مدينة ذمار… بابُ صنعاء وقلبُ اليمن
مدينة ذمار بفتح الذال والميم، الواقعة وسط اليمن، هي مركز لمحافظة تحمل ذات الاسم، وتُعد واحدة من أهم المدن التاريخية في البلاد. يعود تاريخ الاستيطان البشري في هذه المنطقة إلى أعماق الزمن،
إذ أكدت دراسات علمية حديثة وجود نشاط إنساني واسع في محافظة ذمار منذ العصر الحجري القديم الأعلى في الألف السادس قبل الميلاد، وصولًا حتى العصر البرونزي.
أما فيما يتعلق بتأسيس المدينة ذاتها، فتذهب بعض المصادر إلى القول إنها تعود إلى القرن الأول الميلادي، في حين تشير نقوش أثرية إلى أن الاسم ورد في نقوش سبئية تعود إلى الألف الأول قبل الميلاد، ما يدل على قِدم المكان واستمرارية الاستيطان فيه عبر العصور.
وتنسب بعض الروايات التاريخية تسمية المدينة إلى الملك الحِميِري ذمار علي يهبر، وهو من أعظم ملوك سبأ وذي ريدان في أواخر القرن الأول الميلادي وبداية القرن الثاني الميلادي. وفي عهده بلغ الحِميِريون قمة مجدهم وقوتهم.
تضم المدينة والمنطقة معالم أثرية تاريخية عديدة تعود للفترة الحِميِرية، منها مدينة بينون ومصنعة ماريا والنخلة الحمراء وذمار القرن، وتُعد من أقدم مراكز الاستيطان البشري في اليمن،
وشهدت ربوعها معارك وتحولات سياسية وحضارية عبر تاريخها القديم، ومثلت مع القبائل المحيطة بها خطوطًا دفاعية للعاصمة الحِميِرية ظفار،
كما مثلت ذمار مركزًا علميًا وثقافيًا إسلاميًا بارزًا، لاسيما من خلال إحدى مدارسها، التي تُسمى المدرسة الشمسية، وتخرج من مدارس المدينة عددٌ من العلماء والأدباء، ممن صاروا أحاديث أزمنتهم.
وتاريخ ذمار يمتد إلى عصور ما قبل التاريخ، وبالتحديد العصر الهولوسيتي الأوسط، كما أكدت على ذلك الدراسات التاريخية والأثرية، ولاسيما ما قامت به البعثة الإيطالية 1983 – 1986 والبعثة الأمريكية لاحقًا،
ويتردد ذكرها في النقوش القديمة، ويكتب اسمها (هجرن/ذمر) أي مدينة ذمار، ويُعتقد أنها تأسست عام 15 – 35م، ويرجح أنها في مراحلها الأولى كانت عبارة عن قرى متناثرة، ولم ترق إلى مدينة إلا في عهد الدولة الحِميِرية،
وكان موقعها هران آنذاك، وانتقلت إلى موقعها الحالي بظهور الإسلام وبناء الجامع الكبير فيها، وفق إحدى الروايات وحسب دراسة «ذمار في الإسلام حتى أواخر القرن الثالث الهجري» للباحث الدكتور عادل محي الدين الألوسي في ندوة نظمتها جامعة ذمار.
وممن تحدث عن ذمار طويلًا المؤرخ القاضي الحجري اليماني بقوله: ذمار بوزن قطام بلاد واسعة جامعة لعدة مناطق بها زروع وآبار ويسكنها بطون من حمِيِر وأنفار من الأبناء وأرضها كبريتية، حتى قيل إنها لا توجد فيها حية أو عقرب،
أضف إلى ذلك فهي بلد جبلي شديد البرودة، وترتفع عن مستوى سطح البحر ثمانية آلاف قدم أو ما يعادل حوالي 2700م.
الموقع والاستيطان
تقع ذمار إلى الجنوب من العاصمة اليمنية صنعاء بمسافة100كم تقريباً، وشُيدت في الجانب الشمالي الشرقي من قاع بلسان في وادي الجنات، على ما روى الباحث الدكتور أحمد صالح العبيدي،
الذي قال إن موقعها يمتد طوليًا من الغرب إلى الشرق في ذات اتجاه مجرى المياه للوادي المعروف في الوقت الحالي بوادي الجنات،
وإلى الشمال من المدينة يقع حصن هران الأثري، الذي يبعد عنها بمسافة كيلومتر تقريباً، وإلى الجنوب قرية ذمار القرن على بُعد أربعة كيلومترات تقريباً، وإلى الشرق تقع قرية الملحة، وإلى الشمال قرية يفع، التي تنسب إليها عشيرة يهفرع المنتسبة إلى قبيلة مقرى «مهقرم».
كما تمثل المنطقة إحدى المستوطنات البشرية القديمة، وهناك ما يدلل على ذلك في العصرين الحجري القديم والحديث والبرونزي؛ وهو ما كشفته بعثات أثرية اشتغلت في مواقع مختلفة في منطقة ذمار.
وفي دراسة بعنوان «المستوطنات القديمة في فترات عصور ما قبل التاريخ منطقة مرتفعات ذمار» أكدت الباحثة الدكتورة مديحة محمد رشاد أن نتائج أعمال البعثات الأثرية في منطقة ذمار كشفت عن مستوطنات تعود للعصرين الحجري القديم والحديث وكذلك العصر البرونزي.
السور والتسمية
ما يميّز ذمار عن باقي المُدن التاريخية اليمنيّة في شمال البلاد إنه لم يحطها سور دفاعي، وتعتمد في تصميم مبانيها على الطراز المعماري التقليدي المنسجم مع طبيعة الأرض البركانية المحيطة بها، وفق مصادر محلية.
في دراسة «ذمار وأبرز قبائلها ومراكزها الحضارية في التاريخ القديم» يقول الباحث الدكتور أحمد العبيدي أستاذ التاريخ القديم المساعد في جامعة ذمارـ في تسمية ذمار، إنها مدينة معروفة باليمن،
ونقل عن ياقوت الحموي أن ذمار مسماة بذمار بن يحيى بن يحصب بن دهمان بن سعيد بن عدي بن مالك بن سدد بن حمير بن سبأ، وذمار قرية جامعة بها زروع وآبار قريبة ينال ماؤها باليد ويسكنها بطون من حِميِر.
وأضاف: وقد فسر لنا ابن منظور معنى كلمة ذمار بقوله: والذمار ذمار الرجل، وهو كل ما يلزمه حفظه وحياطته وحمايته والدفاع عنه،
وإن ضيعه لزمه اللوم. «وهي المدينة الفيحاء، واليتيمة العصماء، ذات الوجه البهي، والهواء النقي، جميلة المنظر، حسنة المخبر، صافية الأديم، نزهة عذبة المياه، من أمهات اليمن التي تلحق بالعاصمة صنعاء.
كما أنها همزة وصل بين مشرق اليمن ومغربه وشماله وجنوبه، فهي أشبه ما تكون بقلب اليمن، وتبعد عن صنعاء جنوباً بثلاث مراحل لطاف،
وتقع في فضاء واسع، عامر بالسكان، آهلة بالعلم والعرفان وموئل للأدباء وذي اللسن، ولا يزال فيها علماء وحملة أقلام، ورواة شعر وقراء ومحدثون، وتجار أبرار».
ويرى أن القول بأن ذمار سميت بذلك الاسم نسبة إلى الملك ذمار علي فيه شيء من الصحة، ولكن هناك عددا من الملوك السبئيين والحِميِريين الذي حملوا ذلك الاسم،
نذكر منهم في العهد السبئي :1. ذمار علي وتر يهنعم (ذمار علي ينف) 2. ذمار علي بين 3. ذمار علي ذرح 4. ذمار علي يهبر (يهبار) في العهد الحِميِري/ عهد ذي ريدان.
ويقول: يبدو للباحث أن ذمار سُميت بذلك نسبة إلى المكرب السبئي ذمار علي وتر يهنعم، لاسيما أن بعض الدراسات توصلت إلى أنه أقدم ملوك سبأ وذي ريدان المعروفين، وأن أرض الكيان السبئي كانت في زمانه تشمل كل الهضبة الغربية تقريباً،
بدليل أن أرض قبيلة مقرى الواقعة غرب ذمار كانت تابعة له، وأن سبأ كانت تهيمن دون منازع على كل الهضبة الغربية، بضمنها ذمار الحالية وما حولها.
وأرجع بعض المؤرخين مدة حكم المكرب السبئي ذمار علي وتر يهنعم أو ذمار علي ينف إلى حوالي 680 ق. م.
وورد اسم ذمار في النقوش السبئية والحِمِيّرية بـ (ذمار/ ذمري)، على سبيل المثال (Ja:576) و(Ja:577)، التي ذكرت مدينتي ذمار وهران في أكثر من موضع، أثناء الصراع السبئي – الحِمِيري.
وأضاف أن بعض الدراسات توصلت من خلال تحليل المعطيات النقشية والأثرية والإخبارية، أن قرية ذمار القرن الحالية، التي أصبحت شبه متصلة بمدينة ذمار الحالية من جهة الجنوب، هي ذاتها ذمار القديمة، لاسيما أنها تقع في مكان مرتفع حصين،
الأمر الذي يتفق مع التحصينات الدفاعية الحِميِرية، إذ كان الحِميِريون (الريدانيون) يحرصون على تشييد مدنهم وقلاعهم وحصونهم على الأماكن المرتفعة والوعرة صعبة المنال بالنسبة للأعداء،
وهو الأمر الذي لا يتفق مع موقع المدينة الحالية التي شُيدت مبانيها في قاع منبسط تماما.
ويعتقد الباحث أن ذلك يحمل شيئاً من الصواب، وأن ذمار الحالية تم تشييدها في عهد الإسلام، وأنها كانت أرضًا زراعية لذمار القديمة منذ العصر الحِميِري على الأقل.
كما يعتقد أن موقع ذمار القرن هو ذاته موقع مدينة ذمار القديمة، وأنه كان أحد المواقع الحِميِرية (الريدانية) المهمة، وذلك يتضح من خلال التحصينات الكبيرة التي أحيط بها الموقع؛
وهو الأمر الذي يتفق مع الأيديولوجية الحِميِرية (الريدانية) الدفاعية والتحصينية المتبعة في المدن والمواقع الحِميِرية الأخرى، وذلك ما يجعلنا نفترض إن تشييد ذمار القديمة تم في زمن الحِميِريين، وليس قبل ذلك.
ذمار علي وابنه ثأران
وفي دراسة «ذمار في الإسلام حتى أواخر القرن الثالث الهجري» قال الباحث الدكتور عادل محيي الدين الألوسي أستاذ التاريخ الإسلامي، إن ذمار وصفت بباب صنعاء وقلب اليمن،
وفي العُرف العسكري أن السيطرة على ذمار وحصنها هران ونقبل يسلح، يعني تهديد صنعاء، والعكس صحيح، لمن يريد التقدم جنوبًا وصولًا إلى إب وتعز وعدن.
من أبرز القطع الأثرية التي تم اكتشافها في منطقة ذمار هي التماثيل البرونزية، وأبرزها تمثالا ذمار علي وابنه ثأران.
وقالت الباحثة الدكتورة عزة علي عقيل بن يحيى في دراسة في هذا الشأن: للمرة الأولى يتم العثور في اليمن على تماثيل بهذا الحجم أكبر من الحجم الطبيعي للإنسان 2.30م،
عثر على هذين التمثالين البرونزيين في المدينة الحميرية يقلا النخلة الحمراء حالياً عام 1931، يفيد النقش في التعرف على هُوية التمثالين، وهما للملكين ذمار علي يهبر وابنه ثأران ملكا سبأ وذو ريدان،
ويذكر النقش أن التمثالين قُدّما لثلاثة أشخاص من بنو ذرانيح (أقيال قشم) لغرفة استقبال (مسود) قصرهم سمع.
يوجد على الركبة اليسرى نقش باللغة اليونانية «Phokas epaiei» أي صنعه فوكاس، ما يدل على أن الصانع روماني، ومن المرجح أنه أتى من شرق الإمبراطورية الرومانية، حيث كانت اليونانية اللغة الرسمية المتداولة.
وأضافت: تمثالا النخلة الحمراء أكبر تمثالين عُثر عليهما في اليمن حتى الوقت الحاضر؛ فحجمهما أكبر من الحجم الطبيعي، إذ يصل ارتفاع كل منهما متران وثلاثون سنتيمترا، ويبدو أن هذا الحجم من التماثيل لم يكن نادراً في اليمن القديم،
إلا أن ما تبقى لنا منها قليل ونادر، توجد على سبيل المثال قدم من البرونز في متحف سيئون وادي حضرموت يصل طولها إلى حوالي 40 سم، ما يدل على أن التمثال كان بحجم تمثالي النخلة الحمراء.
وقالت: ترجع أهمية هذين التمثالين أيضاً إلى أنهما يمثلان ملكين حمِيِريين، بدون أدنى شك، فاسما الملكين مدون على التمثالين ذمار علي وابنه ثأران.
إن التعرف على تماثيل لملوك من اليمن القديم تبقى حالة نادرة، ولا نعرف مثالاً آخر لتماثيل ملكية حتى الوقت الحاضر سوى تماثيل ملوك أوسان الموجودة في متحف عدن والمصنوعة من البلق، والمؤرخة من القرن الثاني وحتى القرن الأول للميلاد.
وأيضاً رأس لتمثال من البرونز عثر عليه في النخلة الحمراء والموجود حالياً في المتحف البريطاني، من المرجح أن يكون لملك حِميِري، فتصفيف الشعر يشابه إلى حد بعيد صور الملوك على العملات الحِميِرية،
فبالإضافة إلى التماثيل نتعرف على صور لبعض الملوك على العملات اليمنية القديمة كملوك قتبان.
وعُثر على تمثال ذمار علي مكسورا، ويتكون من عدة أجزاء، وعلى بقاياه هو والتمثال الآخر ثأران، وتم ترميمهما في ماينز في ألمانيا 1983 – 1988، وصنع وفقاً للأجزاء الأصلية تمثالان، الكسر الأصلية معروضة في متحف صنعاء الوطني، وإلى جانب نسختي التمثالين، عرض التمثالان في المتحف الروماني – الجرماني زنترال ميوزيوم عام 1993.
ذمار في العصر الإسلامي
وفقا لأحد المصادر العلمية؛ فإن منطقة ذمار بقبائلها ومدنها ومخاليفها، كانت جزءًا من صراع الحِميريين والسبئيين، وصولًا إلى الاحتلال الحبشي، الذي خضعت له المنطقة، بما فيها ذمار وصولًا إلى الاحتلال الفارسي الذي استمر حتى وصول الإسلام إلى اليمن،
ودخول آخر ولاة الفرس على اليمن باذان، في الدين الإسلامي عام 628 م.
إذ اعتنق اليمن بضمنها ذمار الإسلام، وبرز من رجال ذمار مَن كان لهم دور بارز في الحركة العلمية والأدبية، وكانت المدرسة الشمسية بذمار إحدى المراكز العلمية والحضارية في عهد الإسلام.
وفي دراسة «ذمار في الإسلام حتى أواخر القرن الثالث الهجري» قال الباحث الدكتور عادل الألوسي، إن بعد الهجرة النبوية توافدت بعوث همدان وخولان والنخع وكنده والصدف وبهراء وعذراء وجهينة وصداء وقراد وغيرها من مخاليف اليمن على رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم).
ودخل أهل اليمن في دين الله أفواجًا في مواكب متسلسلة وجماعات متتابعة، وبعث النبي إلى اليمن مبعوثين من أكابر الصحابة هما: الإمام علي بن أبي طالب إلى صنعاء ومخاليفها وذمار منها، ومعاذ بن جبل الأنصاري إلى الجند ومخاليفه وتعز منها للدعوة إلى الدين الجديد، فاستجابوا وأصبح اليمنيون من أعظم مؤيدي الإسلام في الحرب والسلم أيام رسول الله وخلفائه الراشدين.
وخلال القرنين الأول والثاني وردحًا من القرن الثالث الهجري، حظيت بلاد اليمن بوحدة جغرافية وباستقرار سياسي نسبي ظل خلالها اليمن يدين بالولاء لسلطة الخلافة الإسلامية،
إلا أنه مع بداية القرن الثالث الهجري ظهرت بوادر التململ والخروج عن هذه السلطة لعدة أسباب، ربما كان بُعد اليمن عن حاضرة الدولة بغداد واحداً منها.
تمخضت هذه التحركات عن قيام ما يُعرف بالدويلات المستقلة، التي تقاسمت حكم اليمن من سنة 204 – 923هـ، بعدها صارت في اليمن سلطتان هما: العثمانيون الذين امتدت سيطرتهم على المناطق الساحلية من جيزان شمالًا إلى عدن والشحر جنوبًا،
والأئمة الزيدية الذين امتد نفوذهم إلى جميع جهات الهضبة اليمنية ومنها ذمار، خاض خلالها اليمنيون نضالًا دؤوبا للتخلص من الاحتلال البريطاني والحكم الإمامي توج بقيام النظام الجمهوري في 26 أيلول/سبتمبر 1962، الذي حقق لليمن أعظم إنجاز تاريخي، وهو قيام الوحدة في 22 أيار/مايو 1990، وفق دراسة الباحث الألوسي.
وقال إنه خلال بحثه وعبر هذه العصور التاريخية التي امتدت طوال القرون الثلاثة الأولى من الهجرة النبوية، لم يرد اسم ذمار إلا ما ندر،
وإذا ما ذُكرت كانت تدخل ضمن أعمال صنعاء، ذلك إنه في عصر ما قبل الإسلام وعهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان اليمن يضم ثلاثة مخاليف هي: الجند وهو أعظم المخاليف الثلاثة، ومخلاف صنعاء وهو أوسطها، ومن أعمالها ذمار، ثم مخلاف حضرموت وهو أدناها.
مكونات المدينة
فيما قال الباحث الدكتور فؤاد عبد الغني الشميري، في دراسة بعنوان «الآثار الإسلامية في مدينة ذمار» إن محافظة ذمار تُعد من أغنى المناطق اليمنية بالآثار التي تعود إلى عصور ما قبل التاريخ،
مروراً بآثارها في العصور التاريخية المتعاقبة، وصولاً إلى العصر الإسلامي الذي أصابت فيه المدينة نصيباً وافراً بآثارها الإسلامية، التي تعود بداياتها إلى البواكير الأولى من صدر الإسلام في عهد الرسول، والممتدة إلى عصرنا الحاضر.
وتتميز المنطقة الغربية من المحافظة بكثافة المنشآت الدينية الإسلامية، والتي لم تصل إليها جهود الباحثين الآثاريين حتى الآن.
وأشار إلى أن المدينة تقع بين تحصينين طبيعيين من جهتين مهمتين استراتيجياً، هما هران من الجهة الشمالية، وذمار القرن من الجهة الجنوبية، بهما بقايا آثار الحصون ذات أسوار ومداخل ترقى إلى عصر ما قبل الإسلام وإلى العصر الإسلامي،
كما أن هناك آثاراً لحصن إسلامي في قرية يفع، التي تقع شمال غرب ذمار، يُعرف عند الأهالي بـ «حصن النوبة».
أما فيما يتعلق بسور المدينة فإن الإشارات التي تناولته لم تفلح في تثبيت حقيقة وجوده من عدمه، وفي الجانب الاقتصادي فالمدينة تقع على سهل خصيب يُعرف بوادي الجنات،
بالإضافة إلى وجود كميات وفيرة من المياه الجوفية التي ينال ماؤها باليد حسب إشارة المؤرخ أبو محمد الحسن الهمداني،
كما أن موقعها الاستراتيجي في توسطها بين المرتفعات الشمالية والوسطى جعلها محطاً للقوافل التجارية، وأكسبها خصوصية عبر التاريخ، يدل على ذلك السوق المتخصص بأنواع من السلع والمهن الحرفية، والمنشآت التي تيسر عملية التبادل التجاري، من سماسر وحمامات ومساجد متقاربة.
تتكون المدينة، وفق الشميري، من ثلاثة أحياء رئيسية، بالإضافة إلى منطقة القاع، قاع اليهود، ومنطقة السوق المتوسطة لتلك الأحياء، وأحياء المدينة هي: الحوطة:
ويقع في الناحية الجنوبية الشرقية من المدينة وشرقي السوق القديم، ولعله أقدم أحياء المدينة لوجود الجامع الكبير وأقدم المنشآت الأثرية سواء الدينية أو المدنية فيه. وحي المحل: ويمثل الجهة الشمالية من المكون القديم للمدينة.
وحي الجراجيش: وهو المنطقة الجنوبية الغربية للمدينة. ومنطقة القاع: وهي المنطقة الواقعة في الطرف الشرقي من المكون القديم للمدينة – يمكن اعتبارها ضمن حي الحوطة – ويمكن عدها وحدة سكنية مستقلة بذاتها لما تحمله من خصائص معمارية تختلف عن باقي الأحياء، من حيث التخطيط والطابع الخاص للمنازل.
ومنطقة السوق: وهي المنطقة التي تتوسط الأحياء الثلاثة بنسيجها المتميز عن بقية المدينة، ويعد المدخل الشرقي للمدرسة الشمسية حدها الغربي. وتحتوي على أسواق تخصصية تًعرف بأسماء البضائع أو الحرف المتداولة فيها، ويتضمنها ويحيط بها عدد من السماسر، وتشغل المقبرة الجزء الشمالي الغربي من المدينة.
ومن أبرز المنشآت الدينية فيها المساجد، إذ يُعد المسجد أول لبنة في المدينة الإسلامية، بل يراعى في تأسيس المُدن الإسلامية توسط الجامع للمدينة، بدءاً من تأسيس أول مدينة إسلامية، بدأت معالمها بعد تشييد مسجد الرسول.
ووفق الباحث الشميري، فذمار الإسلامية ليست بعيدة عن ذلك، بل إن تاريخ اختطاطها مرتبط ببناء المسجد الكبير، والذي يرجع تأسيسه إلى السنوات العشر الأولى من القرن الأول الهجري في حياة الرسول الكريم، ومع توسع المدينة زاد بناء المساجد فيها تبعاً لذلك،
ومن أهمها: مسجد الحسين بن سلامة، أمير زبيد 403 هـ، ومسجد الإمام يحيى بن حمزة 749 هـ، ومسجد الإمام المتوكل على الله المطهر بن محمد بن سليمان 879 هـ، والمدرسة الشمسية، والتي تُعد من أهم المعالم الأثرية الإسلامية بالمدينة، والتي لا تزال عامرة بطلاب العلم،
ومسجد قبة داديه، ومسجد قبة ضريح الحسين بن الإمام القاسم بن محمد 1050هـ، والأمير سنبل بن عبد الله، والأسد بن إبراهيم بن أبي الهيجاء الكردي، والويس، والرضوان، والذي بناه إسماعيل بن يحيى الصديق 1209 هـ،
ومسجد لقمان، والذي بناه محمد بن قاسم لقمان 1133 هـ، والربوع، والذي بناه أحمد بن مهدي الشبيبي 1157 هـ، ومسجد عبيلة، ومسجد الناصر، والشيخ، ومسجد فرح وغيرها. وهذه المساجد تعددت أنواعها وطرزها المعمارية.
الجامع الكبير
وفي دراسته لطرز بناء المساجد في ذمار، يقول الباحث الشميري إن الجامع الكبير بالمدينة، يتكون من صحن مكشوف تحيط به أربعة أروقة أعمقها رواق القبلة،
وهذا طراز ينتمي إلى المساجد الجامعة، والتي تم بناؤها على نمط مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة، ومنها جامع صنعاء الكبير والجند وشبام كوكبان وإب و جبلة وجامع الأشاعر في زبيد، وهو طراز انتشر في جميع المدن الإسلامية.
وطبقًا للدراسة؛ فإن هذا المسجد يعد أحد أقدم المساجد التي بُنيت في صدر الإسلام، «وهو أقدم أثر إسلامي في مدينة ذمار، بُني في السنوات العشر الأولى من القرن الأول الهجري في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، في حي الحوطة بعد الجامع الكبير بصنعاء، كان عند تأسيسه عبارة عن قاعة مستطيلة صغيرة،
وهي المعروفة حالياً بمصلى دحية، تقع في مقدمة الجناح الغربي، ومع مرور الزمن حدثت للجامع عدة تجديدات كونت في معظمها أشكالاً لمساجد مستقلة، ما أسفر عن تخطيط معقد وطرز معمارية وزخرفية متباينة».
وترى الدراسة أن الجامع الكبير بذمار يتميز بمنبره الخشبي، الذي يُعد أحد أسانيد الفن الإسلامي الخشبية، بل يعد ثاني أقدم منبر في العالم الإسلامي، وشح بزخارف تنتمي إلى طرز سامراء الثالث والرابع، وتكمن أهميته في قلة بل ندرة ما وصلنا من معلومات عن المنابر الإسلامية حتى القرن الرابع الهجري سواء في طرق صناعتها أو زخارفها.
يرجح أنه من أعمال الحسين بن سلامة مولى بني زياد الذين تبنوا الطرز الآثارية المعمارية والزخرفية العباسية في عهدهم. كما كان سقف الجامع مغطى بمصندقات خشبية عليها زخارف إسلامية ملونة تشبه مصندقات الجامع الكبير بصنعاء.
المدرسة الشمسية
ومن أبرز معالم المدينة الإسلامية المدارس، وإن كان تخطيط طرازها لا يتبع تخطيط المدارس الإسلامية المعروفة،
ومن هذا الطراز المدرسة الشمسية، والتي سُميت بهذا الاسم نسبة إلى الأمير شمس الدين 918-963هـ، واسم الشمسية أطلق على العديد من المدارس باليمن – الشمسية بمدينة إب نسبة إلى الأمير شمس الدين أبو بكر بن فيروز أحد الأمراء التابعين للسلطان الرسولي المظفر،
وأخرى في زبيد بنتها الدار شمسي ابنة عمر بن علي بن رسول، عُرفت بالغضينية نسبة لمجددها أحمد عبد الله الغضين سنة 941 هـ.
وتقع المدرسة الشمسية، وفق الباحث الشميري، وسط مدينة ذمار في حي الجراجيش، إلى الشمال منها يقع سوق الربوع، ومن الجنوب حي الجراجيش وشرقاً سوق المجن،
وإلى الغرب مكتب الأوقاف بالمدينة. ويماثل تخطيطها تخطيط المسجد، وهو عبارة عن بيت للصلاة مستطيل الشكل يتقدمه من الجهة الجنوبية فناء مكشوف، محاط من الجهات الشرقية والجنوبية والغربية ببيوت الطلبة، التي كونت بمجموعها سوراً للمدرسة،
كما يتخلل نفس الجهات السابقة الذكر مداخل بالإضافة إلى مدخلين صغيرين في الجهة الشمالية، وإلى يمين المدخل الشرقي تقع المئذنة، كما ألحق بها المطاهير والحمامات، وهذا النمط من التخطيط ساد معظم المنشآت الدينية العامة،
إذ توجد مدارس بُنيت على طراز مساجد. واستعمل في بنائها حجر الحبش السوداء بالإضافة إلى الآجر الذي استخدم في بناء بيوت الطلبة، كما استخدم الآجر في بناء الجزء العلوي من المئذنة، واستخدم القضاض كبلاط لتغطية بيت الصلاة من الخارج، والمطاهير الشمالية والجنوبية، وجدران الفناء المكشوف،
وفي وقت لاحق استخدمت النورة والجص في الطلاء الداخلي لبيت الصلاة، كما استخدمت الأخشاب في سقف بيت الصلاة، بالإضافة إلى استخدامها في نوافذ وأبواب المدرسة (الخشب المستخدم هو الطنب في السقف أو الأبواب).
تخرج فيها عدد من العلماء الذين كان لهم اسهاماتهم في التاريخ الإسلامي والثقافي العربي، ومن أبرز الأدباء في التاريخ الحديث الشاعر اليمنيّ الراحل عبدالله البردوني.
مصلى العيدين
من أهم معالم المدينة، مصلى العيدين، وهو أحد مكونات المدينة الإسلامية. وفي المدينة يقع مصلى العيدين الحالي في الجزء الشمالي الشرقي منها، ويبعد عن مركز المدينة السوق وعن الجامع الكبير بمسافة 3كم تقريبا.
والمصلى عبارة عن مساحة مكشوفة مستطيلة الشكل أضلاعها غير منتظمة الأبعاد، ويقع المحراب في الجدار الشمالي، وقد خصصت مؤخرة المصلى للنساء،
وتعرّض هذا المصلى لعدد من الإضافات والتجديدات مؤخرًا، بالإضافة إلى وجود مصلى حديث يقع جنوب ذمار، وذلك بعد ازدياد الكثافة السكانية في المدينة، كما تستخدم بعض المساجد كمصلى للعيدين.
تُعد المقبرة من المنشآت الجنائزية، وقد حظيت بعناية الحضارات القديمة، أما في الدولة الإسلامية فإن الاهتمام بها جزء من التقرب إلى الله، فيتم اختيار أماكنها بعناية،
وتوقف عليها العديد من المصالح. ومقبرة ذمار تقع في الجزء الشمالي الغربي من المدينة القديمة وتشغل مساحة غير منتظمة الأبعاد، تتصل بحارات حي المحل، وتحتوي على عدد كبير من المقابر القديمة، التي تُعد ذاكرة المدينة،
بالإضافة إلى عدد من المقابر الحديثة بعد التوسع العمراني، ووردت عدد من الإشارات التاريخية لأسماء مقابر قديمة في ذمار، منها مقبرة طه وماجل الطريقين،
وفق دراسة الشميري، التي أوضحت أن المنشآت المدنية في ذمار تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي السكنية والتجارية والمائية، ومعها الحمامات العامة، والتي يعدّها بعضهم ضمن المنشآت الصحية، والتي تنضوي تحت منشآت الرعاية الاجتماعية.
ومن أهم المنشآت التجارية السوق القديم الذي يُعد أحد عناصر المدينة القديمة، ويقع في مركزها.
ويتكون من عدة دكاكين تجارية مكونة من طابق واحد تتراوح ارتفاعاتها بين 2.5 ـ 3.5 م. معظم الدكاكين بُنيت من الحجر واستخدم الطين والجص والقضاض كمادة رابطة،
بعض الدكاكين فقدت أهميتها في الوقت الراهن، وأجري لبعضها تعديلات طمست معها الطراز الإنشائي القديم، والقائم منها على الطراز القديم بحاجة إلى ترميم. ويتكون السوق من عدة أسواق متخصصة سواء منها السلعية أو المهنية.
كما تُعد السماسر من المنشآت المهمة التي يجب توفرها في المدن كي يتمكن التجار والمسافرون من الإقامة وتخزين بضائعهم فيها، وفي ذمار يشير الشميري إلى وجود عدد من السماسر بأنواعها تحيط بالأسواق.
بالإضافة إلى السماسر التي تقع خارج المدينة، ومن أهمها: سماسر الأوقاف، قرابش، الزبيدي، ساوي، علوي، حاذق، وسمسرة سلامة.
أحمد الأغبري