فيلم وثائقي عن حياة الأديب والمفكر علي أحمد باكثير
يسرد فيلم وثائقي – لأول مرة – السيرة الكاملة للأديب والمفكر اليمني علي أحمد باكثير، أحد أعمدة الأدب العربي الحديث، ومبتكر أول شكل للشعر الحر، وصاحب الرواية الخالدة وا إسلاماه التي تحولت إلى فيلم تاريخي عالمي.
كما يسرد الفيلم الوثائقي سيرة الأديب والمفكر علي أحمد باكثير، الحضرمي اليمني المصري. عن طفولته ورحلته ونضجه.
باكثير الواسع، العروبي حتى العظم، اليمني حتى الثمالة، الحضرمي جوهراً وخيالاً، والمصري بكل قلبه.
هنا باكثير بسيرته، بصوته، وبمهابته. تجده يكتب عملاً تمثل فيه أم كلثوم، يقتسم جائزة مع نجيب محفوظ، يحصل على الجنسية المصرية ويؤلف أشعارا لثورة اليمن ١٩٤٨، ويعيد إنتاج التاريخ العربي في صورة دراما.
يأخذكم الفيلم في رحلة حافلة من حضرموت إلى القاهرة، مرورًا بالمنافي، والمواقف الفكرية، والمعارك الثقافية والسياسية التي خاضها باكثير ضد الاستعمار، والسلالة، والاحتلال، والاستبداد.
تظهر في الفيلم شهادات نادرة لضيوف كبار، وتُعرض فيه لأول مرة وثائق ومواد أرشيفية لم تنشر من قبل.
ورغم مضي خمسين عاماً على وفاة الأديب الكبير علي أحمد باكثير (1910- 1969م)، إلا أنَّ حياته ما زال يحوطها كثير من الغموض، حيث كان رحمه الله قليل الحديث عن نفسه، ولم يكتب مذكرات تضيء جوانب من حياته.
ومن الأمور التي يكتنفها الغموض أسرته في إندونيسيا؛ والدته وأشقاؤه، وذلك لبعد المسافة بينهم وبين أسرتيه في حضرموت ومصر، وصعوبة التواصل معهم في السابق. وسنحاول في السطور التالية إلقاء بعض الضوء على هذا الجانب،
باكثير في سطور:
لعلَّ من المناسب أن نبدأ بتعريف القارئ نبذة يسيرة عن الأديب علي بن أحمد بن محمد باكثير الكندي، الذي وُلِدَ في مدينة سورابايا بمقاطعة جاوة الشرقية في إندونيسيا في 21 ديسمبر سنة 1910م لأبوين عربيين من حضرموت في اليمن.
وحين بلغ العاشرة من عمره سافر به والده إلى حضرموت لينشأ هناك نشأة عربية إسلامية مع إخوته غير الأشقّاء في مدينة (سيئون)، وهناك تلقّى علوم الدين الإسلامي واللغة العربية والأدب على يد شيوخ أجلاء؛ منهم عمه محمد بن محمد باكثير الذي كان شاعراً ونحوياً وقاضياً، وكانت لديه مكتبة ضخمة أفاد منها باكثير في الاطلاع على مختلف العلوم الدينية والأدبية.
وقد أقام باكثير في حضرموت قرابة عشر سنوات غادرها خلالها مرة واحدة بين عامي 1926-1927م إلى إندونيسيا وسنغافورة، حيث زار والدته وأقاربه ومكث هناك عاماً وبضعة أشهر،
ثمَّ عاد إلى حضرموت وتزوَّج في سن مبكرة بفتاة أحبَّها وملكت عليه شغاف قلبه، ولكن سعادته لم تكتمل حيث توفيت تلك الزوجة بعد مدة قصيرة من زواجهما؛ فغادر إثر ذلك حضرموت عام 1932م إلى عدن أولاً، ثمَّ إلى الحجاز وأخيراً إلى مصر عام 1934م التي استقرَّ بها والتحق بجامعتها وعمل فيها بعد تخرُّجه بالتدريس أولاً، ثمَّ في وزارة الثقافة والإرشاد القومي وتزوَّج بسيدة مصرية لها ابنة من زوج سابق ولم يُرْزَق باكثير بأبناء من زوجته المصرية،
أمّا زوجته الحضرمية فقد ولدت له طفلة أسماها (خديجة) توفيت بعد وفاة أمها بمدة قصيرة. وتوفي باكثير في مصر في العاشر من نوفمبر سنة 1969م.
مكانته الأدبية:
بدأ باكثير حياته شاعراً، وحين توفي والده سنة 1925م رثاه بقصيدة عصماء في أكثر من ستين بيتاً، مطلعها :
عبثاً تحاول أن تُكفَّ الأدمعا
وأبوك أمسى راحلاً مستودعا
كيف السُّلوُّ وما مررتَ بموضعٍ
إلا وساد الحزنُ ذاك الموضعا
وظلَّ باكثير ينظم الشعر على طريقة الأقدمين مقتفياً آثار امرئ القيس وشعراء المعلقات والعصرين الأموي والعباسي، وحين قدم إلى مصر كان معه ثلاثة دواوين مخطوطة، هي نتاج ما كتبه من شعر في حضرموت وعدن والحجاز،
وكان ينوي طبعها في مصر، ولكنه حين اطلع على دعوات التجديد في مصر ومدرسة الديوان وأبولو، عدل عن طبع دواوينه، ولم ينشر إلا قصيدة مطولة نظمها في الحجاز بعنوان (نظام البُردة أو ذكرى محمد) معارضاً بها بردة البوصيري، ومسرحية شعرية نظمها أيضاً في الحجاز حين اطلع لأول مرة على مسرحيات شوقي الشعرية،
فكان أن حاكاها بمسرحية شعرية بعنوان (هُمام أو في عاصمة الأحقاف) يحكي فيها قصته في حضرموت ودعوته الإصلاحية إلى نبذ الخرافات والعودة إلى منابع الدين الصحيح، ووفاة زوجته.
ثمَّ التحق باكثير بقسم اللغة الإنجليزية بجامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة حالياً)، واطلع على الشعر الإنجليزي وانبهر به وبخاصة شكسبير، فتغيَّرت نظرته للشعر ولم يعد هو فنه الأول وإنما توجه إلى المسرح والرواية،
فبدأ أولاً بكتابة المسرحية الشعرية (أخناتون ونفرتيتي) عام 1938م وهو ما يزال طالباً بالجامعة، كتبها بالشعر التفعيلي أو الحر كما يُعرف اليوم، وأسماه باكثير (الشعر المرسل المنطلق)، وذلك بعد أن استفاد من ترجمته لمسرحية (روميو وجولييت) بالشعر التفعيلي عام 1936م، بأن اختار بحر المتدارك ليصوغ عليه مسرحيته، وكان قد زاوج في ترجمته بين البحور ذات التفعيلة الواحدة المكررة، مثل الوافر، والرمل، والمتدارك .. إلخ، وهي التي أسمتها نازك الملائكة بعد ذلك بالبحور الصافية.
ولكن تجربة باكثير كانت مبكرة جداً بالنسبة إلى عصره فلم تستسغها الآذان التي كانت تألف النظم التقليدي، ولم يحفل بها أحد من النقاد إلا إبراهيم المازني الذي كتب مقدمة لطبعتها الأولى سنة 1940م، فانصرف باكثير عن هذا الضرب من الشعر، بعد أن كان ينوي الاستمرار فيه، بل إنه كتب مسرحية أخرى بالشعر التفعيلي بعنوان (الوطن الأكبر) ولكنه لم ينشرها، وأعاد صياغتها نثراً ونشرها بعنوان (إبراهيم باشا)، ثمَّ طبعت (الوطن الأكبر) بعد وفاته.
وأصبح باكثير يكتب المسرحية نثراً، وكتب أوبرا (قصر الهودج) بالشعر المقفى، وكذلك أوبريت (شادية الإسلام).
وقد ترك باكثير أكثر من ستين مسرحية نثرية، أشهرها (ملحمة عمر) التي تروي قصة حياة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب منذ توليه الخلافة حتى وفاته وتقع في (19) جزءاً، وقد توفي باكثير وهي قيد الطبع وصدرت عن دار البيان في الكويت في عام 1970م.
وكتب باكثير إلى جانب المسرحية الرواية، ورغم أنه لم يكتب إلا ست روايات إلا أنَّ رواياته لقيت صدىً كبيراً، حيث مثلت اثنتان منها في السينما (سلامة القس) و(وا إسلاماه)، والأخيرة قرّرت على طلاب الثانوية في مصر وعدد من البلاد العربية.
وكان باكثير قد حصل على جائزة عن كل من هاتين الروايتين مناصفة مع الأديب الكبير نجيب محفوظ([2]). أمّا مسرحياته فقد مثلت بعضها على المسرح، مثل: (سر الحاكم بأمر الله) و(جلفدان هانم) و(قطط وفئران) و(الفلاح الفصيح)، و(سر شهرزاد)، و(شعب الله المختار)، و(حبل الغسيل) و(مسمار جحا) التي تحوّلت أيضاً إلى فيلم سينمائي.
وقد ظلَّ باكثير يكتب الشعر وينشره في الصحف والمجلات حتى وفاته، ولكنه لم يجمعه في ديوان في حياته، وبعد وفاته طبع له ديوانان هما (أزهار الربى) الذي يحوي قصائده التي نظمها في حضرموت قبل مغادرته لها عام 1932م، وديوان (سحر عدن) الذي يحوي القصائد التي نظمها خلال إقامته في عدن بين عامي 1932-1933م، وما زالت بقية أشعاره مخطوطة لم تطبع في ديوان.