عرض فني يدغدغ الروح ويرمّم الذاكرة: «فيروز بالبلد»
تواصل فرقة ترشيحا للموسيقى العربية تقديم عرضها الخلاق والجميل «فيروز بالبلد»، وهو عرض غنائي مسرحي يزاوج بين القيمة الغنائية الموسيقية الرفيعة والغايات الثقافية، خاصة بما يتعلق بإحياء الذاكرة الفلسطينية الوطنية، بحركات رشيقة ترسم ملامح فلسطين قبل نكبتها.
وليلة الخميس، وصلت فرقة ترشيحا للموسيقى العربية إلى مدينة البشارة، الناصرة، وقدمت «فيروز بالبلد»، وهو ليس مجرد عرض غنائي مسرحي، بل رحلة افتراضية مدهشة تتجول من خلالها السيدة فيروز بين مدن وبلدات فلسطين، من بحرها إلى نهرها، حاملة رسالة لكل بلدة،
وتنقل المشاهدين معها من مشهد إلى آخر، ومن ذاكرة إلى أخرى، ومن لوحة إلى لوحة، تكتمل فيها الصورة الفسيفسائية في نهاية السهرة.
تبدأ الجولة من زهرة المدائن، القدس، التي زارتها السيدة فيروز فعلا عام 1964، قبل أن تنطلق في رحلة آسرة نحو يافا، والناصرة، وبيسان، وحيفا، وعكا، وترشيحا، وأم الفحم، ووادي عارة، وتمتد إلى مدن وبلدات أخرى، وهي تطير على جناحي الصوت الملائكي النادر، تقدمه الفرقة على طبق من دهشة وحنين.
«فيروز بالبلد» واحد من العروض التي تحيي «الزمن الجميل»، تقدمه فرقة ترشيحا للموسيقى العربية بقيادة المايسترو حسام حايك، وبإشراف مديرها العام، المذيع فادي زغايرة، ورئيس جمعية «بيت الفن» الحاضنة للفرقة وديع خوري.
وتمضي الفرقة من عرض إلى عرض، رغم الأزمات والحروب وقلة الموارد، ولسان حالها يقول: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، وإن الفلسطينيين متشبثون بالحياة وبالحلم، وبتصميم على أنهم سيصبحون يوما ما يريدون.
«فيروز بالبلد» عرض يقدم للمشاهد تجربة فنية استثنائية، تخرج عن المألوف تماما، وتحمل قيمة عالية تستمد سحرها من صوت أيقونة شكلت وجدان ملايين البشر حول العالم.
وطيلة نحو ساعة ونصف الساعة، عزفت أوركسترا فرقة ترشيحا ألحان الرحابنة، فيما قدمت خمس من فناناتها الشابات أغاني للسيدة فيروز، قدّم لكل أغنية، وبطريقة تمثيلية إبداعية رشيقة وخفيفة الظل، الفنانان شادن قنبورة، المطلة على الخشبة بشخصية «قمر»، وعنان أبو جابر في شخصية بهيج.
معا يقدمان أداء دراميا وسرديا، وهما يبدوان بهيئة وملابس العقود السابقة، فينجحان، وبلحظات سريعة، في ربط الأغاني الفيروزية بالبلدات الفلسطينية المختلفة، وإضفاء طابع قصصي يدمج المشاهد في تجربة بصرية وسمعية متكاملة.
وفكرة عرض «فيروز بالبلد» للإذاعي فادي زغايرة، مقدم برامج في راديو «الناس» في الناصرة، والنص والإخراج لكارلوس غرزوزي، أما مديرة الإنتاج ومساعدة المخرج فهي سيرين علي.
في ظل الحرب، ورغم ويلاتها، قدمت فرقة ترشيحا على منصة القصر الثقافي في الناصرة الأغاني الفيروزية، وفي الخلفية طيف الفنانة فيروز، وكانت القدس في المقدمة، حيث جاء في التقديم الافتراضي أنها تصل إلى القدس من درب الآلام، ثم درب الخليل، والجماهير تخرج عن طورها للقائها، وهي تقف داخل القدس العتيقة، تخاطب حجارتها وتستنطقها، وتغني: «لأجلك يا مدينة الصلاة أصلي.. لأجلك يا بهية المساكن يا زهرة المدائن».
وفي التقديم الافتراضي التالي، وعندما تصل إلى يافا مستجيبة نداء بحرها، تقف قبالة برج الساعة التاريخي الشهير، فتتوقف عقارب الساعة، وهي تغني «خبّرنا خبّر عن يافا وشراعي في مينا يافا»، ضمن واحدة من مجموعة أغانيها الوطنية لفلسطين، حيث خلدت المدينة في أغنية حملت اسمها «يافا» من ألحان الأخوين رحباني.
على جسر اللوزية في حيفا
ضمن الرحلة الافتراضية، تحل فيروز في عروس الكرمل، حيفا، لا كضيفة بل «بنت البلد»، وتحت وراق الفي هب الغربي وطاب النوم، وأخذتها الغفوية: سألوا كتير عليها.. على جسر اللوزية.. وبقيت موعودة بفيات اللوز، بفيات القلوب، وهي تغني متيمة: «تأخر حبيبي وما جاني وطار الحمام ونوح… على جسر اللوزية».
وهكذا تتنقل فيروز في هذه الرحلة الفنية الثقافية الممتعة والمفيدة بين البلدات الفلسطينية، فتصل أيضا إلى مدينة الأسوار عكا، وضيعتنا الظليلة، بيسان، وتدغدغ روح المشاهدين بالقيمة الجمالية العالية.
ومن الساحل تصعد فيروز إلى الجليل، وتتوقف عند «عروس الجليل»، بلدة ترشيحا المعروفة بالفن والفنانين، حيث لا يخلو بيت من آلة موسيقية وفنان، ويتم استقبالها بالعزف والغناء في أزقة البلدة القديمة، وتغني مع أهل القرية «عودك رنان».
في الجليل أيضا تزور فيروز مدينة صفد، برفقة بهيج وقمر والأخوين عاصي ومنصور الرحباني، وفيها تشعر وكأنها تعرف المدينة بزواياها وأحجارها وزقاقها زقاقا زقاقا، لكن هناك لا أحد يعرف فيروز، في إشارة إلى أن صفد العريقة المحتلة لم تعد صفد العربية الفلسطينية بعد احتلالها وتهويدها.
وبعد جولة واسعة تذكّر فيها أن فلسطين غصن من شجرة عربية وبقعة جميلة من بلاد الشام، تغادر فيروز البلد، عائدة إلى بيروت، حيث لم يعد البث ممكنا من هناك، والقصد البث الذي رافقها في تغطية بهيج وقمر لجولتها.
هذه الفنانة الكبيرة بفنها وأخلاقها، التي رافقت حياة الملايين بحلوها ومرها، ناثرة الرياحين والحلم والأمل بغد أفضل، تعود إلى لبنان وهي تغني «جاي النصر جاي الحرية»، من أغنية «راح نبقى سوا». وعندما قطعت الحدود، ودعت البلد وأهله بأغنية «أنا صار لازم ودعكن».
وبهذه الجولة الافتراضية، تقدم الفرقة لجيل الشباب عملا يساهم في تعزيز الذاكرة الجمعية وترميمها أمام تراجعها جراء التقادم والطمس المتعمد، فالمشاهد الشاب يخرج من القاعة مع صوت فيروز في وجدانه، ومع ملامح وطنه قبل أن يعصف بها زلزال 1948.
بيني وبينك
وكُشف النقاب أيضا عن أن فرقة ترشيحا للموسيقى العربية، التي تأسست في بلدة ترشيحا، عروس الجليل، عام 1988 بمبادرة عشاق الموسيقى العربية، ستقدم في الأسبوع المقبل عرضا موسيقيا مسرحيا نادرا، كونه يستند إلى عازفات ومغنيات، نساء فقط، وهو معد للنساء فقط.
في هذا العرض تطل أم سليمان، سيدة تشبه جميع النساء، ولديها الكثير من القصص التي تعيشها النساء يوميا، وستغوص مع المشاهدات في قصصها وحكاياتها، مع محطات موسيقية تمثل فترات مفصلية في حياتها، بمرافقة جوقة نسائية وفرقة موسيقية مكونة من 13 عازفة، بقيادة الفنانة روزان خوري.
وفكرة عرض «بيني وبينك» للإذاعي فادي زغايرة، وتمثيل الممثلة خولة الحاج دبسي، والنص والإخراج لكارلوس غرزوزي، والتوزيعات الموسيقية لسري بشارة، ومساعدة المخرج ومديرة الإنتاج سيرين علي.
وديع عواودة