«علي كلاي»… حكاية بطل شعبي من واقع الحارة المصرية
تفرض أحداث مُسلسل «علي كلاي» للمؤلف محمود حمدان والمخرج محمد عبد السلام، قراءة خاصة، فالحكاية الشعبية التي تم نسجها تعددت تفاصيلها بمستويات مُختلفة،
فالكاتب متأثر من البداية، باسم البطل العالمي محمد علي كلاي ومسيرته الرياضية الناجحة، على الرغم من عدم وجود صلة مُباشرة بين المضمون الدرامي ومسيرة كلاي الحقيقي،
اللهم غير التيمن باسم كلاي واستخدامه في العنوان كنوع من الدعاية، وكسب التأييد الجماهيري لشخصية البطل الملاكم، الذي يجسد دورة أحمد العوضي.
الحدوتة بإيقاعها التراجيدي الحزين تشبه أيضاً سيرة عنترة بن شداد، ذلك الفارس المغوار النبيل مجهول النسب، أو بالأحرى غير المُعترف به كابن لشداد من صلبه ولحمه ودمه،
فالقبيلة ترفضه وتتعامل معه باستعلاء وغرور، وحين تغير عليهم القبائل الأخرى يستغيثون به طلباً للحماية والذود عنهم.
حكاية تراثية متوارثة يحفظها العرب عن ظهر قلب، لما فيها من عبرة وعظة، تتشابه معها حكاية «علي كلاي» الشاب الفتي القوي، الذي يهابه أهل الحارة والحي، لكنهم لا يعترفون به ويعيرونه دائماً بنسبه المجهول،
ما ينعكس بالضرورة على شخصيته، ويجعله مُنكسراً رغم قوته وبطولته المشهودة في الحي والحارة.
القصة فيها الكثير من عناصر الجذب والإعجاب بالبطل، الذي يأبى الهزيمة ويرفض الانقياد لكبير العصابة المعلم «مختار» (بسام زكي)، الرجل الاستثماري المُتحكم في مصائر التجار من الناشطين في تجارة السيارات وأصحاب المعارض الكُبرى.
وأيضاً أصالة كلاي وعرفانه بجميل الرجل الذي تبناه ورباه «منصور الجوهري» (طارق الدسوقي)، من الصفات الدافعة إلى التعاطف معه جماهيرياً، باعتباره شخصاً نبيلاً ومُضطهداً، ويدخل هذا البعُد ضمن الأبعاد الكثيرة المؤثرة على المستوى الدرامي،
فالبطل يكتسب التأييد الشعبي والجماهيري، كونه يُمثل الاستثناء بين الشخصيات الشريرة الكثيرة المُحيطة به، والمُستهدفة إذلاله والنيل منه لأنه الأقوى جسمانياً وعضلياً والأقدر على المواجهة والتحدي.
فضلاً عن أنه مُلاكم اعتاد الفوز على جميع خصومة، فأحدث غصة في قلوب الكارهين والحاقدين، وهي الجزئية الأهم، التي اعتمد عليها الكاتب محمود حمدان في التأكيد على قوة الشخصية وأسباب رفضها من المُحيطين بها، باستثناء دُرة زوجته التي تُحبه على طريقتها الخاصة وتُريد امتلاكه،
وأيضاً روح «يارا السُكري» الفتاة التي تُحبه بإخلاص لذاته فقط، من دون طموح في الارتباط به، وهي دلالة الحُب العُذري الطاهر والنقطة البيضاء في حياة علي كلاي.
المُسلسل يُشير إجمالاً للصراعات الصغيرة داخل الحارة المصرية، بوصفها الصورة المُصغرة من الصراعات الكُبرى في المُجتمع المصري ككل، حيث التنافس التجاري بين حيتان السوق الذي يصل إلى حد التدبير والقتل والحرق،
وكذلك الحروب الدائرة التي تُستخدم فيها جميع الأسلحة المشروعة وغير المشروعة، كالتشهير بالسُمعة والتشكيك في النسب والأصل والعرق إلى آخرة.
لقد نجح المخرج محمد عبد السلام إلى حد كبير في استثارة مشاعر المُشاهدين بالإيجاب تجاه البطل الذي يُمثلهم ويُشبههم في الشكل والطبيعة الإنسانية والروح الوثابة النازعة إلى فعل الخير والدفاع عن حقوق المظلومين.
وتلك ثيمة مُفضله لدى الغالبية العُظمى من الجمهور، للإحساس العام بالغُبن وفداحة الظُلم الواقع عليهم، بفعل عوامل كثيرة، من بينها الضعف وعدم القُدرة على مواجهة من هم أقوى منهم مالاً وثروة وعزوة ونفوذاً.
الأمر هنا لا يخص علي كلاي البطل الدرامي فحسب، الذي يتشبث بالبطولة الرياضية ليحمي نفسه من بطش الجائرين، فمثله يوجد مئات الأشخاص داخل الحارة وخارجها، يرغبون في امتلاك القوة ويحلمون بالبطولة، كل في مجاله وحسب تخصصه وموقعه ودورة الاجتماعي.
أي أنه لا يوجد معصوم من الوجع والقهر النفسي والإنساني والاجتماعي، الكل يحمل همومه على كاهله ويمشي بها، وربما الدور الذي يؤديه باقتدار الفنان محمود البزاوي الباحث عن ابنه والمشدود تجاه علي كلاي بإحساسه ومشاعره يعكس هذه الحالة بقوة ويؤكد شيوع الأزمة وتفشيها، أزمة الأخلاق وأزمة القيم وكل الأزمات المؤدية إلى الصراعات.
ما يُميز المُسلسل أنه يُناقش المشاكل الاجتماعية بقدر من الموضوعية ومن دون اللجوء إلى استخدام اللغة المُسفة في الحوار، كما حدث في أعمال سابقة عُرضت في رمضان ونالت ما تستحقه من الرفض الشعبي والجماهيري.
كمال القاضي
كاتب مصري