ماجدة الرومي... لا مكان لما يأتي لاحقاً
لم تحجب ماجدة الرومي علامات فرحها بالعودة إلى قرطاج وهي تعتلي مسرحها الأثري، في سهرة اختتام الدورة الستين للمهرجان، مساء الأربعاء في 19 أغسطس/ آب الحالي.
فعندما تكون في قرطاج، لا تبدأ الفنانة اللبنانية حفلاً جديداً بل تواصل ما بدأته وتوطّد ما رسّخته، لا سيما في حفلات تسعينيات القرن الماضي، حين كانت تأتي في كل زيارة بأغنية جديدة، لا تغادر المسرح قبل أن تستقر في الوجدان الجمعي.
لم يفتها أن تمنح عرضها هذا الزخم التاريخي بأن تستدعي أوّل صعود لها على المسرح ذاته عام 1980 حين ظهرت على الشاشة، بداية العرض، قصاصة إعلان عن حفلها الأول في تونس.
كأنها تشير إلى أن الفرح هو نفسه، ولكن هل كل شيء في مكانه حقاً بعد مرور عقود؟
حتى وإن صارت من العناصر الراسخة في عروض أيامنا، بدا استعمال تقنيات الإبهار البصري نافلاً، فما تصبو إلى إيصاله يحققه ما هو أبسط: حضور ماجدة الرومي في حدّ ذاته،
فهو يستدعي صورة حرصت المغنية اللبنانية على أن تكون تجسيداً، في مظهرها كما في اختياراتها الفنية، لقيم ذوقية وأخلاقية لا تخالطها متغيرات العالم، ما يضفي عليها هالة لا ترتبط إلا بصفوة من الفنانين، تغفر لها بعض الأخطاء.
لم تتغير ماجدة الرومي كثيراً، شكلاً وأناقة وأسلوب أداء، تحتفظ حتى بملامح طفولية في وجهها، وبكثير من نقاوة صوتها، كأن السنوات لم تمر على استماعنا الأول لأغانٍ مثل "نبع المحبة" أو "أنا عم بحلم"،
كما حافظت على معجمها وفائض عاطفيتها متى تحدّثت؛ حيث الدعوات بالسلام والاستقرار، والتشكرات البرتوكولية والتغزّل بالجمهور. بما له وما عليه، بات كل ذلك من عناصر شخصية ماجدة الرومي على المسرح.
من جديدها (نسبياً)، بدأت الفنانة اللبنانية عرضها، حين كان اللحن الأول الذي قدمته "ميلي يا حلوة ميلي" (2018)، وستختتم به السهرة. فسّرت هذا الاختيار بأنها تريد أن يكون هذا الحفل "عرساً، وفي الأعراس يشارك الجميع في الغناء".
هل كان جمهور ماجدة الرومي بحاجة إلى هذه الدعوة وهو يحفظ معظم أغانيها؟
من "عم يسألوني عليك الناس" إلى "عيناك ليال صيفية"، مروراً بـ"خذني حبيبي للهنا" و"اسمع قلبي وشوف دقاته"، تجوّلت الفنانة اللبنانية في ريبرتوارها بكل أريحية ورافقها ترنم الجمهور بأغانٍ لم تعد ملك صاحبتها.
تلك أعمال نابعة من زمنٍ مختلف مادته الصفاء والابتكار في لبنان آخر حتى وإن كانت الخلفية ذاتها من حروب وتوتر ومخاوف اقتتال. ضمنياً، كل حفل لماجدة الرومي هو بحث عن زمن مفقود لا تملك مفاتيحه إلا الأغنيات.
كان ذلك القوس من الحفل عبارة عن سحابة مرتفعة. هل من الضروري النزول منها لسماع الأغاني الجديدة؟
ورغم أن نصوص "لا تسأل عن أخباري" و"قول يا قلبي" تصب في معاجم الأغاني القديمة وعوالمها وثيماتها، إلّا أنها لم تلق نفس الحرارة والتجاوب.
صحيح أن ماجدة الرومي حرصت طوال مسيرتها أن يحمل ما تؤديه ضمانة بالجودة الفنية لكن الزمن وحده هو من ينفخ، ووفق منطق غامض، في روح أغان ويهمل غيرها.
وللأسف، تدفع الأغاني الجديدة لدى فنانين مثل ماجدة الرومي ثمن عبقرية أعمال سابقة، والخشية أن يأتي زمن تولد فيه كل الأغاني العربية الجديدة ميتة.
ربما نفهم بذلك سبب الاحتفاء بأغنية "ميلي يا حلوة ميلي"، فإضافة لتوافقها مع متطلبات أغنية في افتتاح عرض أو اختتامه فهي من نوادر الأغاني الجديدة التي توازن -ولو نسبياً- أعمال الثمانينيات والتسعينيات.
وقد لا يكون في الأمر سر حين نعلم أن ملحنها شربل روحانا استلهمها من أسلوب زكي ناصيف، أحد رموز الأغنية اللبنانية البسيطة النقية الافئة في تدفقها الأول، منتصف القرن الماضي، والتي يبدو اكتمالها الفني اليوم مثل لغز،
فذلك الجمال والإتقان الذي ظهر في أعمال جماهيرية بسيطة، منها ما غنته ماجدة الرومي في بداياتها؛ لنذكر لها مما لم تغنه في سهرة قرطاج؛ أغان من "طيري يا عصفورة" و"يا بحر" أو في فترة لاحقة "لأنك عيني" و"يا سكان أفكاري".
ماجدة الرومي هي أفضل من حمل مشعل تلك الحالة الفنية اللبنانية واستمرت معه؛ فلم تكن مثل أخريات وآخرين ممن بحث سنواتٍ عن هويته الفنية وكثير منهم تاه في منتصف الطريق.
منذ بدايتها بدت تجربتها ناضجة: أحاطتها ألحان إلياس رحباني وإحسان المنذر وجمال سلامة، وظل ريبرتوار والدها رصيداً تنهل منه ما تشاء.
ولقد أثبتت مبكراً أنها ليست فقط ابنة حليم الرومي، بل هي اسم جديد له أبجديته الخاصة وأفق تطوره. كان يمكن أن يكون هذا الاكتمال المبكر عائقاً أمام تطور ماجدة الرومي لكنها جعلت منه معيارَ انتقاء لأعمالها،
واستفادت من ثقافتها (حاصلة على شهادة جامعية في الأدب) وذائقتها الموسيقية في ذلك، مع تحسس ذكي لميول جماهيرية غير بعيدة منها،
فقد فهمت مثلاً أن نصوص نزار قباني وسعاد الصباح، تمثل روافع فنية مضمونة، فنهلت من مجاميعهم الشعرية لتطعيم مسيرتها بنصوص عدّة لعل ذروتها تقع بين "كلمات ليست كالكلمات" (1991) و"كن صديقي" (1994).
أما ما هو أدنى من هذه الذرى فهي أعمال لا تخلو من الجودة، ويستحيل أن تنزل إلى درك الانحطاط الاستهلاكي، ولقد عاصرت ماجدة الرومي وكانت ما تزال طرية العود صعود المنظور السوقيّ للفن في لبنان والعالم العربي،
وتغيّرت دون سابق إنذار معادلات صناعة النجومية الفنية، وتقدّم البصري والجسدي على الكلمة واللحن.
وقد نجحت في شق طريقها كما رسمته إلى حد بعيد. حتى حين خاضت تجربة الفيديو كليب بأعمال مثل "مع الجريدة" فضمن اشتراطاتها، وبما ينسجم مع إيقاع أناقتها ومكانتها.
مع الموجة الاستهلاكية بدت ماجدة الرومي نوعاً فريداً من الفنانين، يمكن مقاربتهم بتفريق أقامه السيميائي الإيطالي أمبرتو إيكو حول المواقف من الثقافة الجماهيرية. فمع انتصار النزعة الاستهلاكية،
ينقسم المثقفون بين فئتين Apocalittici e integrati. الأولى فئة من يسميهم بـ"القياميين" أو "الأبوكالبتيين"، وهم في الغالب ينسحبون مُعلنين نهاية الفن وموت الشعر وتلوّث الموسيقى وانحدار الذوق.
أما الفئة الثانية فأطلق على المنتسبين لها اسم "الانخراطيين" الذين سرعان ما يوظفون مواهبهم ومواقعهم في الحقل الفني والإبداعي لنيل نصيب من عائدات السوق.
وبين هذا وذاك هناك فئة قليلة تحافظ على خط سير خاص، يواصلون المضي قدماً لا يشبهون إلا أنفسهم، هم جزء من المشهد العام لكن وفق محدداتهم وشروطهم، وقد نجحت في ذلك ماجدة الرومي في عقود التسعينيات وما بعدها.
صحيح أن إنتاج الروائع قد توقف، إذ يصعب الدوام على هذه المعيارية في انتقاء الأعمال وكان أفدح ثمن هو تباطؤٌ ظاهر في إنتاج ماجدة الرومي.
لكنها ظلت تتقدّم بشخصيتها الفنية ولم تهدرها في ضجيج المشهد السمعي العربي، واجتهدت بما هو ممكن ومتاح: ضخت دماء تلحينية جديدة، لكنها لازمت النصوص القريبة من عوالمها الأولى بوصفها منطقة أمان، ليس لها فقط بل لفئة من الجمهور.
وكان لها شرف المحاولة على التزامها بعقد ضمني: أغنية رائقة راقية لا تتعارض مع الجماهيرية.
من حسن حظ الفنانة اللبنانية أنها تملك في جيب فستانها الأحمر أكثر من درة لتستعيد بسرعة انتباه الجمهور وشغفه إذا ما تاه في شعاب جديدها.
أيقظت مستمعيها بـ"أحبك جداً" حتى وإن نسيت جملة فتعثرت قليلاً لكنها سرعان ما أدت المقطع بكثير من التحمس منذ أن التقطت مطلعه،
ومن ثم عادت إلى الروائع فغنت "كن صديقي" و"مطرحك بقلبي" فحلّق مسرح قرطاج من جديد مع النوستاليجيا اللذيذة التي لم يعد يخلو منها حفل. على الأقل، تنهل ماجدة الرومي من رصيدها.
وكتعبير على الامتنان لجمهور قرطاج خصصت في حفلها فقرة لتونس. بدأتها بأغنية "عسلامة" التي كانت أنتجتها سابقاً خصيصا لتونس،
ومن ثم انطلقت في كوكتيل من مقاطع أغان تونسية (لاموني اللي غاروا مني، يا أم العوينة الزرقا، خالي بدلني، آه يا خليلة) وهي أعمال اتسم أداؤها فيها بكثير من التذبذب والتكرار والتعويل على الجمهور.
بدت الرومي وقد أرهقت نفسها بهذه الاختيارات التونسية، فهي من جهة لم تنتق أعمالاً قريبة من عالمها الفني، ومن أخرى لم يكن هناك اشتغال موسيقي يكيّف الأعمال المختارة مع صوتها.
بدا اختيار الوصلة التونسية شعبوياً إلى حد كبير، كأنها بحثت عن استنفار الجمهور بأنغام راقصة. الغريب أن ماجدة الرومي لم تلتفت لأغانٍ تمثل الرصيد الحقيقي في علاقتها بتونس،
أولهما "حسناء قرطاج" التي أدتها في أول ظهور لها في تونس، أو "ألا انهض وسر في سبيل الحياة" من قصيدة للشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، وكلاهما من تلحين والدها حليم الرومي.
لم يكن ممكناً أن ينتهي الحفل دون "كلمات". باتت أغنية ماجدة الرومي أكثر منها قصيدة لنزار قباني.
فقد التقطت نصاً بسيطاً وسلمته لإحسان المنذر فاخترعا منه أيقونة فنية صدرت عام 1991.
غنتها بحفل قرطاج الأخير بكل جوارحها وعاشت مختلف انتقالاتها العاطفية والدرامية، بما فيها خيبة النهاية "وأعود أعود لطاولتي... لا شيء معي سوى كلمات… كلمات ليست كالكلمات". هل يمكن أن نتخيّل اليوم إنجاز عمل في مستوى هذه الأغنية؟
لقد أجابت ماجدة الرومي عن السؤال باكراً، قالت ذات أغنية من بداياتها: "كل شي عم يخلص" مثل نبوءة لم تعرف أنها تشمل مسيرتها الفنية.
فالأجمل جواهرٌ قديمة أخذت مكانها في الذاكرة، ولم تترك مساحة لما سيأتي لاحقاً... كل شيء عم يخلص... الحب والأحلام... وكذلك أحلى الأغنيات.
شوقي بن حسن
صحافي وكاتب تونسي