تداعيات التصعيد في اليمن... عشرات الآلاف بين التشرد والجوع
الرأي الثالث
لا تقتصر رقعة التصعيد العسكري الحالي في اليمن على الجبهات الميدانية التقليدية، إذ يطاول الصراع مختلف تفاصيل الحياة، فالقصف يستهدف المساكن، والمنشآت الحيوية، وطرق الإمداد الرئيسية.
لم تستطع اتفاقية التهدئة المبرمة برعاية أممية بين أطراف الصراع في اليمن، في إبريل/نيسان 2022، حماية ما تبقى من مقومات الحياة في ظل التصعيد العسكري الجديد، ما يعيد إلى الواجهة شبح الكارثة الإنسانية المتواصلة منذ سيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014.
وتحولت البنية التحتية والخدمية خلال التصعيد العسكري الحالي إلى أهداف مباشرة للقصف والاستهداف، ما سبَّب شللاً شبه تام لحركة التجارة المحلية، وتعطل سلاسل التوريد، وبات ملايين اليمنيين، خصوصاً النازحين منهم، أمام صراع يومي للبقاء في بلد تحولت أبسط حقوق العيش فيه إلى رفاهية بعيدة المنال.
كما طاول التصعيد ميناء المخا، أحد أهم شرايين تدفق السلع الغذائية على الساحل الغربي لليمن؛ الذي تعرض لقصف متكرر أدى إلى تعطل العمل الملاحي والتجاري فيه.
وبحسب تصريحات مدير الميناء، عبد الملك الشرعبي، فإن القصف خلّف دماراً واسعاً في المنشآت الحيوية، وخسائر مباشرة قُدرت بنحو 16 مليون دولار، إلى جانب سقوط قتلى وجرحى من بين العمال والمدنيين.
وانعكس هذا التعطل فوراً على الواقع المعيشي لآلاف الأشخاص، ولا سيما مع توقف تدفق السلع الأساسية، وعلى رأسها المواد الغذائية والمشتقات النفطية، لتصاب مناطق واسعة خاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية في مناطق الساحل الغربي وأجزاء من المرتفعات المجاورة لها بحالة من الاختناق الحاد.
وإلى جانب الأرقام المعيشية المفزعة، يحمل هذا الشلل وجهاً إضافياً بالغ القسوة، إذ وجد مئات العمال في ميناء المخا أنفسهم فجأة محرومين من مصادر دخلهم الوحيدة، وترافق ذلك مع شح غذائي كبير، وارتفاعات جنونية في الأسعار أثقلت كاهل جميع المواطنين الذين أرهقتهم سنوات الحرب الطويلة.
ويعيش سكان محافظة مأرب معاناة مضاعفة باعتبارها الملاذ الأكبر للنازحين، وتواجه المحافظة ذات الثقل الديمغرافي والإنساني موجات متكررة وعنيفة من القصف بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، ما يهدد حياة مئات آلاف المدنيين، خصوصاً من سكان الخيام المهترئة في مخيمات النزوح العشوائية.
تقول النازحة من محافظة المحويت، أم زياد، لـ"العربي الجديد": "نعيش وضعاً كارثياً، إذ لا نملك قوت يومنا بعيداً عن منازلنا منذ نزحنا هرباً من بطش الحوثيين. نعيش معتمدين على المساعدات، وأصبحنا نخاف من أن نضطر للنزوح إلى محافظة أخرى بسبب القصف المتواصل على مأرب".
ولا يتوقف خطر التصعيد عند حدود التهديد المباشر للأرواح، بل يمتد إلى الإضرار بالعصب الرئيسي للمعيشة عبر استهداف منشآت الطاقة وإمدادات الغاز المنزلي التي تغذي أغلب المحافظات اليمنية.
ويلوح هذا التهديد المباشر بإحداث شلل كامل في سلاسل التوريد، ما بدت بوادره بالفعل في أزمة انعدام أسطوانات الغاز المنزلي في عدد من المدن.
من تعز، يقول عبده سيف البكاري "أحاول منذ أربعة أيام الحصول على أسطوانة غاز، وبحثت في جميع محطات الوقود في تعز، وفي كل محال الأسطوانات، ولم أجد.
أخبروني أن هناك مادة الغاز مفقودة بسبب القصف على مأرب، واضطررت إلى أن أشتريها من السوق السوداء بمبلغ 20 ألف ريال رغم أن سعرها الرسمي 9500 ريال". (الدولار يساوي 1550 ريالاً في مناطق الحكومة الشرعية).
ولا تقتصر التداعيات على مناطق التماس والمحافظات المشتعلة، بل تمتد لتخنق العاصمة صنعاء بتبعات إنسانية مضاعفة،
فعلى وقع توقف الحركة التجارية في ميناء المخا، وانقطاع خطوط الإمداد الرئيسية، تجرّعت أسواق صنعاء مرارة اختناقات غذائية حادة انعكست فوراً في موجات غلاء غير مسبوقة التهمت ما تبقى من مال في جيوب السكان.
وفي مدينة تعاني أصلاً أزمةً إنسانية مزمنة من جراء استمرار انقطاع الرواتب منذ عام 2016، وغياب أي أفق لنهاية الأزمة، جاءت موجة التصعيد الأخيرة لتغلق آخر نوافذ النجاة أمام ملايين الأسر العاجزة عن توفير الغذاء أو الدواء.
من صنعاء، يقول إبراهيم "وصلنا إلى وضع لم نعد نحتمل العيش فيه، فمنذ أكثر من عشر سنوات نعيش بلا رواتب، ونعاني الخوف والكبت والقمع الأمني لدرجة أن الشخص إذا قال إنه جائع يتم تهديده أو اختطافه،
ورغم ذلك يفرض الحوثيون على المواطنين جبايات مالية تحت مبرر الاحتفال بالمولد النبوي".
ومع تداعي قطاعات الصحة والتعليم وغيرها من الخدمات الأساسية تحت وطأة نقص المستلزمات والوقود، باتت صنعاء تعيش واقعاً شديد القسوة ليجد المواطن نفسه محاصراً بين نار غلاء الأسعار المفرط، والعجز التام الذي يفرضه اقتصاد مواز يستنزف مقومات حياته اليومية.
ويواجه السكان فرض جبايات مالية باهظة تحت مسمى إحياء المناسبات الدينية، بالتزامن مع اتساع نطاق الاحتجاجات الرقمية التي أطلقها مواطنون على منصات التواصل الاجتماعي تحت وسوم للتنديد بسياسات التجويع المتصاعدة.
ولقراءة أعمق لأبعاد الأزمة وانعكاساتها المباشرة على بنية الاقتصاد الوطني ومعيشة السكان، يشير خبراء إلى أن مسار التصعيد الحالي يدفع البلاد نحو منزلقات بالغة الخطورة.
ويحذر المدير التنفيذي لمركز تعز للدراسات، وفيق صالح، من أن خروج ميناء المخا عن الخدمة سيؤدي حتماً إلى موجة تضخم سريعة ستفضي إلى قفزات غير مسبوقة في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية،
في وقت تعجز فيه الأسواق عن امتصاص الصدمة أو توفير بدائل مستدامة.
ويوضح صالح: "لا يتوقف شبح الانهيار عند الغذاء، بل يمتد ليطاول أبسط مقومات البقاء، فاستهداف محيط منشآت الطاقة في مأرب يفرغ الأسواق من معروضها من غاز الطبخ المنزلي وغيره من مشتقات النفط،
ما يغذّي تلقائياً الأسواق السوداء والموازية التي تضاعف أسعارها الأعباء على كاهل العائلات اليمنية. مع انهيار القدرة الشرائية للأهالي يجد الآلاف أنفسهم مضطرين إلى استنزاف ما تبقى من دخلهم للتكيف مع أوضاع عيش قاسية، ما يدفع نحو تفاقم كارثي للأزمات الإنسانية على أرض الواقع".
ويخلص صالح إلى أن "هذه الأزمات المتراكمة ترسم ملامح كارثة شاملة لا تقتصر على الأوضاع المعيشية وحدها، بل تضرب كفاءة القطاعين الصحي والغذائي نتيجة انقطاع سلاسل التبريد، وارتفاع تكاليف تشغيل المستشفيات، ما ينذر بزيادة أعداد المحتاجين إلى المساعدات العاجلة إلى مستويات غير مسبوقة".
فخر العزب
صحافي يمني