موسم البلدة... احتفاء حضرمي بالبحر
في اليمن تلاشت مباهج الحياة السياحية والترفيهية عدا عن مهرجان البلدة السياحي بمحافظة حضرموت (شرقي البلاد) الذي صمد في وجه آلة الحرب والصراع.
وحافظ المهرجان الذي ينطلق في هذه الأيام من كل عام في شواطئ المكلا، على حال الاحتفاء الموسمي الواسع الذي تبعثه أمواج البحر الباردة للمشاركين لتنعش لهيب الطقس والواقع.
دشنت السلطة المحلية، بمشاركة مسؤولين حكوميين، الخميس الماضي، موسم "نجمة البلدة" الثقافي والسياحي في نسخته لعام 2026، وسط توافد كبير من المواطنين من مختلف مناطق اليمن، وببرنامج حافل بفعاليات التراث والفلكلور المحلي.
وعبر الأجيال، تطورت المناسبة من مجرد طقس علاجي محلي إلى ظاهرة سياحية تعكس علاقة الإنسان الحضرمي بالبحر وارتباطه به حتى تحول لتظاهرة اقتصادية.
ظاهرة فلكية
ويتزامن الحدث مع ظاهرة فلكية ومناخية فريدة تمتاز بها سواحل محافظة حضرموت، تحدث ما بين الـ15 والـ27 من يوليو (تموز) من كل عام، عندما تنخفض مياه البحر مما يؤدي إلى ظهور مساحات رملية بيضاء على شواطئ البحر العربي لتصبح مياه البحر باردة في ذروة ارتفاع درجة الحرارة وتسمى هذه الفترة "موسم البلدة" الذي تحول إلى تقليد سنوي اعتاد أبناء ساحل حضرموت على قضائه قرب البحر في نزهة سياحية مليئة بالأحداث الثقافية والإبداعية والرياضية.
وفقاً للباحثين فإن هذه الحال تتمثل في انخفاض درجة الحرارة في مياه البحر بصورة كبيرة، ذلك لأن "نجم البلدة هو أحد النجوم المرتبطة بفصل الخريف من الناحية الزراعية، وهو في المنزلة الثانية، كما يصفه العالم الفلكي القزويني "فضاء في السماء لا كواكب له بين العائم وسعد الذابح‘، ومكون من ستة كواكب مستديرة صغيرة وخفية تشبه القوس".
من المحلي إلى الوطني
عن المختلف في فعالية هذا العام، تقول نائب مدير مكتب السياحة بمحافظة حضرموت أروى العكبري أن فعالية هذا الموسم مثلت "قفزة نوعية للمهرجان على كل التفاصيل بفضل جهود السلطة المحلية بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت سالم الخنبشي والوكيل حسن الجيلاني الذين ذللوا كثيراً من العراقيل أمام مكتب الثقافة".
وتؤكد أن المختلف في هذا الموسم حالة "الأمن المستتب والرعاية الحكومية المباشرة حتى رأينا جميع اليمنيين يشعرون بحالة من الانتماء لحضرموت".
كما أن قيادة السلطة المحلية ركزت في هذا العام، وفقاً للعكبري، على "إخراج المهرجان من إطاره الضيق المتمثل في حصر جوانبه الترفيهية على حضرموت إلى إشراك جميع المحافظات وتقديم صورة تعكس الهوية اليمنية المشتركة".
إضافة إلى "جعل المهرجان فرصة للترويج الاستثماري المتنوع والواعد الذي تتمتع به المحافظة في كل القطاعات الاقتصادية".
التطور يصل الحدث
ويأتي حدث هذا العام عقب سلسلة من التطورات السياسية والعسكرية التي شهدتها حضرموت خلال الأشهر الستة الماضية وتمثلت في إخراج "المجلس الانتقالي" المنحل الذي ظل يحكم قبضته على المحافظة متبنياً مشروع "استعادة الدولة الجنوبية" التي دخلت في وحدة طوعية مع الشمال عام 1990.
تؤكد نائب مدير السياحة أن مهرجان هذا العام "شهد لأول مرة توسعاً نوعياً في المشاركة الثقافية والشعبية لفعاليات المهرجان".
تضيف "عندما نقارن هذا الموسم بالسابقة سنلحظ تحسناً كبيراً في مشاركة القطاع الخاص وتطوير الكوادر العاملة منها تجهيز قوات أمنية متخصصة وحرس شواطئ وفرق إنقاذ وفرق نظافة وتحسين وإعلام وإرشاد وغيرها، بعكس السابق عندما كانت الجهود تطوعية غير منظمة".
وفي مسعى للوصول للجاهزية المثالية قالت إن مكتب وزارة السياحة السياحة بإشراف ورعاية من السلطة المحلية السلطة المحلية نفذ "برامج تدريبية وورش عمل مكثفة ومعتمدة للمرشدين السياحيين مخصصة لرفع كفاءة وتطوير الفنادق وموظفيها والفرق الميدانية وفرق الاستقبال والضيافة والمنشآت السياحية، وهذا انعكس إيجاباً على تحسين شروط النجاح".
إضافة إلى الفقرات الغنائية الراقصة، تحوي الفعاليات عديداً من المسابقات الرياضية والغنائية ومهرجان سينما البلدة ومعرض النكات والفعاليات البحرية والندوات الثقافية، التي يأتي الشعر في طليعتها وحفل مشروع كورال أطفال حضرموت وبطولة دوري كأس البلدة لكرة القدم وماراثون رياضي وبطولة للسباحة وغيرها.
شفاء ومتعة
وخلال المناسبة يلتقي الآلاف من المواطنين من أبناء المنطقة وباقي المحافظات للاغتسال في مياه البحر الباردة، وحضور فعاليات المهرجان الذي تنظمه السلطة المحلية ومنظمات وفرق شبابية ومجتمعية.
في العرف الشعبي الحضرمي فإن الاغتسال في مياه البحر الباردة يفيد في الاستشفاء من الأمراض الجلدية وأمراض الدم إلى جانب بث روح النشاط وقضاء أوقات سعيدة على الشواطئ، وبخاصة وقت الصباح الباكر،
كذلك فإن الموسم وما يصاحبه من أنشطة ثقافية وفنية ورياضية، شكل فرصة كبيرة لأبناء حضرموت والمحافظات اليمنية الأخرى للترويح عن النفس، وانتشال نفسياتهم من تداعيات وآثار الوضع السياسي المعقد.
شراكة مجتمعية
ولإحداث فرق جوهري على طريق تطوير هذه الاحتفالية، توضح العكبري أن لجان الإعداد حرصت على "إشراك المجتمع في التفاعل والتخطيط للمهرجان وركزنا على مفاهيم السياحة البيئية التي تضمن استمرارية الموارد وتنشيط المواقع الأثرية والمعالم الثقافية خصوصاً المحيطة بالساحل.
إضافة إلى إيجاد "استراتيجية تسويقية متطورة منها تسهيل مهام الإعلام وصناع المحتوى والمواد التفاعلية وإبراز الهوية الثقافية لحضرموت".
وأقر المنظمون خطة تهدف إلى "تنشيط السوق والاقتصاد المحلي باستقطاب أسر منتجة وحرفيين وخيام تراثية تستعرض الفلكلور والفنون الشعبية تصاحب أحداث الماراثونات الرياضية الشاطئية والبحرية وهو ما جعل المناسبة رافداً اقتصادياً مباشراً للمجتمع المحلي".
رؤية لحدث دائم
في الرؤية الاستشرافية بحسب العكبري يسعى مكتب الثقافة والسياحة بحضرموت إلى "تطبيق رؤية سياحية شاملة وفاعلة من خلال نماذج سياحية مستدامة تحافظ على البيئة البحرية وتبرز المكونات الطبيعية كعنصر جذب دائم".
وفقاً لذلك فإن "رؤيتنا في المستقبل خلق بصمة دولية لموسم البلدة بهوية خاصة يجذب الناس ويحوله إلى صناعة سياحية واعدة ومحرك للتنمية السياحية والثقافية".
هذا التطور سيعمل على "الدفع بالاستثمار الواسع في تطوير البنى التحتية السياحية وتبني مشاريع مستدامة تجعل المهرجانات ممتدة ودائمة طوال العام وليست منحصرة في موسمية قصيرة خصوصاً وحضرموت واليمن غنية بالموروث الثقافي والسياحي والإبداعي الفريد والمميز".
توفيق الشنواح
صحافي يمني