
رحيل فاضل الربيعي.. في متاهة قراءة التاريخ القديم
من السياسة إلى القصة والرواية ومنها إلى البحث في علم الآثار والأساطير، تنقّل الباحث والكاتب العراقي فاضل الربيعي (1952 – 2025) الذي رحل أمس السبت في أمستردام، في حياته التي قضى جلّها في المنافي، والسجالات حول طروحاته التي تعدّ امتداداً لتنظيرات المؤرخ اللبناني الراحل كمال الصليبي.
انخرط الربيعي المولود في بغداد بالعمل السياسي والصحافي منذ بدايات السبعينيات، إذ التحق بالحزب الشيوعي العراقي وعمل محرراً في صحيفة "طريق الشعب" التي أصدرها الحزب عام 1973، إلى جانب عمله في صحف ومجلات عراقية عدة، ثم في مطبوعات عربية بعد اضطراره لمغادرة العراق سنة 1979، بعد إنهاء تحالف الشيوعيين مع حزب البعث الحاكم.
اشترك الراحل مع كتّاب عراقيين آخرين في إصدار مجموعة قصصية أولى بعنوان "الشمس في الجهة اليسرى" عام 1970، ثم نشر مجموعتَيه "أيها البرج يا عذابي" (1976) و"طفل القيامة" (1982)، ليهجر القصّ نحو الرواية في أعمال عدّة،
كان أولها "عشاء المأتم/ ليلة الشاطئ الجميل اللعينة" (1986)، و"ممرات الصمت" (1991)، و"ليلة الأسرار" (2018) التي مزج فيها بين تجربته الشخصية وبين السرد في تصوير لقمع السلطة وخيبات جيل كامل من اليسار العراقي.
لم تنل تجربة الربيعي السردية حظّها من الاهتمام فلا يمكن موضعتها ضمن تجارب الساردين العراقيين في السبعينيات والثمانينيات، وهو ما قد يفسّر توجهه نحو دراسة التاريخ القديم وميثولوجيا حضارات المنطقة العربية في التسعينيات،
وشكّل كتابه "الشيطان والعرش - رحلة النبي سليمان إلى اليمن" محطّة بارزة لتقديم رؤيته نحو إعادة قراءة الأسطورة ودلالاتها الرمزية التي استقرت صورةً نهائيةً حول تاريخ اليمن في حقبة ما، واقتراحه ترشيدها من خلال إقصاء الخيال منها لصالح الواقع والحقيقة.
ورغم أن الكاتب أشار في مقدمة هذا الكتاب إلى أن معالجته تمثل محاولة أولية متواضعة، إلا أن مؤلفاته اللاحقة ستبدو أكثر جرأة ووضوحاً في نقض جملة من الأساطير وتفكيكها، ما استدعى توجيه انتقادات واسعة من منطلقات متعدّدة،
إذ أشار مؤرخون وكتاب إلى أن الربيعي لا يحمل شهادة علمية متخصصة، وليس لديه إلمام حقيقي باللغات القديمة التي يدرس نصوصاً تاريخية كُتبت بها، كما أنه لم ينشر أبحاثاً علمية محكمة في هذا المجال.
ويصف الباحث السوري تركي علي الربيعو كتابَ "الشيطان والعرش" بقوله "يجازف فاضل الربيعي في بحثه.. في الدخول إلى عالم 'الميثولوجيا الإسلامية' إلى الحقل المسيّج بالألغام على حد تعبير محمد أركون، تحدوه رغبة في إعادة الاعتبار للتاريخ الحقيقي المغطى بركام هائل من الحرتقات الأسطورية،
إنه يعيش طرح التساؤل الهام عن الكيفية التي يتحول بها الحدث التاريخي إلى حدث أسطوري، لكنه يذهب في الاتجاه المعاكس وذلك عندما يقوم باستخلاص التاريخي من الأسطوري الذي يتكشف عن لوثة فكرية بقيت بوصفها راسباً ماركسوياً في ثقافتنا المعاصرة".
تواصل الجدل حول مؤلفات الربيعي مثل "فلسطين المُتخيّلة" (الصادر في جزئين)، و"القدس ليست أورشليم"، و"حقيقة السبي البابلي"، الذي أكّد فيها مقولته بأن الأحداث التي أوردتها التوراة عن تاريخ اليهود لم تقع في فلسطين إنما حصلت في اليمن، بالاستناد إلى منهج يجمع بين اللغويات، والأنثروبولوجيا، ودراسة الأساطير، مفنداً تناقضات المرويات التوراتية.
وضع الراحل العديد من الكتب منها "أسطورة عبور الأردن وسقوط أريحا"، و"مصر الأخرى: إسرائيل المتخيلة، مساهمة في تصحيح التاريخ الرسمي لمملكة إسرائيل القديمة"، و"يهوذا والسامرة البحث عن مملكة حمير اليهودية"، و"الذاكرة المنهوبة: علم الآثار التوراتي وتزوير تاريخ فلسطين والشرق الأدنى القديم"،
و"إرم ذات العماد؛ من مكة إلى أورشليم -البحث عن الجنة"، و"المسيح العربي، النصرانية في الجزيرة العربية والصراع البيزنطي الفارسي"، و"أبطال بلا تاريخ - الميثولوجيا الإغريقية والأساطير العربية"، و"الرومان ويهود اليمن.. لغز الهيكل الثاني"، وغيرها.
لم تتوقّف حدود الجدل عند مقاربات الربيعي للتاريخ القديم، بل امتدّت إلى السياسة؛ إذ أدلى بالعديد من التصريحات المؤيدة للنظام السوري البائد،
وإلى نشاطه البحثي أيضاً إذ يترأس مجلس أمناء مركز "مجتمع للدراسات الثقافية والتاريخية" الذي تأسس في لندن، بهدف إعادة بناء السرديات التاريخية السائدة ونقد الرواية الإسلامية الكلاسيكية والمعاصرة ودراسة مشكلات الدولة الوطنية،
وكان المركز قد عقد اجتماعاته الأولى في أبوظبي.