اليمن بين ذاكرة الحرب وحلم المستقبل
اكتب هذا الكلام من واقع تجربة امتدت اكثر من ثلاثة عقود في العمل الدبلوماسي اليمني بدأت عام 1992 وشملت وزارة الخارجية ووفد اليمن لدى الامم المتحدة ومكتب وزير الخارجية وسفارات اليمن في القاهرة واليابان ولبنان . .
كنت ارى نفسي موظفا في خدمة الدولة لا ممثلا لطرف او منطقة او جماعة لكنني تعرضت بعد اندلاع الحرب للاقصاء والتصنيف بسبب لقبي وانتمائي رغم وضوح موقفي مع الدولة والدستور والقانون غادرت اليمن الى كندا لاجئا لا بحثا عن امتياز بل لان الواقع لم يعد يترك مساحة لمن يريد ان يكون يمنيا قبل ان يكون تابعا لهذا الطرف او ذاك .
مأساة اليمن اليوم اعمق من حرب بين جماعات او صراع بين شمال وجنوب انها صراع بين مستقبل يحاول ان يولد وماض يرفض الرحيل فاليمنيون تحملوا سنوات من الحرب والفقر والانقسام لكن الصبر وحده لا يكفي حين تصبح الكهرباء والماء والغذاء والتعليم احلاما .
وحين يكبر الاطفال دون ان يعرفوا من الدولة سوى اسمها وقد رفعت القوى المسيطرة شعارات مختلفة لكنها انتهت غالبا الى ممارسات متشابهة اقصاء الاخر وتقديم الولاء على الكفاءة وتحويل الهوية الى تهمة والوطن الى ساحة نفوذ .
ولا يمكن الحديث عن مأساة اليمن من دون التوقف امام دور التدخلات الخارجية التي وجدت في الانقسام الداخلي بيئة مفتوحة لتوسيع نفوذها وتحويل اليمن في مراحل مختلفة الى ساحة لتصفية الحسابات الاقليمية والدولية فقد ارتبطت قوى يمنية بمشاريع ومصالح خارج الحدود وتدفقت الاسلحة والاموال والدعم السياسي والعسكري
واصبح القرار اليمني في كثير من المحطات اسيرا لحسابات لا تنطلق بالضرورة من مصلحة اليمنيين وكلما ضعفت الدولة ازدادت قدرة الخارج على التدخل وكلما تعددت مراكز القوة داخل البلاد تعددت معها الجهات الخارجية المؤثرة في القرار اليمني .
لكن تحميل الخارج وحده مسؤولية ما حدث سيكون هروبا من مواجهة اخطائنا فالتدخل الخارجي لم يكن ليبلغ هذا الحجم لولا الانقسام الداخلي وضعف مؤسسات الدولة واستعداد بعض القوى اليمنية للاستقواء بالخارج على خصومها ومن هنا فان استعادة السيادة لا تبدأ فقط بمطالبة الآخرين بالتوقف عن التدخل
بل تبدأ ايضا بقرار يمني واضح يرفض تحويل الوطن الى ساحة نفوذ ويرفض استخدام الدعم الخارجي لتحقيق مكاسب سياسية او عسكرية داخلية فالدولة التي تتسع لجميع مواطنيها وتحكمها المؤسسات والقانون هي وحدها القادرة على حماية استقلال قرارها .
لقد دفعت اليمن ثمنا باهظا لتحول الصراع الداخلي الى جزء من صراعات المنطقة وبدلا من ان تكون الجغرافيا اليمنية مصدر قوة بما تمتلكه من موقع استراتيجي اصبحت في احيان كثيرة سببا للتنافس عليها .
ومن البحر الاحمر وباب المندب الى الحدود والجزر والموانئ تحولت اهمية اليمن الاستراتيجية الى مجال للصراع والنفوذ .
بينما ظل المواطن اليمني هو من يدفع الثمن في معيشته وامنه ومستقبل ابنائه ولذلك فان اي سلام حقيقي لا بد ان يعيد لليمنيين حقهم في تقرير مستقبلهم بعيدا عن الوصاية والتبعية .
وفي الوقت نفسه يبني علاقات متوازنة مع دول الجوار والمجتمع الدولي تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة لا على تحويل اليمن الى ورقة في صراعات الآخرين .
والاخطر ان ادوات الماضي اعيد انتاجها باسماء جديدة فالقبيلة والمنطقة والطائفة والسلالة اصبحت في كثير من الاحيان وسائل للسلطة والثروة كما جرى توظيف الدين لتبرير الصراع واسكات المعارضين وفي الوقت نفسه يخسر اليمن ابناءه وكفاءاته .
فالاطباء والمهندسون والاكاديميون والشباب يغادرون بحثا عن الامان والفرصة بينما يعامل التعليم احيانا كانه امر ثانوي يمكن التضحية به من اجل دخل مؤقت وهذه خسارة لا تعوضها المساعدات ولا الاتفاقات السياسية لان بناء الوطن يحتاج الى الانسان قبل اي شيء اخر .
ومن واقع تجربتي في العمل الدبلوماسي تعلمت ان الدول لا تحترم الا الدولة وان العالم يتعامل مع المصالح قبل الشعارات .
وحين يكون اليمنيون منقسمين على تعريف دولتهم وعلى شكل مستقبلهم يصبح من السهل على الآخرين ان يحددوا لهم اولوياتهم ومساراتهم .
اما حين توجد دولة حقيقية ومؤسسات قوية وقرار وطني يستند الى شرعية القانون والمواطنة فان علاقة اليمن بالخارج يمكن ان تتحول من علاقة احتياج وتبعية الى علاقة شراكة ومصالح متبادلة . .
ولهذا فان استعادة الدولة ليست قضية داخلية فقط بل هي ايضا الطريق لاستعادة مكانة اليمن وسيادته في محيطه الاقليمي والدولي . .
يبدأ مستقبل اليمن بمواجهة الماضي لا بتقديسه ووضع الهوية والقبيلة والدين والتاريخ تحت سقف الدولة والقانون والمواطنة يحتاج اليمن الى مدرسة اقوى من المعسكر وجامعة اهم من القبيلة ومؤسسات اقوى من الافراد ومسؤول يختار لكفاءته لا لنسبه او منطقته او سلاحه .
كما يحتاج الى حماية ابنائه من التصنيف والاقصاء حتى لا يغادر اصحاب الخبرة والانتماء الصادق فالمعركة الحقيقية ليست بين الشمال والجنوب ولا بين جماعة واخرى
وليست ايضا مع الخارج وحده بل بين مشروع دولة يمنية مستقلة تتسع للجميع ومشاريع داخلية وخارجية تجد مصالحها في بقاء اليمن ضعيفا ومنقسما .
لقد آن لليمنيين بعد كل هذه السنوات ان يسألوا انفسهم اي وطن يريدون ان يتركوه لابنائهم .؟!
وطنا تتوارث فيه الاجيال الحروب والثارات والهويات المتصارعة .؟!
ام دولة يكون فيها الانسان مواطنا قبل ان يكون ابن قبيلة او منطقة او طائفة او سلالة ويكون ولاؤه لوطنه قبل اي قوة في الداخل او الخارج.؟!
ان حلم المستقبل ليس مستحيلا لكنه يحتاج الى شجاعة من نوع مختلف شجاعة الاعتراف باخطاء الماضي والتخلي عن اوهام الغلبة والقبول بان اليمن لن ينقذه طرف واحد ولن يبنيه الخارج ولن يستقر الا بدولة تحمي الجميع ويشعر الجميع انها دولتهم .
واذا كان الماضي قد فرق اليمنيين فان المستقبل يمكن ان يجمعهم شرط ان يتعلموا من ذاكرة الحرب لا ان يعيشوا اسرى لها .
فاليمن لا يحتاج الى منتصر جديد ومهزوم جديد بل يحتاج الى دولة جديدة في معناها ومؤسساتها وعلاقتها بالمواطن دولة تستعيد قرارها من السلاح والعصبية والتبعية وتعيد للانسان اليمني مكانه وكرامته .
وعندها فقط يمكن القول ان اليمن غادر زمن الحرب وبدأ رحلته الحقيقية نحو المستقبل .
* سفير بوزارة الخارجية