منى علي... "ملكة الزفة" في أعراس اليمنيين
مع بزوغ أولى خيوط الضوء في قرية ذي عنقب المعلّقة على سفح جبل صبر في تعز، تبدّد مكبرات الصوت الصباحية صمت الجبل، صادحةً بأغاني الزفّة اليمنية.
ينساب صوت منى علي، مفعماً بالحياة والبهجة، ليزفّ العرسان إلى عهدهم الجديد، كأنّه تميمة يمنية خالصة لبركة اللقاء وحراسة الحب. هكذا ارتبطت حنجرتها، على مدى عقود، بالوجدان الجماعي للأفراح اليمنية، حتى غدت شريكة عابرة للأجيال في كل بيت يمني.
في الذكرى السابعة عشرة لرحيلها، تستعاد سيرة فنانة تحدّت واقعاً اجتماعياً بالغ القسوة، واقتحمت عالم الغناء في زمن كانت المرأة فيه تواجه نظرة تضع الفن بين التحريم والعيب.
وُلدت عام 1935 في قرية عنّة، في ريف محافظة إب، باسم غانية علي أحمد الشاجع، ونشأت وسط بيئة ريفية تحفظ الأهازيج الشعبية جيلاً بعد جيل.
بدأت بالغناء في الأعراس والمناسبات داخل قريتها والقرى المجاورة، قبل أن تحمل الاسم الذي سيخلّدها في تاريخ الأغنية اليمنية: منى علي.
لم تكن الطريق ممهّدة أمامها، إذ عاشت محبسَين: أولهما النظرة المجتمعية التقليدية إلى الغناء، وثانيهما كونها امرأة في مجتمع محافظ.
تعرّضت للضرب من عائلتها لإجبارها على ترك الفن، ثم دفعت ثمن تمسّكها بحريتها الإبداعية بقطيعة أهلها، لكنها اختارت الانحياز إلى الغناء، وانتقلت إلى مدينة تعز، حيث وجدت مساحة أوسع لصقل موهبتها،
وبدأت تخوض، إلى جانب فنانات أخريات، مقاومة ثقافية هادئة ضد القيود الاجتماعية.
وفي ستينيّات وسبعينيّات القرن الماضي، انفجرت موهبتها على نطاق واسع، ونسجت ثنائيات غنائية بارزة مع أيوب طارش وسالم عبد الله سالم وعلي عبد الله السمة،
كما أسهمت في تقديم أعمال الشاعر عبد الله عبد الوهاب نعمان (الفضول)، وأغنت رصيد الأغنية اليمنية بأعمال مستمدة من التراث التعزي واللحجي، لتصبح أحد أبرز الأصوات النسائية في تاريخ اليمن الحديث.
غير أن بصمتها الأعمق تجلت في الزفّة اليمنية. فقبل ظهورها، ظلّت الزفة طقساً نسائياً مغلقاً داخل المجالس الخاصة، لكنها انتزعتها من هذا الفضاء الضيق إلى فضاء الإذاعات والتسجيلات، محوّلةً إياها إلى وثيقة فنية جامعة لكل اليمنيين، ومستحقة عن جدارة لقب "ملكة الزفّة". ولم تكن زفتها مجرد غناء احتفالي، بل بناء وجداني متكامل، يلتقط اللحظة الفاصلة في حياة العروس، متنقلاً بين مرارة وداع بيت الأب وفرحة استقبال الحياة الجديدة، في مزيج بالغ الحساسية بين الشجن والبهجة.
وتبرز فرادة منى علي أيضاً في التفاصيل اللغوية والإنسانية التي حملتها أغانيها؛ فهي لا تحتفي بالعروسَين فحسب، بل تمنح مساحة لمشاعر الأب، ولوعة الفراق، وحتى دمعة اليتيمة،
كما تحتفظ زفتها بمفردات شعبية وتمائم ودعوات بالخير والسلامة، جعلت منها جزءاً من الذاكرة الجمعية لليمنيين، لا مجرد أغنية تُؤدّى في الأعراس.
وإلى جانب الزفّة، لعبت دوراً محورياً في نقل فن "الملالاة" من فضائه الريفي المحدود إلى الأغنية المسجلة، محافظة على روحه الشعبية، ومضيفة إليه بعداً موسيقياً جديداً.
ويرى الباحث الموسيقي محمد سلطان اليوسفي أن خامة صوتها، واتساع مساحته، وقدرتها على الأداء الحر والارتجال، جعلتها الصوت الأقدر على تجسيد هذا اللون الغنائي، وأسهمت في تحويله إلى مرجعية ألهمت أجيالاً من المطربين والملحنين.
ولم يقتصر أثر أعمالها على الجانب الفني، بل تحولت أغانيها إلى مرصد سوسيولوجي يوثق تحولات المجتمع اليمني بعد ثورة سبتمبر 1962، ويلتقط تفاصيل الحياة اليومية، ومظاهر التحديث، والتغيرات التي شهدتها البلاد،
في وقت كان التعبير العاطفي للمرأة ما يزال محكوماً بقيود اجتماعية صارمة، كما تجاوز صوتها الانقسامات الجغرافية، ليصبح جزءاً أصيلاً من أفراح اليمنيين في مختلف المحافظات، على اختلاف تقاليدها الغنائية.
ورغم البهجة التي زرعتها منى علي في بيوت اليمنيين، عاشت حياة شخصية مثقلة بالفقد والوحدة. ومع ذلك، واصلت الغناء لعقود، محافظة على حضورها الفني، حتى أصبحت زفتها، بحسب اليوسفي، عصية على النسيان، والأكثر تجسيداً لطقوس الأعراس اليمنية.
فخر العزب
صحافي يمني