متخيل الرواية اليمنية في الحرب
دخلت الحرب اليمنية إلى الرواية من أبواب كثيرة، مرة بوصفها حدثا يطارد الشخصيات، ومرة بوصفها زمنا يضغط على تفاصيل الحياة، ومرة بوصفها أثرا بعيدا يمتد إلى الذاكرة والهوية والمكان ومصائر الأجيال.
ومع اتساع الحرب وتعدد وجوهها، بدا أن الرواية اليمنية تواجه اختبارا جديدا يتعلق بقدرتها على تحويل هذا الواقع الكثيف إلى كتابة تستوعب فظاعته، وتعيد إنتاجه داخل عالم التخييل.
في هذا السياق تكتسب كتابات الناقد عبدالحكيم باقيس عن متخيّل الرواية والحرب، أهميتها، فهو يتابع الرواية وهي تتشكل تحت ضغط اللحظة التاريخية، ويقترب من النصوص في زمن ما تزال فيه وقائع الحرب حاضرة في الذاكرة والوعي والحياة اليومية.
ويعدّ باقيس من أبرز النقاد الذين أسهموا في رسم ملامح القراءة المعرفية والجمالية للسرد اليمني الحديث والمعاصر،
ففي بحثه «الرواية اليمنية في زمن الحرب» ( مجلة نزوى 2020) يتوقف عند مفارقة جديرة بالتأمل،
إذ إن سنوات المحنة والحرب، التي عاشها اليمن شهدت في الوقت نفسه نموا ملحوظا في الإنتاج الروائي، من حيث الكم وتنوع التجارب والتقنيات والأساليب، بما يجعل سنوات الحرب مرحلة كاشفة في تطور الرواية اليمنية نفسها.
ومن هنا تأتي أهمية السؤال الذي تنتظم حوله قراءات باقيس: ماذا تفعل الحرب بالرواية؟
فالأمر يتجاوز حضور الحرب بوصفها موضوعا مباشرا، إلى حضورها بوصفها قوة تعيد تشكيل طرائق السرد، وصورة الإنسان، وعلاقته بالمكان والذاكرة والآخر.
وهنا يميز بين «الرواية عن الحرب» و»الرواية في زمن الحرب»، فالأولى تجعل الحرب موضوعا رئيسا للسرد، أما الثانية فهي الكتابة التي تتشكل داخل زمن الحرب وتحت ضغط آثارها وتستجيب لتحولاتها وأسئلتها.
جعل باقيس من متابعة الأعمال المكتوبة عن الحرب مشروعا نقديا ممتدا،
إذ يشير في إحدى مقالاته إلى أنه في إطار استقصاء الأعمال المكتوبة عن الحرب، نشر عددا من المقالات عن الرواية اليمنية والحرب،
ومن ذلك سلسلة من المقالات على منصة «خيوط» وهي نماذج دالة على اشتغاله على متخيّل الرواية والحرب، إذ تأتي تلك المقالات ضمن متابعة متصلة لمشهد روائي يتشكل تحت ضغط الحرب.
ولعل أبرز ما يكشف طبيعة هذا الاشتغال مقالته عن رواية أحمد زين «رماية ليلية» (2024)، التي اختار لها عنوانا شديد الدلالة: «في الحرب التي لا تشبه الحرب».
هنا يبدأ باقيس من المفارقة التي تحكم العالم الروائي نفسه؛ حرب عبثية ومتناسلة، تنفتح داخلها حروب أخرى، وفقدت كثيرا من صورتها التقليدية، وانفتحت على العبث والجنون والأوجاع، وهي خصائص تجعل الواقع أكثر حاجة إلى التمثيل والتخييل،
وأشد مقاومة للاختزال في صورة تسجيلية مباشرة.
إن قيمة قراءة باقيس لهذه الرواية تظهر في انتقاله من موضوع الحرب إلى كيفية بنائها سرديا. فهو يتتبع تعدد الخطوط السردية، وتنوع الرواة والضمائر،
والمفارقة التي تتشكل من الشخصيات والأحداث والأمكنة، ثم يربط هذه التقنيات بطبيعة الواقع الذي تمثله الرواية.
فالتشظي السردي لا يأتي اعتباطا، وإنما يماهي تشظيات الواقع ومفارقاته، والتعدد في الأصوات يتيح للرواية أن تستوعب تعدد التجارب والمصائر، فيما تتحول الضمائر من مجرد أدوات تقنية إلى وسائل للكشف عن وعي الشخصيات وانفعالاتها وانقساماتها الداخلية.
ويزداد هذا المنحى وضوحا عندما يلتفت باقيس إلى المفارقة التي تقوم عليها صورة الحرب من الداخل والخارج؛
فهناك الجندي الذي يعيش الحرب في جسده وجروحه وذاكرته، إنه يحمل تجربتها من الداخل، في مقابل شخصيات تتصل بالحرب من الخارج، ضمن شبكة من المصالح والعلاقات والنخب التي تتابع الحرب من الفنادق والمدن البعيدة.
ومن خلال هذا التقابل تتسع الرواية لتصوير الحرب بوصفها واقعا اجتماعيا متعدد المستويات، تتجاور فيه التراجيديا اليومية مع أشكال الانتفاع من الحرب وتحولها إلى شبكة من المصالح.
ومن هذا التقابل يستخرج السؤال الذي يختصر جانبا من رؤية الرواية للحرب: من يدفع ثمن الحرب، ومن يعيش عليها؟
وتقدم هذه القراءة مثالا واضحا على انتقال باقيس من التقنية إلى الدلالة، ومن الدلالة إلى الواقع الاجتماعي الذي تتحرك الرواية داخله.
ويظهر هذا المنحى كذلك في قراءاته الأخرى المنشورة في منصة «خيوط».
ففي مقالته «الدَّيَّنا وتسريد متخيَّل الألم: رواية تحمل آثار الحرب وأوجاعها»، الذي يتناول رواية «الدَّيَّنا» لنهى الكازمي، تقوده بنية المذكرات وتعدد الرواة والسرد الذاتي إلى أسئلة الذاكرة والهوية والوطن والانتماء،
فتغدو الرواية ذاكرة سردية متخيَّلة لآثار الحرب في الفرد والجماعة، ويقرأ تعدد الأصوات والمنظورات بوصفه استجابة لتعدد التجارب والحكايات التي خلّفتها الحرب، وللحاجة إلى استعادة ما تركته من فقد وغياب ونزوح .
وفي مقاله «المرأة وكتابة الحرب في اليمن: سؤال في الخصوصية من نافذة تحت الرماد»، يتخذ باقيس من رواية «تحت الرماد» لعيشة صالح مدخلا لبحث خصوصية كتابة المرأة عن الحرب؛
فيتوقف عند الشخصية المحورية، وضمير المتكلم، والبوح، وتصوير الأحاسيس الداخلية،
ويبحث في السمات التي تمنح هذا النوع من الكتابة فرادته، سواء في زوايا التناول، أو في توظيف التقنيات السردية، مع التركيز على تمثيل الحرب من داخل التجربة الإنسانية وآثارها الاجتماعية والنفسية.
أما في مقاله «أدخنة الحرب في السماء تدخن السجائر: آليات سردية للهروب من فخاخ التسجيلية والتوثيق»، فيتناول رواية «السماء تدخن السجائر» لوجدي الأهدل، ويضع العلاقة بين الواقعة والتخييل في قلب السؤال النقدي؛
إذ يتتبع الكيفية التي تضفّر بها الرواية الحرب بمروي الحياة، وتصل بين العام المرجعي والتفاصيل اليومية، وبين السيرة والتخييل، مستفيدة من تعدد الرواة والضمائر، بما يجعل الحرب جزءا من البناء السردي.
ومن قراءات باقيس يمكن تحديد ثلاثة ملامح ناظمة لمنجزه النقدي في هذا المجال، وهي: العناية بجماليات التمثيل السردي، وتأويل الدلالات الثقافية والاجتماعية، ووصل النص بالمشهد الروائي.
إذ يبدأ من السؤال عن كيفية بناء النص، ثم يتجه إلى ما تنتجه هذه البنية من معنى، قبل أن يوسع زاوية النظر نحو التحولات الأعمق في الرواية اليمنية.
وهنا تبرز قيمة أخرى في مشروعه؛ فالروايات التي يقرأها منفردة تتحول عند جمعها إلى مؤشرات على حركة المشهد.
ففي بحثه عن سقوط اليوتوبيا وبداية الديستوبيا في الرواية اليمنية الجديدة (2023)، ينتقل من الأعمال المفردة إلى ظاهرة سردية أوسع،
ويربط ظهور الكتابة الديستوبية بالتحولات العنيفة التي عاشها الواقع اليمني، بما في ذلك الحرب والصراعات والفقر واضطراب المجتمع وفقدان الأمل، فتغدو الرواية وسيلة لالتقاط تحولات أعمق في الوعي وصورة المستقبل نفسه.
وعلى هذا النحو تبدو تجربة باقيس في قراءة متخيّل الرواية والحرب أوسع من مجرد متابعة أدب نشأ في ظرف استثنائي؛ إنها محاولة لالتقاط كيف تتغير الرواية نفسها تحت ضغط الحرب.
ففي قراءاته تتجاور المقاربة الجمالية مع الأسئلة الاجتماعية والثقافية، وتغدو الرواية منفذا لفهم تحولات المدينة والهوية والذاكرة والعلاقات والنخب ومآلات المجتمع.
ولعل اقتراب هذه القراءات من لحظة الكتابة يمنحها أهمية خاصة؛ فباقيس يقرأ الرواية وهي ما تزال قريبة من دخان الحرب وحرائقها، ويضع النص والتجربة النقدية في تلك المنطقة الحساسة التي سماها «المسافة صفر»؛
أي القرب الشديد من الحدث، مع البحث في الوقت نفسه عن مسافة فنية تسمح بتحويل الألم إلى معرفة، والواقعة إلى سرد، والتاريخ إلى تخييل.
ومن هنا تبدو أهمية جمع هذه المقالات والبحوث في كتاب واحد؛ إذ إن هذا الجمع سيمنحها فرصة أن تُقرأ في سياقها المتصل، بوصفها تجربة نقدية ممتدة في متابعة الرواية اليمنية وتحولاتها، وعندئذ يمكن النظر إلى هذا التراكم بوصفه جزءا من مشروع نقدي يراقب حركة السرد اليمني من داخل نصوصه ومن خلال علاقتها بالتحولات الكبرى التي أحاطت بها.
في الختام تبدو عبارة «في الحرب التي لا تشبه الحرب» أكثر من عنوان لمقالة نقدية عن رواية أحمد زين؛ إنها مفتاح دال لقراءة جانب واسع من الرواية اليمنية التي ولدت في زمن اختلت فيه الحدود بين الحرب والحياة، وبين الخاص والعام، وبين الذاكرة والحدث.
ومن هذا الباب تحديدا تتضح أهمية كتابات عبدالحكيم باقيس؛ فهي تتابع الحرب وهي تدخل الرواية، ثم تتابع الرواية وهي تعيد تشكيل هذه الحرب داخل اللغة والسرد والذاكرة.
فهو لا يقرأ الرواية اليمنية في زمن الحرب فحسب، بل يقرأ من خلالها كيف كانت الرواية اليمنية تعيد تشكيل ذاتها تحت ضغط الحرب.
حافظ قاسم القطيبي
كاتب يمني