لماذا لم يُهزم الحوثيون؟
«هو الله». هكذا يفسّر الحوثيون عدم هزيمتهم. وهذا التفسير يبدو، لمن يؤمن بالعقيدة الحوثية، مقنعًا جدًا؛ فكيف لجماعة من مئات الأشخاص عام 2004 أن تتحول إلى قوة حاربت أمريكا وإسرائيل؟
وكيف لم يهزمها نظام الرئيس علي عبد الله صالح، ولا خصومها من بعده، ولا تحالف من 17 دولة؟، كما يهلوسون.
بعيدًا عن التفسيرات الخرافية للأحداث، هناك كلمة سر رئيسية تفسر لماذا لم يُهزم الحوثيون حتى اليوم.
وهذه الكلمة، ببساطة، هي أن أحدًا ممن قاتلهم لم يرد هزيمتهم والقضاء عليهم. فكل من حاربهم تقريبًا كان هدفه احتواءهم لتحقيق أجنداته الخاصة، أو ردعهم، كما فعلت الولايات المتحدة وإسرائيل.
فباستعراض جولات المعارك مع الدولة أيام صالح، نجد أن المعركة الوحيدة التي كان هدفها القضاء على الحوثيين كانت ما تُسمى الحرب الأولى، والتي انتهت بمقتل حسين الحوثي، زعيم الحركة، رغم الروايات التي تفيد بأن صالح لم يكن راغبًا في قتله.
أما حروب صالح التالية مع الحركة، فقد اختلطت فيها أهداف معقدة ومتضاربة.
فمن ناحية، كان صالح يخشى اتساع الحركة الحوثية وقوتها، لكنه شعر، في الوقت نفسه، بإمكان توظيفها لخدمة مصالحه الخاصة.
فقد وفرت حروبه مع الحركة مصدرًا للمساعدات المالية والعسكرية من السعودية والإمارات. ولهذا كان حريصًا على ألا يقضي عليها بصورة كاملة، وأن تبقى خميرة لجولات متلاحقة من الصراع يستطيع استثمارها.
إلى جانب ذلك، كان صالح يريد إضعاف خصمه غير المعلن في ذلك الوقت، علي محسن الأحمر، عبر إبعاد قواته عن العاصمة ومحيطها وإرسالها إلى صعدة.
ولهذا كان من مصلحته ألا تنتهي الحرب بشكل سريع، وألا تنتهي على يد علي محسن، حتى لا يقوى مركزه السياسي.
وفي المقابل، كان علي محسن يريد إنهاء الحركة الحوثية، لكنه كان يريد أيضًا استثمار استمرار الصراع، الذي يجلب مزيدًا من الأموال والأسلحة والنفوذ خلال الفترة التي يقود فيها الحرب.
ولهذا لم يكن هو الآخر حريصًا تمامًا على إنهاء الحركة الحوثية، ولا سيما في الحرب السادسة، التي شارك فيها الحرس الجمهوري. فقد كان يرى أن أي انتصار يحققه الحرس الجمهوري سيُجيَّر سياسيًا لمصلحة منافسه، قائد الحرس أحمد علي، وسيُظهره كقائد فاشل.
ولهذا كله، لم تكن الحروب الخمس التي تلت الحرب الأولى حروبًا جادة للقضاء على الحوثيين، وإنما كانت حروبًا لاحتوائهم واستخدامهم في تقوية مركز هذا الطرف وإضعاف الطرف الآخر.
ومع أحداث عام 2011، استثمر الحوثيون تلك الأحداث إلى أقصى حد. ففي البداية، تعامل معهم خصوم علي عبد الله صالح بوصفهم حلفاء تكتيكيين،
وتم تسليمهم مناطق كثيرة في محافظة صعدة وخارجها. وفي الفترة اللاحقة، توقفت الدولة، بقيادة الكارثة هادي، عن مواجهة الحوثيين، وأصبح حليفًا فعليًا لهم.
وفي الوقت نفسه، كان خصوم الحوثيين الذين يخوضون المعارك ضدهم منقسمين ومبعثرين، كالسلفيين وبعض القبائل، أو قوة مترددة لا تريد أن تظهر بوصفها طرفًا مباشرًا في الحرب، مثل حزب الإصلاح. وفي الجهة الأخرى، كان الرئيس صالح يرى في الحوثيين أداة لإضعاف القوى التي ثارت عليه، ولهذا كان عمليا في وضع الحليف التكتيكي معهم.
وإلى جانب هؤلاء، كان اليساريون، وعلى رأسهم الحزب الاشتراكي، والانفصاليون حلفاء موضوعيين للحوثيين. فقد رأوا فيهم أداة لضرب علي عبد الله صالح وحزب الإصلاح.
ونتيجة لهذه الخلطة العجيبة من المصالح والتعقيدات والتناقضات، استفاد الحوثيون من الجميع واستثمروا صراعاتهم، وهو ما مكّنهم من السيطرة بسهولة على صنعاء، وغيرها من المناطق.
بعد ذلك وقعت الحرب الكبرى، والتي شُنّت ظاهريًا لاستعادة الدولة وهزيمة الحوثيين، لكنها عمليًا شُنّت لتدمير مقومات الدولة اليمنية وشلها وتفكيكها بغرض السيطرة عليها وإعادة صياغتها.
ولهذا لم تكن تلك الحرب تهدف إلى القضاء على الحوثيين، وإنما إلى استخدام وجودهم مبررًا للتدخل والسيطرة على اليمن.
بمعنى آخر، كان هدف الحرب احتواء الحوثيين، لا هزيمتهم. وقد تحقق هذا الاحتواء إلى حد كبير من خلال إخراج الحوثيين من المناطق التي أراد المتدخل الخارجي إخراجهم منها، مثل المحافظات الجنوبية، وجزء من ساحل البحر الأحمر، وأجزاء من محافظة مأرب.
وتم تحقيق تلك الأهداف بسهولة نسبية، وخلال فترة قصيرة نسبيًا، قياسًا بزمن الحرب التي امتدت لسبع سنوات.
بعدها دخل الحوثيون في معارك مع الولايات المتحدة وبريطانيا في عهد بايدن، ثم مع الولايات المتحدة في عهد ترامب، وتحرشوا بإسرائيل. ورغم أنهم تلقوا ضربات قوية ومكلفة، ولا سيما من إسرائيل،
فإن إسرائيل والولايات المتحدة لم تكونا تملكان أي خطة لهزيمتهم والقضاء عليهم. كان كل ما هدفتا إليه هو ردعهم عن مهاجمة السفن أو إسرائيل.
وعمليًا، نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في تحقيق هذا الهدف، إذ توقفت اعتداءات الحوثيين وتحرشاتهم بهما تقريبًا بعد الضربات الكبيرة التي تلقوها، من دون أن يتمكنوا من إصابة جندي أمريكي أو إسرائيلي واحد بجراح.
كل ذلك جعل الحوثيين يظهرون، أمام أنصارهم على الأقل، بوصفهم قوة لا تُقهر، وأن هناك خطة إلهية لتمكينهم ومنحهم النصر والسيطرة على العالم، كما يهذي البعض منهم.
***
في حقيقة الأمر، من السهل على كل من حارب الحركة هزيمتها لو كانوا يريدون القضاء عليها؛ لأنها لا تمتلك أي مقومات موضوعية للصمود.
ليس للحوثيين مشروع يمكن أن يلتف حوله عدد معتبر من اليمنيين. فمشروعهم شخصي جدًا، يقوم على رغبة جامحة لحسين الحوثي، ولاحقًا عبد الملك، في أن يتسلطا على من يقدران عليهم.
وهم بهذا يحملون مشروعًا شخصيًا/أسريًا/سلاليًا في أوسع تجلياته، عبر كم هائل من الخرافات والخزعبلات.
ومثل هذا المشروع لا يمكن، في العصر الحديث، أن يلتف حوله إلا بعض الجهلة والمنتفعين. وهؤلاء لا يمكن أن يصمدوا أمام معركة حقيقية لاجتثاثهم.
فأكثر المنتفعين، بما في ذلك المنتمون إلى السلالة، سينقلبون على الحوثي بمجرد أن يشعروا باقتراب هزيمته. أما الجهلة والمغرر بهم، فلن يقدروا على مواجهة الطوفان البشري الهائل الذي يتوق إلى اقتلاع الحوثيين.
وما يؤكد أن الهدف من الحرب لم يكن هزيمة الحوثيين ردّة الفعل الفاترة على شن الحوثيين الحرب الأخيرة؛ فلو كانت هناك رغبة في هزيمتهم، لتم استغلال الفرصة التي قدمها الحوثيون، وتم تحريك القوات الكبيرة الجاهزة وفتح كل الجبهات تحت إدارة واحدة.
فالظروف المحلية والخارجية مواتية لهزيمتهم؛ فأمريكا والدول الغربية، التي كان يتم التحجج بضغوطها حين كانت المعارك تتوقف عند الخطوط المرسومة لها،
أصبحت ترى في الحوثية حركة إرهابية هددت الملاحة الدولية، وألحقت خسائر فادحة باقتصادات العالم، وأصبحت أداة من أدوات دولة شريرة ومارقة هي إيران.
ولهذا فإن أي حرب حقيقية لهزيمة الحوثيين، حتى إن أدت إلى خسائر بين المدنيين وخلقت أزمات إنسانية، لن تجعل العالم يتحرك لوقفها. وفي أحسن الأحوال، سيكتفي ببيانات رفض باهتة.
والأهم من كل ذلك أن الغالبية الساحقة من الكتلة السكانية التي يحكمها الحوثيون معادية لهم، وتنتظر الفرصة للخلاص منهم بعد أن أذاقوها البؤس والإذلال والفقر.
صحيح أن الحوثيين تمكنوا، خلال اثني عشر عامًا من الحرب، وبدعم إيراني وغير إيراني، من امتلاك أسلحة فعالة، مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة،
كما اكتسب مقاتلوهم خبرات عسكرية إضافية. لكن نقطة ضعفهم الأساسية تتمثل في أن مشروعهم لا يحظى بأي دعم حقيقي من الغالبية الساحقة من السكان الخاضعين لحكمهم.
إلى جانب ذلك، يوجد الحوثيون في منطقة محاصرة جغرافيًا، ويمكن خنقهم اقتصاديًا من خلال فرض حصار بحري يمنع دخول المشتقات النفطية والغازية إلى موانئهم.
وفي هذه الحالة، سيكون الحوثيون أضعف بكثير من الطرف الآخر؛ لأن الطرف الآخر، من الناحية القانونية، هو الطرف الشرعي الذي يحق له استيراد الأسلحة والبضائع، ولا يخضع لأي شكل من أشكال الحصار.
كما أن لديه حدودًا برية مفتوحة مع السعودية وعُمان، وشواطئ واسعة جدًا يصعب على الحوثيين فرض حصار كامل عليها.
الانطباع العام أن قرار القضاء على الحوثيين لا يزال غير مطروح، كون الخارج وأدواته المحلية مستفيدين من وجود الحوثي، وأقصى ما يفكرون فيه هو إخراجه من بعض المناطق بغرض احتوائه.
ومع ذلك، قد تحدث مراجعة استراتيجية في حال أصبح الخطر الحوثي حقيقيًا على من يتحكم بالمشهد.
وحينها تكون المعركة الحقيقية لهزيمة الحوثية قد بدأت، وحتى ذلك الحين ستراق الكثير من دماء اليمنيين دون هدف أو قضية.
✍️ أ . عبدالناصر المودع
كاتب وباحث يمني