاء حتى موعد الكريسماس.
غير أنّ ما يشغل هان، وما يشغلنا هنا أمرٌ آخر: صار الإنسان الحديث جلّاد نفسه، يحاصرها بالأوامر والأحلام، يُغرقها بالطموحات، يفرض عليها قسوة العالم الخارجي.
المزيد من الإنجاز، المزيد من العمل. حتى في وقت الراحة، وأنتَ مسترخ على الأريكة بعد يوم منهك تفكّر بما لم تنجزه لا بما أتممته. لم تعد تملك القدرة، لا على الوصول ولا على الرضا.
الهدف هنا، الهدف هناك، ينأى ويقترب. السيد حامل السوط هو أنت، القِنّ هو روحك، تتلقى نفسك السياط من ذاتك بلا رحمة. أنت الجلاد والضحية، وقعت في فخ "الاستغلال الذاتي الطوعي" كما يرى هان.
كلّ هذا وأنت تعوم في بحر من المعرفة لا حدود له. لم تعد قادراً على التركيز. أنت ضحية لما بات يُطلق عليه "التركيز الجزئي المستمر".
تحدّق في عشرات الأشياء، بانتباه منخفض، ولا تركّز في شيء بعينه. تخضع لعوامل تشتيت لا نهاية لها. تفقد، في آخر الأمر، القدرة على التأمّل العميق، وعلى تخليق الإبداع.
دورانك حول ذاتك، ركضك الوحشي وراء هدف غير مستقر، السياط التي تنهال عليك من داخلك، كلّ ذلك دفعك إلى قلعة معزولة، صرت معزولاً داخل نفسك، تعرف كلّ الناس ولا تعرف أحداً،
لم تعد قادراً على إقامة تواصل عميق وفاعل ومستقر. لا أنت ولا الآخرون. تذكُر قصيدة صموئيل كوليردج "سجع الملاح القديم". تمخر سفينته في بحر لجي (عميق الماء، متلاطم الأمواج)، وهو يرى الحقيقة التي لا يفهمها سواه: ماءٌ في كلّ مكان، ولا قطرة للشرب.
هل هذه هي الصورة التي رأتها تاتشر سنة 1987؟ لا شيء اسمه المجتمع، هناك أفراد؟
العزلة ليست آخر المطاف، داخل حصونك يُحاصرك الاكتئاب، المرار العميق، التوتّر، القلق، والتوجّس. الراحة السهلة، تلك اللحظة السعيدة الصافية حول الموقد،
الحكاية والطبق المشترك، النوم العميق الذي ينتهي بأحلام من أبسط ما يكون، كلّ ذلك بات حلماً بعيد المنال.
داخل هذه المتاهة، بحر كوليردج اللجّي، تصير أنت ذلك الأعرابي القديم، ساكن البريّة، إذ يقول: "عوى الذئبُ فاستأنستُ بالذئب إذ عوى، وصوّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ". تصبح خائفاً من البشر، فهُم العذاب الأليم الذي نلته في حياتك.
هم الذين ينشرون نجاحهم على منصّات السوشيال ميديا فيدفعونك إلى فقدان الثقة بذاتك، هم الذين اخترعوا معرضاً للنجاح الوهمي الزائف وأوهموك بأنّك الخاسر الوحيد، هم الذين أيقظوا الذئب بداخلك فلم تقدر على احتوائه.
في الحالات الدنيا سيأخذ الذئب شكل هرمون اسمه الدوبامين، وهو هرمون سعادة قاتل. في عملها المثير "أمّة دوبامين" ترصد أنا ليمبكه أزمتنا مع الأغواء والإغراء والتحفيز اللانهائي. مع كلّ تحفيز، إثارة، اشتهاء، تقفز مستويات الدوبامين إلى الأعلى فنشعر بالنشوة.
غير أنّ النشوة اللاحقة تتطلّب مستويات أعلى من الدوبامين. عليك أن تخترع نجاحاً جديداً، لذّة غير مسبوقة، وضعاً أكثر وحشية حتى تحصل على جرعة أعلى من الدوبامين. دماغك يستجيب، ثم يستجيب بكسل، ثم سينهار في آخر المطاف.
يا لها من حياة حديثة رائعة مليئة بالنور، لا تنام ولا تغفو، ولكن أهلها باتوا حطاماً.
*كاتب وروائي وطبيب قلب يمني، حازت أعماله عدداً من الجوائز العربية.