من "نهاية رجل شجاع" إلى "السوريون الأعداء"... لماذا ندر اقتباس الروايات في الدراما السورية؟
لم تقتبس الدراما السورية أو تستوحي سيناريوهاتٍ من الروايات التي خطَّها كُتَّاب سوريون، إلَّا كمَّاً لا يتجاوز عدد أصابع اليدَيْن. هذا عددٌ قليلٌ إذا ما قيس،
أوّلاً، بالحجم الكبير للإنتاج الدرامي السوري خلال أكثر من 30 عاماً، وبالمقارنة،
ثانياً، مع الصناعة الدرامية في بلدانٍ عربيةٍ أخرى كمصر، حيث حُوِّلت إلى أفلامٍ ومسلسلات رواياتُ أدباءٍ مخضرمين مثل نجيب محفوظ، وإحسان عبد القدوس وصنع الله إبراهيم.
مع الإشارة إلى أنّ المسلسل السوري الأوّل المأخوذ عن الأدب هو "أسعد الورّاق"، الذي أُنتج في عام 1975 (سيناريو وحوار عبد العزيز هلال، إخراج علاء الدين كوكش)،
وكان من سبع حلقاتٍ فقط، وهو مأخوذٌ عن قصة قصيرة لا رواية، هي قصة "الله والفقر" للأديب صدقي إسماعيل. وعام 2010 أنتجت نسخة جديدة من المسلسل (سيناريو هوزان عكّو، إخراج رشا شربتجي)، جاءت أحداثها في 30 حلقة.
الدراما السورية والرواية
يمكن في تحليل أسباب الحضور الخجول للرواية في الدراما السورية أن نقول، ببساطة، إن الكتابة الدرامية السورية أفضل من نظيرتها الأدبية، تشير إلى ذلك عوامل عدّة، منها القراءة والمتابعة،
بالإضافة إلى ما يورده الجمهور من تعليقات على حلقات بعض المسلسلات المعروضة على "يوتيوب"، حيث يتمنَّى لو كان المسلسل مكتوباً كرواية، كمسلسلات يمّ مشهدي على سبيل المثال،
بالإضافة إلى أن الرواية الأخيرة التي تمّ عرض مسلسلٍ مأخوذ عنها هي "عندما تشيخ الذئاب" (2019، سيناريو حازم سليمان، إخراج عامر فهد، بطولة سلّوم حداد وعابد فهد)، للكاتب الأردني الراحل جمال ناجي.
كما أن صناعة الدراما السورية التي لقيت دعماً رسمياً وسوق انتشار عربية، شجَّعت الكتّاب الذين يمتلكون القدرة على الكتابة الأدبية وكتابة السيناريو على امتهان الكتابة الثانية، التي أصبحت أكثر قدرةً على الوصول إلى الجمهور، وأجزى مادياً،
ومن هؤلاء فادي قوشقجي وممدوح حمادة، الذي كتب كثيراً من اللوحات التي نشاهدها في "بقعة ضوء" وغيرها من مسلسلاته كقصص قصيرة، ولم ينشرها في مجموعات إلّا بعد أن عُرضت المسلسلات على الشاشة.
ثمّة عامل آخر قد يكون حدَّ من الاقتباس، هو ضعف الإنتاج السينمائي السوري، وهنا نذكر فيلم "اللجاة" (1993)، الذي أخرجه الراحل رياض شيّا انطلاقاً من أحداث رواية "معراج الموت" للروائي ممدوح عزّام.
فالسينما، كما هو معلوم، أكثر حريّة وجرأة في عرض تفاصيل لا يمكن أن تُعرض على التلفزيون، ترد في الروايات التي تنتظر مثل السينما من يذهب إليها، ولا تدخل البيوت ويشاهدها الجميع كالمسلسلات التلفزيونية.
التاريخ بوابة الرواية إلى الشاشة
هناك سمةٌ عامّةٌ تميّز الإنتاج الروائي السوري المعاصر والحديث هي أن التاريخ القريب يُشكّل الخلفيّة لمعظم أحداثه والمحرّك لشخصيّاته.
قد يكون هذا العامل الأهم في تحويل رواياتٍ إلى سيناريو مسلسلات، خاصةً في فترات التسامح الرسمي والتخفيف الرقابي،
فهذه الروايات تتناول غالباً أحداث سياسية، أو عند حدوث تغيّراتٍ كبرى مثل سقوط النظام أواخر العام 2024 التي سمحت بتحويل رواية "السوريون الأعداء" إلى مسلسل حمل اسم "العاصي" انتهى تصويره الشهر الماضي، ولعب بطولته كلٌّ من النجمين الكبيرين بسام كوسا وسلّوم حداد.
أثارت هذه الرواية، عند صدورها عن دار رياض الريس في عام 2014، ردود فعلٍ متباينة، بين من تحمَّس لها من منطلقات سياسية غالباً،
إذ إنها تتناول المجازر التي ارتكبتها قوات النظام السابق في مدينة حماه في عام 1982، وبين من وضع الكثير من الملاحظات الفنية عليها، على اعتبار أنّها كُتِبَت من وجهة نظر غير محايدة، ومن كاتبٍ كان من أشدّ المعارضين لنظام الأسد.
يبدو أن صُنّاع العمل (إخراج الليث حجو، وإنتاج شركة ميتافورا) تنبّهوا إلى هذه الإشكالية، فأسندت كتابة السيناريو إلى اثنين من أهمّ كُتّاب السيناريو السوريين، وهما نجيب نصير ورافي وهبي، وسيكون الجمهور مع فرصة لاكتشاف نتيجة عملهم خلال شهر رمضان المقبل.
تجدر الإشارة إلى أن هذه ليست الرواية الأولى لفوّاز حدّاد التي تُعرض على الشاشة، فعام 2009 عرض مسلسل "الدوّامة" (سيناريو ممدوح عدوان، وإخراج المثنّى صبح)، المأخوذ عن روايته "الضغينة والهوى".
يتناول المسلسل أحداث السنوات الأولى بعد الاستقلال عن فرنسا، ويستعرض المؤامرات الخارجية التي دبَّرت الانقلابات العسكرية بغرض أساسي يتعلّق بصراع الشركات النفطية على الجغرافيا السورية، من أجل تمرير خطوط أنابيبها وصولاً إلى البحر المتوسط.
الخصوصيّة المكانية
بالإضافة إلى خلفية التاريخ، لعبت الخصوصية المكانية، وما تُحدثه من تأثيرات بصرية على المشاهد، دوراً في لفت الانتباه إلى بعض الأعمال.
عند الحديث عن المكان في الرواية السورية، تحضر أولاً أعمال الأديب الراحل حنّا مينة، الذي حُوِّلت عدّة رواياتٍ كتبها إلى مسلسلاتٍ وأفلام، مثل "الشمس في يوم غائم"، و"بقايا صور".
يوصف مينة بروائي البحر، مع أن معظم أعماله تدور في بيئة الشاطئ والمرفأ، أكثر ممّا تتقدّم نحو المياه وتخوض فيها. عام 1994،
حوَّل السيناريست حسن م. يوسف رواية مينة الشهيرة "نهاية رجل شجاع" إلى مسلسل أخرجه نجدت أنزور،
وتدخَّل يوسف مُغيّراً نهاية الرواية إلى نهايةٍ أخرى ختم بها المسلسل. وعام 2012، عُرِض مسلسل "المصابيح الزرق" (سيناريو محمود عبد الكريم وإخراج فهد ميري)،
المأخوذ عن رواية لمينة تحمل العنوان ذاته. يرصد هذا المسلسل تفاصيل الحياة في أحد أحياء مدينة اللاذقية إبان اندلاع الحرب العالميّة الثانية وخلالها، مُصوّراً انقطاع المواد الغذائية واستهداف المدينة بالقصف البحري والجوي،
حيث كانت زجاجات مصابيح الكاز تُدهن باللون الأزرق كي لا تراها الطائرات المهاجمة وتستدلّ على مواقع البيوت.
التزامن أو التقارب في النشر والعرض
إلى جانب حالة ممدوح حمادة، كان الكاتب والسيناريست الفلسطيني السوري حسن سامي يوسف ينشر رواياتٍ بالتزامن مع عرض المسلسلات التي يكتب سيناريوهاتها، والتي تتقاطع فيما بينها بالأحداث والشخصيات.
عام 2016 أصدر يوسف رواية "عتبة الألم"، التي تتضمّن "مشاهد ومشاهدات"، بحسب ما كُتِب على غلافها الخارجي.
يعرض الكاتب فيها مشاهداته من داخل العاصمة دمشق لنتائج الحرب المباشرة من أصوات غاراتٍ جويّة ومدفعيّةٍ تنطلق من مرابضها في جبل قاسيون مستهدفةً مواقع المعارضة في محيط دمشق، وتفجيراتٍ وسقوط قذائف تتبنّاها وتُطلقها قوات المعارضة المسلّحة،
بالإضافة إلى الصعوبات الحياتيّة والأزمات المتعددة التي عانى منها الناس. في العام نفسه عُرِض مسلسل "الندم" (إخراج الليث حجو)،
وقد شكّلت مشاهد الرواية الجزء المعاصر من المسلسل، الذي اختار المُخرج عرضه باللونين الأبيض والأسود للإشارة إلى قتامة تلك السنوات، أما الجزء الآخر الذي يعود إلى سنواتٍ سابقة لاندلاع الانتفاضة السورية، فصوّر بالألوان.
ساري موسى
كاتب من سورية