شلال "وادي بَنا"... مدرجات لؤلؤ من قمم جبل السريمة
تتفجر من قمة جبل السريمة بمديرية السدة في محافظة إب اليمنية المياه العذبة لشلال "وادي بنا" التي تهوي من علو يتجاوز 30 متراً، وتتكسر على طبقات صخرية متعاقبة ومساقط مائية متتالية تشبه المدرجات.
في قلب اليمن حيث تتدرج الطبيعة على سفوح "اللواء الأخضر" بمحافظة إب تبدأ حكاية شلال "وادي بنا" من قمم جبل السريمة الذي يُناطح السحاب بارتفاع نحو 3225 متراً فوق سطح البحر حيث تنفجر المياه العذبة وتستقر في برك صافية تتلألأ تحت ضوء الشمس، لتعكس زرقة السماء وخضرة الغابات المحيطة.
تتداخل في المشهد أصوات خرير المياه مع خضرة السفوح، ليتحول المكان إلى مقصد لعشاق الاستجمام الهاربين من ضجيج المدن، وهواة التصوير الذين يرصدون التقاء الطبيعة بالضباب.
ولا ينفصل جمال الشلال عن الحكاية الأوسع للوادي، فهو ليس مجرد مجرى مائي في ريف إب، بل أحد أشهر أودية اليمن وأخصبها، ويمتد من المرتفعات الجبلية شمالاً مروراً بقرى وحقول، ويواصل مساره الطويل جنوباً حتى محافظة أبين، حيث يستقر في خليج عدن المتصل بالمحيط الهندي.
تبدأ رحلة "وادي بنا" من أعالي المرتفعات الجبلية المحيطة بمديرية السُّدة، حيث تنتشر قرى أرياب، وقاع الحقل، وعمام، وبني الحارث، وغيرها من التجمعات الريفية.
وتنحدر المياه التي تغذيها الأمطار عبر تضاريس متباينة، وتتكسر بين الصخور الجبلية الضيقة قبل أن تستقر على الأراضي المنبسطة، حاملة معها أثر الطبيعة في تشكيل حياة السكان، وتربط بين عظمة المشهد ومتطلبات المعيشة اليومية في الحقول التي تعتمد كلياً على هذا الشريان المائي.
والوادي ليس مجرد مصادفة جغرافية، بل هوية ضاربة في عمق التاريخ ذات حضور بارز في المدونات الجغرافية والنقوش الأثرية، إذ وردت كلمة "ب ن ا" في نقش قتبانيٍّ قديم إشارةً إلى القصر أو المعبد، كما ذُكِر في النقوش السبئية المقترنة بالمقام الديني "عثتر بعل بنا".
ويذكر مؤرخون يمنيون أن الوادي يُنسب إلى "بنا بن حصبان بن حذيفة بن حجير"، ما كرّس الاسم في الذاكرة عبر القرون.
وفي كتابه المرجعي "مجموع بلدان اليمن وقبائلها"، يصف المؤرخ القاضي محمد بن أحمد الحجري، هذا الشريان بقدرٍ من الدقة،
ويوضح أنه من أشهر الأودية التي تنتهي إلى البحر، وينطلق من شرقي جبال بني مسلم وبني سبأ وإرياب من بلاد يريم، مروراً بحقل يحصب ووادي هلال، ثم يلتقي بسيل "الدلاني" الهابط من رأس جبل الشِّعر.
وتتجمع فيه شبكة مائية واسعة من أودية خبان والشعر والعود وعمّار، ويتدفق جنوباً نحو دمت وبلاد رداع وجبن، وصولاً إلى مصبه النهائي في المحيط الهندي على ساحل أبين.
ويكشف هذا المسار الفريد عن أهمية تاريخية وارتباط وثيق باستقرار السكان ونشاطهم الزراعي عبر أزمنة طويلة.
ولا يتوقف سحر الوادي عند جماله الطبيعي الآسر، بل يتعداه ليغدو فضاءً اجتماعياً وتراثياً ثرياً يرتاده الأهالي والزوار لإحياء طقوس الأفراح والمناسبات، حيث تختلط طلقات البارود بعروض رقصة "القرع" والأهازيج الفلكلورية التي تعيد إحياء موروث الأجداد.
وتتجسد هنا حكاية متدفقة تروي ذاكرة اليمنيين، وتؤكد أن الماء والخضرة والتراث صنعت معاً معجزةً خالدة في قلب الأرض اليمنية.
ويوضح عبدالله الحسني، وهو أحد أبناء المنطقة، لـ"العربي الجديد"، أن "وادي بنا ذو مقومات سياحية فريدة، لكن تحويله إلى قطاع مستدام يتطلب ما هو أبعد من الصور الجميلة،
إذ يحتاج الموقع لطرقات آمنة للوصول، ومرافق خدميّة، وحماية مصادره المائية والغطاء النباتي، ما سيفتح آفاقاً اقتصادية حقيقية لأهالي المنطقة عبر السياحة الريفية".
ولأن هذا الامتداد الطبيعي يُلامس الروح يتجاوز المكان حدوده الجغرافية ويصبح فضاءً يستدعيه الشعر، وتلتقي عنده صورة الطبيعة بمعاني الحب والحنين.
وقد ألهم الوادي وجدان المبدعين وتغنى به كبار الشعراء والفنانين، إذ كتب الشاعر مطهر الإرياني قصيدته الشهيرة "خطر غصن القنا... وارد على الماء نزل وادي بنا"، والتي شدا بها الفنان علي الآنسي، وخلّده الشاعر محمد الذهباني في أغنية "يا ريم وادي بنا" بصوت الفنان علي السمه،
كما صدح الشاعر عثمان أبو ماهر بأبياته في أغنية "البالة" بصوت الفنان أيوب طارش "شلال وادي بنا شل العقول... وشل لأبين زغاريد الغيول". ليبقى وادي بنا رمزاً خالداً للجمال والرقة في الذاكرة الفنية والجمعية لليمنيين.
ويمثل الوادي نموذجاً فريداً لتلاحم الطبيعة والذاكرة الوطنية، فليس المكان مجرد مسقط مائي بين السفوح الخضراء، بل خيط حيّ يربط التاريخ بالواقع، والماء بحياة الناس في قلب اليمن.
ورغم ظروف الحرب والجفاف، يبقى الوادي حاضراً في الأغنيات والوجدان، ويدل على قدرة الحياة على التجدد.
لكن تحويل "وادي بنا" من مجرد مقصَد سياحي تلقائي إلى وجهة مستدامة للسياحة البيئية يتطلب رؤية جدية تعتني بالخدمات الأساسية، وتحمي الغطاء النباتي والموارد المائية من التلوث والاستنزاف.
وهكذا تستمر الحكاية كما بدأت دائماً، ماء ينسكب من القمم، وأرض تُنبت الحياة، وإنسان يروي قصته مع الأرض.
فخر العزب
صحافي يمني