"اتفاق استوكهولم" نقطة سوداء في ذاكرة اليمنيين
الرأي الثالث
تتصاعد التساؤلات في اليمن عما إذا كانت الحكومة اليمنية والمؤسسة العسكرية قد اتخذت قراراً استراتيجياً بالانتقال من مربع الدفاع إلى خيار الحسم العسكري ضد الحوثيين على وقع التصعيد العسكري الأخير في عدد من الجبهات الاستراتيجية،
فيما تبرز مخاوف الشارع والقوى السياسية من أن تظل هذه التحركات رهينة لـ"القيود الدولية" وحسابات التهدئة الهشة للمبعوث الأممي هانس غروندبرغ على غرار ما جرى عام 2018 حين جمّد "اتفاق استوكهولم" المعارك.
إطلاق معركة تحرير مأرب
وأعلنت مصادر عسكرية يمنية، أمس الأربعاء، انطلاق عملية عسكرية لتحرير محافظة مأرب من جماعة الحوثيين،
مشيرة إلى أن القوات الحكومية حققت تقدماً ميدانياً في قطاعات عدة شمال المحافظة وجنوبها وغربها، وتمكنت من السيطرة على مواقع استراتيجية، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحشيدات للحوثيين.
وتسيطر جماعة الحوثيين بشكل كامل أو شبه كامل في محافظة مأرب على مديريات صرواح غرباً، وبدبدة وحريب القراميش الواقعتين في الأطراف الغربية المتاخمة لمحافظة صنعاء، والجوبة، وجبل مراد، وماهلية، والعبدية، في جنوب غربي مأرب، ومديرية مجزر في شمال غربي مأرب على خط التماس مع محافظة الجوف،
فيما تسيطر الحكومة المعترف بها دولياً على مأرب المدينة والوادي، وهي مناطق المنشآت النفطية وصافر. كما تعد مديرية الوادي الأكبر مساحة في المحافظة.
وقالت المصادر إن وحدات من المنطقة العسكرية السابعة شنت هجوماً مكثفاً على مواقع الحوثيين، وتمكنت من كسر دفاعاتهم واستعادة عدد من المواقع باتجاه معسكر ماس شمال غربي مأرب،
فيما نفذت مقاتلات حربية غارات على تعزيزات وتجمعات عسكرية للحوثيين في مديرية صرواح.
وفي محزام ماس، أفادت المصادر بأن القوات الحكومية نفذت عملية التفاف على مواقع الحوثيين، وسيطرت على مواقع مهمة عقب اشتباكات عنيفة بين الجانبين،
مشيرة إلى أن المعارك أسفرت، وفق المصادر العسكرية، عن سقوط عشرات القتلى في صفوف الحوثيين.
كما تمكنت القوات الحكومية من إحكام سيطرتها على العكد الرملي ومواقع أخرى قرب جبل البلق، بينما تواصلت العمليات العسكرية في القطاع الجنوبي من المحافظة،
حيث أعلنت القوات الحكومية تحرير مناطق وأسر عدد من المسلحين الحوثيين والاستيلاء على آليات عسكرية تابعة للجماعة.
وفي الوقت نفسه، تواصل القوات الحكومية حصارها لمواقع الحوثيين في معسكر اللبنات، بالتزامن مع قصف جوي ومدفعي استهدف تجمعات ومواقع للجماعة في محيط مدينة الحزم، مركز محافظة الجوف، وفق المصادر نفسها.
وفي تطور موازٍ، أفادت مصادر ميدانية بإسقاط دفاعات القوات الحكومية طائرة مسيّرة تابعة للحوثيين في منطقة اللبنات بمحافظة الجوف، أثناء محاولتها استهداف القوات أو عرقلة تقدمها، وسط استمرار التحركات العسكرية في جبهات المحافظة.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تصعيد للعمليات العسكرية في عدد من الجبهات اليمنية. ففي الوازعية غربي تعز، تستمر المواجهات العنيفة، فيما أفادت المصادر بأن الحوثيين يدفعون بتعزيزات كبيرة إلى المنطقة،
بينما تواصل قوات المقاومة الوطنية الدفاع عن مواقعها، بالتزامن مع وصول قائد قوات درع الوطن، اللواء عبد الرحمن اللحجي، على رأس تعزيزات عسكرية إلى المديرية.
ويستدعي هذا المشهد ما حدث عام 2018 حين أجهض "اتفاق استوكهولم" فرصة عسكرية لتحرير مدينة الحديدة ومينائها على البحر الأحمر،
حيث يعد هذا الاتفاق المحطة الدبلوماسية الأبرز التي أعادت تشكيل مسار الأزمة اليمنية إثر توقيعه بالعاصمة السويدية في 13 ديسمبر/كانون الأول 2018 في ختام مشاورات رعتها الأمم المتحدة بين الحكومة اليمنية والحوثيين.
وتضمن الاتفاق تسويات رئيسية شملت وقف إطلاق النار في الحديدة وموانئها، وتفاهمات لفتح المعابر ورفع الحصار عن تعز، وآلية لتبادل الأسرى.
وعلى الرغم من الأبعاد الإنسانية للاتفاق، غير أن التطبيق الفعلي واجه تعثراً كبيراً وبنوداً معطلة، ليتحول في الذاكرة السياسية للحكومة إلى هدنة مكبلة جمّدت الحسم وأبقت الأبواب موصدة أمام أي سلام مستدام.
"اتفاق استوكهولم" نقطة سوداء
وفي ذاكرة اليمنيين يُعَد "اتفاق استوكهولم" بمثابة نقطة سوداء، إذ أجهض في لحظته الحاسمة فرصة ميدانية نادرة لتحرير الحديدة.
واليوم يعود هذا السيناريو ليخيم بظلاله الثقيلة مع تصاعد مساع أممية وغربية لكبح أي اندفاعة عسكرية حكومية عبر دعوات إلى الحفاظ على "مسار السلام".
وبين هاتين المحطتين، يتبدى تحول دقيق في طبيعة المقاربة الدولية لجماعة الحوثيين،
فبينما انطلق موقف عام 2018 من مظلة إنسانية أبقت الصراع محصوراً محلياً، باتت العواصم الغربية والأمم المتحدة اليوم تنظر إلى الجماعة بوصفها خطراً عابراً للحدود يهدد خطوط الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومنشآت الطاقة الحيوية.
ووسط هذه الأجواء تؤكد الحكومة اليمنية أن هذه التحركات العسكرية الأخيرة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت استجابةً حتمية لصد مخططات عملت فيها الجماعة على حشد الآلاف باتجاه تعز لخنقها،
بالتزامن مع تصعيد يستهدف الساحل الغربي وباب المندب لتهديد الملاحة الدولية. كما حسمت المؤسسة العسكرية الجدل بشكل شبه رسمي،
إذ أعلن مساعد وزير الدفاع، اللواء سمير الصبري، عبر التلفزيون الحكومي، قبل أيام، أن مجلس القيادة الرئاسي اتخذ قراراً قاطعاً بـ"تحرير العاصمة صنعاء"،
مؤكداً أن العمليات تمضي وفق رؤية عسكرية واضحة ومفاجآت ميدانية كفيلة بإحداث انقلاب جذري في موازين القوى.
في السياق، رأت وزيرة الشؤون القانونية، إشراق المقطري، في تغريدة على منصة إكس مساء الثلاثاء، أن "أولى الأولويات هي استعادة مؤسسات الدولة وسلاحها من قبضة مليشيا الحوثي الإرهابية، ولم يعد خياراً سياسياً قابلاً للمساومة، بل ضرورة لحماية حقوق الإنسان، وإنهاء العنف، وتحقيق الأمن والاستقرار، وهي الغاية التي يفترض بآليات الأمم المتحدة أن تدعمها لا أن تعيقها".
بيد أن هذا التحسن في تماسك القيادة والخطاب العسكري لدى الحكومة اليمنية يواجه تحدياً مضاعفاً يتمثل في تآكل الورقة الاقتصادية وحالة الإنهاك المزمن، مما يجعل هامش المناورات الراهنة محكوماً بمعادلة دقيقة بين رغبة كسر الجمود وقيود التسوية الإقليمية والدولية.
ويخشى ملايين اليمنيين أن يفتح أي انفجار عسكري واسع باباً لجحيم جديد تفاقمه أزمات تهاوي العملة الوطنية، وانقطاع الرواتب، واشتداد الحصار وتأثر الطرق الرئيسية التي تعد شرايين الحياة الأساسية.
وهذا الهلع المعيشي المتصاعد هو ما يفسر حالة الانقسام في الشارع والقوى السياسية بين مؤيد لكسر قيد الجمود مهما كانت التكاليف، ومتوجس من أن يتحول ثمن الحرب المرتقبة إلى مزيد من الإمعان في تدمير مقومات الأمن الغذائي والإنساني المنهك أصلاً.
وفي مقابل الحذر الأممي، تلقت الشرعية دعماً سياسياً لافتاً من واشنطن؛ إذ أكدت السفارة الأميركية لدى اليمن، أول من أمس الثلاثاء، أن الحكومة اليمنية هي الحكومة الشرعية الوحيدة، ولها كامل الحق في الدفاع عن الشعب اليمني وإنهاء قدرة الحوثيين على ممارسة الإرهاب،
مشددة على أن الجماعة هي من بدأت الصراع وعليها تحمل تبعات عدوانها، بالتزامن مع إقرارها بحق السعودية في الدفاع عن أراضيها ومواطنيها.
هذا الموقف الأميركي الصريح يقابله الطرف الأممي ببيانات الإدانة عاجزاً عن خلق آليات ردع تكبح الحوثيين، بينما تتركز الهواجس الغربية والأممية على الخوف من انهيار مسار التسوية.
ويتضح ذلك جلياً في البيانات الأخيرة لمكتب المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، الذي وصف التصعيد بـ"التطور بالغ الخطورة"، مبدياً قلقاً بالغاً من العواقب الوخيمة لأي قتال واسع النطاق على مسار السلام المعقد،
ومطلقاً دعوات متكررة للأطراف كافة لضبط النفس ووقف الأعمال العدائية واستخدام قنوات التنسيق العسكري.
كما أدان غروندبرغ في بيان آخر، مساء الثلاثاء، الهجمات الأخيرة التي شنتها جماعة الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية،
محذراً من تداعياتها على المدنيين والجهود الرامية إلى التوصل لحل سياسي في اليمن. وأضاف أن الهجمات استهدفت، وفق ما أفادت به التقارير، بنى تحتية مدنية واقتصادية، بينها منشآت للطاقة، وأسفرت عن إصابة عشرات المدنيين،
معتبراً أنها "تهدد بتوسيع نطاق النزاع، وتعريض المدنيين لمخاطر جسيمة، وتقويض الجهود الرامية إلى التوصل لحل سياسي".
ودعا المبعوث الأممي جماعة الحوثيين إلى وقف هجماتها على السعودية، وكذلك هجماتها داخل اليمن، مشيراً إلى أنها عرّضت المدنيين اليمنيين أيضاً لمخاطر جسيمة.
هذا الهاجس الأممي الذي يتركز حول حماية تهدئة هشة بغض النظر عن الاختلالات الميدانية، واجه استياءً الحكومة اليمنية البالغ،
فقد استنكر وزير الإعلام معمر الإرياني، تجاهل المبعوث لجرائم القصف المستمرة على مأرب وتعز والمخا وحضرموت،
مشدداً عبر منصة إكس، الاثنين الماضي، على أن "تصوير التصعيد بمعزل عن سياقه واكتفاء الأمم المتحدة بدعوات مبهمة يمثلان قراءة مجتزأة تساوي ظلماً بين مؤسسات الدولة ومليشيا انقلابية مسلحة".
من جهته، أكد وكيل وزارة الإعلام اليمنية، عبد الباسط القاعدي، أن الأفق العسكري للشرعية لم يعد محكوماً بقواعد الاشتباك السابقة،
مشيراً إلى أن توحيد القرار السياسي والعسكري تحت مظلة مجلس القيادة الرئاسي غيّر كفة الموازين لصالح الحكومة".
وأوضح القاعدي أن مرحلة "تجزئة الجبهات وانفراد الحوثيين بكل جبهة على حدة" قد ولت، كاشفاً عن توجه استراتيجي نحو تحرك متوازٍ ومشتعل من كافة المحاور والتشكيلات العسكرية لمواجهة المليشيا، بعدما كانت الجبهات سابقاً تعمل بمعزل عن بعضها البعض".
وفي قراءته لطبيعة التصعيد الأخير، شدّد القاعدي على أن "الهجمات الحوثية الأخيرة، لا سيما تلك التي استهدفت الساحل الغربي ومضيق باب المندب، لا تعبر عن قرار محلي، بل هي تنفيذ حرفي لأجندة إيرانية بإشراف مباشر من الحرس الثوري للضغط على واشنطن وتحقيق مكاسب لطهران".
ولفت إلى أن "هذا الارتباط الإيراني الفاضح يتجسد بوضوح في تحدي الطيران التابع لشركة "ماهان إير" المرتبطة بالحرس الثوري للسيادة اليمنية وفرض ما تسمى معادلة (الحصار بالحصار)، مما يؤكد أن الحرب برمتها تخدم المصالح الإيرانية وليست مناورات حوثية بحتة".
وعلى الصعيد الدبلوماسي والدولي، اعتبر القاعدي أن "المعطيات الإقليمية والدولية باتت تصب أكثر في مصلحة الحكومة اليمنية خصوصاً بعد أن أدرك العالم خطورة الجماعة وتداعيات استهدافها لخطوط الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية إثر أحداث غزة وما تلاها من عمليات عسكرية غربية وأميركية".
وأشار القاعدي إلى أن "هذه التحولات الكبرى دفعت المجتمع الدولي نحو فهم أعمق لتهديدات المليشيا، ليتوج هذا التحول ببيانات صريحة مثل بيان السفارة الأميركية الذي حمّل الحوثيين مسؤولية بدء العدوان وأقر بحق الحكومة اليمنية في الدفاع عن سيادتها وأراضيها".
وأكد أن "هذه المتغيرات المتشابكة خلقت فهماً دولياً غير مسبوق بخطورة المشروع الحوثي، مما يمنح الحكومة الشرعية غطاءً سياسياً وموقفاً مسانداً في مساعيها الرامية لاستعادة العاصمة صنعاء وتحرير القرار الوطني من قبضة المليشيا الانقلابية".
بدوره، رأى الباحث في الشؤون الأمنية والعسكرية، عاصم المجاهد، أن "المؤسسة العسكرية استعادت خلال الفترة الأخيرة زمام المبادرة، وبدأت القيادة تتحرك بصورة أقرب إلى منظومة عمليات متكاملة من خلال توحيد القرار العسكري، ورفع جاهزية القوات، وتفعيل غرف العمليات المشتركة، وربط الجبهات ضمن رؤية واحدة".
وأكد المجاهد أن "الشرعية اليوم تمتلك عناصر قوة أكبر مما كانت عليه في مراحل سابقة، لكن التحدي الحقيقي يبقى في استثمار هذه العناصر وتحويلها إلى قدرة قتالية موحدة وقابلة للاستمرار".
تغير قواعد الاشتباك بين الحكومة اليمنية والحوثيين
وحول مسألة تغيير قواعد الاشتباك، أوضح المجاهد أن "التطورات الأخيرة دفعت الشرعية والتحالف إلى إعادة النظر في المحددات والقيود التي حكمت التعامل مع الحوثيين خلال السنوات الماضية"،
مشيراً إلى أن "اتفاق استوكهولم والتهدئة الأممية فرضا قيوداً سياسية وميدانية حدت كثيراً من قدرة القوات الحكومية على استثمار عناصر تفوقها".
بيد أن المجاهد استدرك قائلاً إن "استمرار الحوثيين في التصعيد ضد تعز والساحل الغربي وتهديد الملاحة أنهى عملياً المعادلة القديمة، وأعطى الشرعية والتحالف مساحة أكبر للتحرك عسكرياً، واستعادة الردع، وفرض كلفة حقيقية على الجماعة".
أما فيما يتعلق باحتمالات اندلاع حرب شاملة، فأبدى المجاهد اعتقاده أنها "أصبحت مساراً لا مفر منه إذا استمر الحوثيون في التصعيد"،
مشيراً إلى أن التصريحات الأخيرة لمساعد وزير الدفاع، اللواء الركن سمير الصبري، بشأن اتخاذ الشرعية قرار الحرب، تعبر بوضوح عن هذا التوجه.
وفي الوقت ذاته، اعتبر أن "ما يحدث حالياً ليس سوى عمليات عسكرية محدودة ومدروسة تهدف إلى الردع وبناء معادلة ضغط عسكري تدريجي، تبدأ بتثبيت الجبهات ومنع الحوثيين من تحقيق مكاسب جديدة، واستعادة المبادرة، والعمل على تهيئة مسرح العمليات للمعركة الأوسع، وهو ما نرى ملامحه الواضحة على الأرض حالياً".
فخر العزب
صحافي يمني