"أحبك من زمان" على نتفليكس... فيلم كويتي لم يبقَ منه سوى اللهجة
يواصل فيلم "أحبك من زمان" (إخراج إيلي السمعان، إنتاج إيغل فيلمز) تحقيق نجاحات لافتة منذ انطلاق عرضه عبر منصة نتفليكس في 23 يوليو/ تموز الماضي، بعدما دخل قائمة الأعمال الأكثر رواجاً (Trending) في أكثر من دولة عربية.
ليس من الصعب فهم أسباب النجاح الجماهيري الذي حققه الفيلم، إذ يمتلك كل المقومات التي تبحث عنها منصات البث اليوم: قصة رومانسية خفيفة، إيقاع سريع، ألوان مشرقة، ممثلون معروفون، ومؤثرون يملكون ملايين المتابعين.
لكن، وسط هذا النجاح، هناك سؤال: هل نشاهد فيلماً كويتياً بالفعل؟
تدور أحداث فيلم "أحبك من زمان" حول "هيا" (نور الغندور)، موظفة في مجال العقارات تبلغ الخامسة والثلاثين، وصديق طفولتها "جواد" (علي كاكولي)، الممثل المعروف. كيف عرفنا عمرها؟ من خلال خالتها التي تعايرها بأنها "طقت الـ35 وللحين ما لقت ريل (رجل)".
منذ المشاهد الأولى، يبتعد الفيلم عن تقديم بيئة كويتية، أو حتى عربية، يمكن التعرف إليها بسهولة.
فالعالم الذي تعيش فيه الشخصيات يبدو أقرب إلى المدن التي اعتادت أفلام "نتفليكس" الرومانسية تصويرها؛ شقق عصرية، ومقاهٍ ذات طابع عالمي، ومكاتب حديثة، وألوان زاهية، وأزياء تتماشى مع الصورة البصرية التي أصبحت سمة ثابتة في هذا النوع من الإنتاجات.
حتى المدينة نفسها تبدو بلا ملامح واضحة، وكأن الأحداث أقرب إلى أن تقع في نيويورك، مثلاً، منها في الكويت.
ولا يتوقف الأمر عند الشكل البصري، بل يمتد إلى طبيعة العلاقات التي يبني عليها الفيلم قصته.
فالعلاقة بين "هيا" و"جواد" تقوم على صداقة طويلة بين شاب وفتاة يعرفان بعضهما منذ الطفولة، بحسب الصور التي عرضتها علينا هيا.
يلتقيان باستمرار، ويخرجان معاً، ويتشاركان تفاصيل حياتهما اليومية بحرية كاملة، قبل أن يعلن ارتباطه بالممثلة زينة (نهى نبيل) التي تشاركه بطولة فيلمه الجديد، ليتحول إحساس هيا من "جواد ماي بست فريند"
وتريد أن تعرّفه إلى صديقتها ليتزوجها، إلى "أحبه... أحبه... أحبه" وتريد استرجاعه من حبيبته. لكن للأسف فشلت كل محاولاتها.
وهي واحدة من أشهر ثيمات الكوميديا الرومانسية الأميركية، لكن حضورها هنا يأتي من دون أي محاولة لتكييفها مع السياق الاجتماعي الذي يفترض أن تنتمي إليه الشخصيات.
فراغ اجتماعي
لا يعني ذلك أن الفيلم مطالب بنقل الواقع كما هو، أو أن يتحول إلى وثيقة اجتماعية، لكن حتى الأعمال التجارية تحتاج إلى بناء عالم درامي مقنع. هنا تحديداً تظهر إحدى أكبر مشكلات الفيلم؛
فالشخصيات تبدو وكأنها تعيش في فراغ اجتماعي. جواد، الذي يستعد للزواج، لا نعرف شيئاً عن عائلته، فلا يظهر والداه أو إخوته، رغم أن الأسرة في المجتمع الخليجي والعربي تؤدي عادة دوراً محورياً في مثل هذه المناسبات.
أما هيا، فتقتصر دائرتها العائلية على خالتها (فاطمة الشريف) وشقيقتها دلال (شوق الهادي) التي تعيش حالة من العصبية الدائمة بسبب الحمل، متسلحة دائماً بجملتها: "ما تناقش امرأة حامل!"، لإغلاق أي باب للحوار.
الفيلم يكاد يدفعنا إلى الاعتذار للمسلسلات الكويتية القديمة، التي لطالما سخرنا من مشاهد اجتماع العائلة في منزل واحد، قبل أن يرن جرس الباب وتنطلق العبارة الشهيرة: "منو جايينا هالحزة؟".
ففي "أحبك من زمان" اختفت العائلة بالكامل؛ لا أب، ولا أم، ولا إخوة، ولا تجمعات أسرية، ولا حتى ضيوف يأتون في أي "حزة" يريدونها. دون أن يكلّف الفيلم نفسه تقديم مبرر درامي واحد لهذا الغياب الجماعي؛ وكأن المجتمع بأكمله قُصَّ من المشهد.
وبعكس البطل جواد الموجود في كافة المناسبات، فلا يظهر زوج دلال، إلا في مشهد واحد خلال حفل الكشف عن جنس الجنين.
ولم نكتشف أنه زوجها إلا من خلال نظرة عابرة بينهما، لنحصل في المشهد نفسه على اكتشافين: جنس الجنين، وهوية الأب الذي لم يكن له أي حضور قبل ذلك أو بعده.
هذا الغياب لا يبدو مجرد قرار لتقليل عدد الشخصيات، بل يعكس طبيعة العالم الذي يختاره الفيلم؛ عالم تتحرك فيه الشخصيات باستقلال كامل عن العائلة، وتتخذ قراراتها العاطفية بعيداً عن أي تأثير اجتماعي، وهو نموذج يقترب كثيراً من أفلام هوليوود،
ويبتعد عن البيئة الخليجية التي يفترض أن الأحداث تنتمي إليها.
فيلم "أحبك من زمان" في قالب معولم
يعتمد الفيلم أيضاً على واحدة من أكثر حيل الكوميديا الرومانسية استهلاكاً: كلما قررت هيا الاعتراف بحبها، قاطعها شيء في اللحظة الأخيرة. مرة يرن الهاتف، ومرة يُنادى على جواد أثناء التصوير،
ومرة تقاطعهما زينة قبل أن تنطق، ومرة تؤجل الحديث لأن الظرف لم يعد مناسباً. تتكرر هذه الحيلة مرات عدة حتى تصبح جزءاً من بنية الفيلم، فيتحول التشويق من السؤال: هل ستعترف؟
إلى التساؤل المتململ: ما الذي سيمنعها هذه المرة؟ حتى بعض القضايا التي يطرحها الفيلم، رغم أهميتها، توضع داخل هذا العالم المعولم.
فالعمل يناقش ضغط المجتمع على المرأة غير المتزوجة بعد سن الخامسة والثلاثين، ورغبتها في الإنجاب، وحتى خيار تجميد البويضات باعتباره "الخطة البديلة" إذا لم تجد الشريك المناسب حالياً.
وهي قضايا تستحق المعالجة، لكن الغريب أن الشخص الوحيد الذي تخبره هيا بقرارها تجميد بويضاتها وتطلب منه مرافقتها للعملية هو جواد، وليس أحد أفراد عائلتها. مرة أخرى، يبدو العالم مصمماً لخدمة العلاقة بين البطلين أكثر من محاولته إقناع المشاهد بمنطقه الداخلي.
وسط كل التصرفات المراهقة، والمواقف المفتعلة، وردات الفعل المبالغ فيها، تفلت من الفيلم، ربما دون قصد، أكثر مشاهده تأثيراً.
عندما ذهبت هيا مع شقيقتها لشراء ملابس الحمل، ارتدت فستاناً مخصصاً للحوامل، ووضعت قطعة قماش تحت ثيابها لتبدو وكأنها حامل، ثم وقفت أمام المرآة تحدق في انعكاسها بصمت، بينما اغرورقت عيناها بالدموع.
في تلك الثواني، بدا الفيلم أكثر صدقاً من أي وقت آخر، ليلامس خوف امرأة من أن يفوتها حلم الأمومة.
ولا تقتصر الوصفة على الحبكة والعالم الدرامي، بل تمتد إلى استراتيجية الإنتاج والتسويق. فالفيلم يعتمد أيضاً على عناصر تمتلك جمهوراً جاهزاً قبل عرضه.
واختيار الإعلامية والمؤثرة نهى نبيل لخوض أولى تجاربها السينمائية لا يبدو قراراً فنياً فقط، بل يحمل بعداً تسويقياً واضحاً، مستفيداً من قاعدة جماهيرية ضخمة على منصات التواصل الاجتماعي.
كما تؤدي أغنية "ألوم" بصوت صانعة المحتوى بيسان إسماعيل الدور نفسه؛ فهي ليست مجرد أغنية في الفيلم، بل جزء من حملة تسويقية تستهدف جمهور المنصات الرقمية، وتمنح العمل حضوراً يتجاوز شاشة "نتفليكس".
في النهاية، ربما لا تكمن مشكلة "أحبك من زمان" في أنه فيلم رومانسي خيالي، بل في أنه لا يبدو معنياً بتقديم عالم كويتي يمكن تصديقه، بقدر ما يبدو حريصاً على إنتاج فيلم قادر على النجاح في أي مكان،
حتى لو جاء ذلك على حساب خصوصية المكان الذي يفترض أن ينتمي إليه الفيلم، لتصبح اللهجة المحلية مجرد إكسسوار يذكرنا ببيئته الأصلية.
فاتن حداد
صحافية سورية