بعد مقتل خامنئي... هل نتفاءل بـ"اليوم التالي"؟
لا توجد أمة تقبل لنفسها ذل الاستسلام، حتى وهي تصل إلى لحظة لا تعود فيها الخيارات متاحة، ولا الشعارات مقنعة، ولا الوعود قادرة على ستر كلفة المغامرة.
وقد تكون إيران اليوم أقرب ما تكون إلى هذه اللحظة، بعد مقتل مرشدها الأعلى، في مشهد يختلف تماماً عما بشرت به خطابات "ولاية الفقيه" منذ عقود،
إذ تقف مفككة أمام خصم لا يتورع عن الذهاب إلى أبعد مدى في استخدام القوة، تقوده حكومة يمينية متطرفة في تل أبيب، وتدعمه قوة أميركية جبارة.
غير أن السؤال عن مصير إيران ليس سؤالاً إيرانياً خالصاً، فدولة بحجم إيران كل تحول فيها يرتد على محيطها مباشرة.
وهنا تحديداً تجد دول الخليج نفسها أمام معضلة لا تقل تعقيداً: كيف تتعامل مع جار مأزوم ظل لعقود مصدر تهديد، لكنه يقف الآن على حافة تحول قد لا تقل كلفته على محيطه عن كلفة بقائه؟
نقول: احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة. لكن ماذا لو وضعتك الظروف في زاوية ضيقة مع جار مغامر، لا يعرف عواقب قراراته، ويتخبط في خيارات لا يدرك فداحتها؟ وكان التاريخ بينكما يحمل من شواهد التوتر أكثر مما يحمل من لحظات الصفاء.
فإيران ليست الصديق الذي نتمناه، ولا الجار الذي يُذكر بالخير. ولم نعرف معها زمناً جميلاً يستحق التذكر. بل كانت الجيرة، ولا تزال، ثقيلة الظل، مسكونة بالهواجس لا بالثقة.
ولم تكن دول الخليج يوماً متشفية بإيران على كثرة عثراتها. وكانت هناك محطات حاول فيها الخليج تجنيب المنطقة الانفجار، وتحذير طهران من مغبة تجاهل لحظات التفاهم الممكنة. غير أن طهران، كعادتها، أضاعت الفرص تباعاً، حتى دخلنا مرحلة "اللاعودة".
الضربات المدمرة التي انطلقت أمس تمثل إعلاناً عن لحظة فارقة، لحظة قصمت هيبة بُنيت طويلاً بالوعيد والتهديد. عملية تدمير ممنهجة أتت في لحظات على قوة ردع نووية استغرقت أعواماً من الإعداد والتخطيط.
ومع ذلك، فإن مقتل رأس الهرم لا يعني تلقائياً سقوط النظام، الذي لا يزال يتحصن بتركيبة أمنية عقائدية وبقبضة صارمة على الداخل وبشبكة مصالح تمتد داخل مؤسسات الدولة وبمشروع عابر للحدود تعلم كيف يتكيف كلما تهافتت عليه القوى.
الحديث عن "اليوم التالي" في إيران أشد تعقيداً من أي بلد آخر، فإيران دولة مشحونة بعقود من الخطاب الثوري والتعبئة والمظلومية المصطنعة، والخروج من هذا القالب لا يحصل بضربة على منشأة ولا باغتيال قيادات النظام.
فأميركا ممتازة وحاسمة في الهجوم، لكنها كارثية في إدارة "اليوم التالي".
والتاريخ يحفظ لها كوارثها في العراق وفيتنام وأفغانستان، ويذكرنا أيضاً بأن التفوق العسكري بلا مشروع سياسي ليس إلا وصفة خراب يمتد لعقود. فهل لدى واشنطن خطة لما بعد الضربة،
أم إنها ستترك فراغاً تتسلل إليه الفوضى، فتتحول إيران إلى ساحة صراع مفتوح يدفع محيطها الإقليمي ثمنه مرة أخرى؟
المعارضة الإيرانية في الخارج مفككة، كثير منها يعيش على الرمزية أكثر مما يملك أدوات الانتقال. والداخل منهك، مراقب، مثقل بأعباء الأمن والعقوبات.
وإذا لم تظهر قيادة وطنية قادرة على حمل مشروع انتقالي واضح، فإن "اليوم التالي" رقد يتحول إلى صراع أهلي أو تدخلات متعددة، تضع إيران في مسار شبيه بالعراق أو ليبيا، وفي النهاية قد يجد الإيرانيون أنفسهم يتمنون لو أن الكارثة توقفت عند حدود الاستسلام.
لذلك فإن أقرب سيناريو للنجاة من كارثة إقليمية جديدة أن يضحي النظام بصقوره، وينفض يده من مشروعه، ويمد يده الأخرى للسلام مع جواره.
فـ"اليوم التالي" لا يبدأ فقط بسقوط منشأة أو بعض الرموز، بل بسقوط الرواية التي عاش عليها النظام عقوداً: رواية الثورة التي تصارع الطواحين… الثورة المأزومة بجنونها.
عادل الحربي
كاتب وصحافي سعودي