الدراما السورية... موسم المصالحات وعودة الثنائيات القديمة
لم يعد المشهد الرمضاني السوري هذا العام مجرد سباق أعمال درامية، بل يبدو أقرب إلى موسم مصالحة غير معلنة بين نجوم فرّقتهم خلافات حادة طوال سنوات.
أسماء كانت تتبادل التصريحات النارية عادت لتتقاسم البطولة، ومخرجون أعلنوا قطيعة نهائية عادوا ليفتحوا أبواب مواقع التصوير من جديد.
ما الذي تغيّر؟ هل هي مصادفات إنتاجية فرضتها السوق، أم إنّ الدراما السورية تعيش إعادة تموضع بعد سقوط نظام بشار الأسد، برعاية عربية تسعى إلى إعادة ترتيب المشهد الفني بما ينسجم مع المرحلة الجديدة؟
تبدو مؤشرات هذا التحوّل واضحة في أكثر من عمل يُعرض هذا الموسم. فقد عاد مخرجون وممثلون فرّقتهم خلافات علنية إلى التعاون من جديد، في مشهد لم يكن متوقعاً قبل سنوات قليلة.
بعض هذه الخلافات يعود إلى ذروة الانقسام السوري بعد الثورة عام 2011، حين تداخلت الاعتبارات الفنّية بالمواقف السياسية، وبعضها الآخر نشأ من تنافس مهني حاد أو اختلافات في الرؤى الإخراجية.
اليوم، ومع تبدّل المناخ العام في البلاد، وعودة فنانين عاشوا في الخارج إلى العمل داخل سورية، يبدو أن حسابات المرحلة تغيّرت، وأن أولويات السوق والإنتاج باتت تتقدّم على إرث الخصومات القديمة.
يعود أقدم هذه الخلافات الكبيرة إلى عام 2013، حين تولّى المخرج سيف الدين سبيعي إخراج الجزء الثالث من مسلسل "الولادة من الخاصرة" (نصّ سامر رضوان)، خلفاً لرشا شربتجي التي أخرجت الجزأين الأول والثاني،
واعتذرت عن إخراج الجزء الجديد بعد انتقال التصوير إلى لبنان بسبب الأوضاع الأمنية في دمشق آنذاك.
في تلك المرحلة، نشب خلاف بين سبيعي وبطل العمل عابد فهد الذي أدّى دور المقدّم رؤوف، نتيجة تباين في وجهات النظر الفنية حول المسلسل، وصل إلى حدّ اعتراض فهد على مشاركة ممثلة استقدمها سبيعي لأداء أحد الأدوار.
اليوم، يجتمع الاثنان مجدداً في مسلسل "سعادة المجنون" الذي أخرجه سبيعي ويتصدّر فهد بطولته.
يُقال إن من العوامل التي ساهمت في طيّ الخلاف وجود شريكي البطولة في العمل؛ سلافة معمار طليقة سبيعي التي تربطه بها علاقة ودّية، وباسم ياخور الذي تعاون مع المخرج في عدد من أعماله الأخيرة، من بينها "ببساطة" (2019) و"العربجي" (2023).
وإذا كان باسم ياخور قد لعب دور حلقة وصل في إعادة جمع سبيعي وعابد فهد، فإن اسمه ارتبط أيضاً بخلاف آخر شمل شراكته الطويلة مع أيمن رضا، زميله في الأدوار الكوميدية في عدد من المسلسلات، أبرزها "بقعة ضوء" الذي انطلقت فكرته منهما معاً.
تفجّر الخلاف إلى العلن بوضوح خلال برنامج "أكلناها" الذي قدّمه ياخور قبل سنوات، حين استضاف رضا في إحدى حلقاته، لتتحوّل الحلقة إلى مساحة لكشف التباينات بينهما.
غير أن المصافحة التي جمعتهما في مهرجان جوي أووردز في السعودية مطلع هذا العام، بعد تعاونهما في الجزء الثالث من "ما اختلفنا" (تأليف مجموعة كُتّاب، إخراج وائل أبو شعر)، لم تحظَ بالصدى الإعلامي الذي رافق خلافهما سابقاً.
كان رضا قد صرّح أخيراً بأن "ما اختلفنا" بات هذا الموسم أقرب إلى مستوى "بقعة ضوء"، بعدما كان ياخور، الذي تجمعه علاقة قوية بالشركة المنتجة لمسلسل "ببساطة" القائم بدوره على اسكتشات قصيرة شبيهة بالعملين المذكورين،
فضّل سابقاً عدم إشراكه بحجة أن العمل لن يسير جيداً في ظل الخلافات المعتادة بينهما حول وجهات النظر.
فما الذي تغيّر وأعاد التعاون بينهما؟ يُرجّح أن يكون الدافع هذه المرّة إنتاجياً بحتاً، في ظل سعي الجهة المنتجة (شركة ميتافورا)، والجهة العارضة (العربي 2) إلى تقديم عمل قادر على استعادة وهج الكوميديا الجماهيرية، ومحاولة صناعة "بقعة ضوء" جديدة.
في السياق نفسه، يعود عبد المنعم عمايري إلى الوقوف أمام كاميرا رشا شربتجي في مسلسل "مطبخ المدينة" (كتابة علي وجيه وسيف رضا حامد)، بعد أربع سنوات من سجالٍ إعلامي تبادل فيه الطرفان تصريحات حادّة.
وكان عمايري قد أثار السجال حين قارن، من دون مناسبة واضحة، بين رشا ووالدها المخرج الراحل هشام شربتجي، معتبراً أنّها لم تبلغ بعد مستواه، وأنها "ليست مرجعاً" في الدراما السورية.
ولم يجمع بطل "قيد مجهول" ومخرجة "كسر عضم" (الجزء الأول) سابقاً سوى عمل كوميدي لم يحقق حضوراً يُذكر، ما يجعل تعاونهما الحالي محطة لافتة في مساريهما.
يبدو "مطبخ المدينة" مشروعاً واعداً، يستند إلى قصة محبوكة ومشبعة بالتفاصيل، وإخراج متقن من شربتجي التي رسّخت حضورها في أعمال تدور في زواريب دمشق، وظلال أحيائها الطرفية، وركام ضواحيها.
هنا أيضاً، تتقدّم ضرورات المرحلة الجديدة على إرث التصريحات القديمة، في محاولة لإعادة تركيب الثنائيات الفنية ضمن مشهد يسعى إلى استعادة تماسكه.
ولا يمكن قراءة هذه المصالحات بمعزل عن التحوّل الأوسع في الخريطة الإنتاجية عربياً، مع تصاعد حضور الرياض في هذا المشهد.
فقد شكّلت خطوة جمع عدد كبير من النجوم السوريين في الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، برعاية رئيس الهيئة العامة للترفيه السعودية تركي آل الشيخ، إشارة رمزية إلى مرحلة إعادة ترتيب للمشهد الفني السوري.
ومع انتقال جزء مهم من التمويل والتسويق إلى منصات وجهات عربية مرتبطة بالسوق الخليجية، تبدو الحاجة إلى تجنّب الانقسامات الداخلية أكثر إلحاحاً، في صناعة باتت تعتمد على شبكات إقليمية عابرة للحدود.
ساري موسى
كاتب من سورية