انقلاب تاريخي ...كيف غيرت الحرب مسارات تجارة النفط والغاز حول العالم؟
لم تعد الحرب الدائرة في المنطقة تهدد أسواق النفط والغاز بارتفاع الأسعار وحده، بل بدأت تغير خريطة تجارة الطاقة العالمية، مع اضطراب الصادرات الخليجية، وتراجع حركة الناقلات عبر مضيق هرمز،
وتزايد اعتماد الدول المستوردة على موردين ومسارات بديلة، مثلا تنامي اعتماد دول آسيوية على الغاز الروسي مرة أخرى، رغم إصرار دول منطقة اليورو على حظر الطاقة الروسية بحلول العام 2027، وزادت واردات الصين من النفط الروسي.
أيضاً زاد الطلب على الغاز الأميركي من دول أوروبية وآسيوية، وبرزت الولايات المتحدة قوة تصديرية رئيسية للغاز المسال مع تراجع الصادرات من منطقة الخليج بسبب إغلاق هرمز.
وجاءت هذه الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 في وقت كانت فيه الأسواق لا تزال تتكيف مع التحولات التي فرضتها الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ 24 فبراير 2022.
وتشير البيانات الدولية إلى أن تدفقات النفط والغاز بدأت تشهد تغيرات متسارعة، بعدما أعادت شركات الشحن والمنتجون والمستوردون رسم مسارات التجارة بعيداً عن مناطق التوتر، فيما توسع الاعتماد على خطوط الأنابيب والموانئ البديلة،
وازدادت أهمية الموردين القادرين على ضمان وصول الإمدادات بأقل قدر من المخاطر.
ولفهم حجم هذه التحولات، أجرت "العربي الجديد" مسحاً لبيانات تجارة النفط والغاز خلال الفترة بين يناير/كانون الثاني 2021 ويوليو/تموز 2026، مستنداً إلى قواعد بيانات وكالة الطاقة الدولية، وإدارة معلومات الطاقة الأميركية، والهيئة الأوروبية لتعاون منظمي الطاقة، والجمارك الصينية، وشركات تتبع الناقلات "كبلر" و"فورتكسا" و"ستاندرد أند بورز غلوبال"، إضافة إلى بيانات مجموعة بورصات لندن وتقارير وكالات أنباء دولية.
الخليج يفقد ملايين البراميل
كشفت نتائج مسح أن أولى النتائج المباشرة للحرب في المنطقة ظهرت في صادرات النفط الخليجية، بعدما تراجعت الكميات المنقولة بحراً بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأولى من بدء الحرب.
وأظهرت مقارنة بيانات شركات تتبع الناقلات أن يونيو/حزيران مثّل نقطة التحول الأبرز في الأزمة، بعدما وصلت اضطرابات الشحن إلى ذروتها، بالتزامن مع استمرار المخاوف الأمنية في محيط مضيق هرمز وارتفاع تكاليف النقل والتأمين،
إذ تراجعت صادرات النفط الخام والمكثفات من السعودية والإمارات والعراق والكويت وإيران إلى مستويات تراوحت بين 12 مليون برميل يومياً وفق تقديرات شركة كبلر و13.06 مليون برميل يومياً بحسب تقديرات "فورتكسا"،
مقارنة بمستويات تراوحت بين 18.5 و19 مليون برميل يومياً قبل اندلاع الحرب في فبراير الماضي، بما يعني فقدان ما بين 5.5 و7 ملايين برميل يوميا من الصادرات، أي انخفاضاً يقارب 32%.
ولم يكن سبب هذا التراجع انخفاضاً في الطاقة الإنتاجية للدول الخليجية، لكنه جاء بسبب تعطل جزء من عمليات الشحن وتأجيل تحميل الناقلات وارتفاع المخاطر المرتبطة بالمرور عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم،
ما دفع بعض المشترين إلى تأخير استلام الشحنات أو البحث عن مصادر بديلة بصورة مؤقتة.
ومع انحسار جزء من الضغوط التشغيلية وعودة عدد من الناقلات إلى العمل، بدأت الصادرات الخليجية تستعيد جزءاً من نشاطها خلال النصف الأول من يوليو الماضي، إذ ارتفعت بنحو 16% مقارنة بمتوسط يونيو، وفق بيانات "كبلر" و"فورتكسا".
إلا أن هذا التحسن ظل محدوداً، إذ بقيت التدفقات أقل بنحو 32% من مستويات ما قبل الحرب، ما يشير إلى أن الأسواق كانت لا تزال تتعامل بحذر مع المخاطر الأمنية في المنطقة.
وأظهرت الأزمة أن قدرة الدول المنتجة على الحفاظ على صادراتها لم تعد تعتمد على حجم الإنتاج وحده، بل على امتلاك مسارات تصدير بديلة.
فقد سارعت السعودية إلى زيادة الاعتماد على خط أنابيب شرق – غرب الذي ينقل الخام من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر،
وتشير بيانات تتبع الناقلات إلى أن نحو 75% من صادرات المملكة خلال يوليو غادرت عبر ينبع، ما خفف اعتمادها على مضيق هرمز.
في المقابل، بقيت الإمارات والكويت والعراق أكثر ارتباطاً بموانئ الخليج العربي، وهو ما جعل صادراتها أكثر عرضة لتقلبات حركة الملاحة وارتفاع تكاليف النقل.
أما إيران، فواصلت الاعتماد على أسطول الناقلات غير التقليدي وتغيير مسارات الشحن للحفاظ على تدفق صادراتها إلى الأسواق الآسيوية، رغم استمرار العقوبات الأميركية والمخاطر الأمنية.
وتشير هذه البيانات إلى أن الحرب لم تقلص حجم الصادرات الخليجية فحسب، بل كشفت أيضاً أن امتلاك منافذ تصدير بديلة أصبح عاملاً حاسماً في الحفاظ على الحصة السوقية.
فالدول التي امتلكت منافذ بديلة استطاعت الحد من خسائرها، بينما ظلت الدول الأكثر ارتباطاً بمضيق هرمز أكثر عرضة لتداعيات أي اضطراب يطاول أحد أهم شرايين تجارة الطاقة العالمية.
استهداف منشآت الطاقة
ولم يقتصر تأثير الحرب على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، بل امتد إلى منشآت إنتاج النفط والغاز وتكريرهما في إيران وعدد من دول الخليج، ما نقل المخاطر من حركة الشحن إلى البنية التحتية للطاقة نفسها.
وتشير البيانات إلى أنه بحلول 7 إبريل/نيسان 2026 كانت أكثر من 40 منشأة رئيسية للطاقة قد تعرضت لأضرار بدرجات متفاوتة، شملت حقول غاز، ومصافي تكرير، ومحطات معالجة، وموانئ تصدير، في أكبر اضطراب تشهده أسواق الطاقة منذ سنوات.
وشهدت إيران أولى الضربات الكبيرة في 18 مارس 2026 باستهداف أجزاء من حقل بارس الجنوبي، أكبر حقل غاز في العالم، إلى جانب منشآت معالجة الغاز في عسلوية.
ويعد بارس الجنوبي المصدر الرئيسي لمعظم إنتاج الغاز الإيراني، بينما تمثل عسلوية مركز معالجة الغاز قبل ضخه إلى الشبكات المحلية أو توجيهه للصناعة،
ما جعل استهدافهما يثير مخاوف من اتساع تأثير الحرب إلى إنتاج الغاز، رغم نجاح السلطات الإيرانية في احتواء جانب من الأضرار وإعادة تشغيل بعض الوحدات لاحقاً، وفق "رويترز".
وامتدت الاعتداءات إلى دول الخليج، وكان أبرزها استهداف مدينة رأس لفان الصناعية في قطر، التي تضم أكبر مجمع لتسييل الغاز الطبيعي المسال في البلاد.
كما طاولت الهجمات مصافي رأس تنورة وينبع في السعودية، ومجمع حبشان لمعالجة الغاز في الإمارات الذي تبلغ طاقته نحو 6.1 مليارات قدم مكعبة يومياً،
إضافة إلى مصفاة سترة في البحرين بطاقة تكريرية تبلغ نحو 380 ألف برميل يومياً، ومصفاتي ميناء الأحمدي وميناء عبد الله في الكويت، وفق بيانات "رويترز" والشركات المشغلة.
وتوضح هذه الضربات، بحسب مسح "العربي الجديد" أن أثر الحرب لم يعد يقتصر على تعطل الناقلات، بل شمل منشآت تمثل حلقات أساسية في سلسلة إنتاج الطاقة، من استخراج الغاز ومعالجته وتسييله إلى تكرير النفط وتجهيزه للتصدير.
ورغم أن معظم الدول تمكنت من احتواء جزء من الخسائر وإعادة تشغيل بعض الوحدات، فإن ارتفاع المخاطر الأمنية أدى إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن وتأخير الإمدادات، وهو ما جعل تأثير الحرب على التجارة العالمية للطاقة أكبر من تأثيرها المباشر على حجم الإنتاج.
صدمة معقدة في سوق الغاز
وإذا كان النفط تمكن من الحفاظ على جزء كبير من تدفقاته عبر إعادة توجيه الصادرات إلى موانئ وخطوط أنابيب بديلة، فإن سوق الغاز الطبيعي المسال واجه صدمة أكثر تعقيداً، لأن أي تعطل في منشآت التسييل يعني فقدان كميات من المعروض لا يمكن تعويضها سريعاً.
ويزداد أثر ذلك لأن نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية تمر عبر مضيق هرمز، بينما تعد قطر ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، بطاقة إنتاجية تبلغ 77 مليون طن سنوياً قبل اندلاع الحرب.
وكانت الضربة الأشد تأثيراً استهداف مدينة رأس لفان الصناعية في مارس 2026، إذ أعلن الرئيس التنفيذي لـ"قطر للطاقة" سعد الكعبي خروج خطي إنتاج من أصل 14 خطاً عن الخدمة،
ما أدى إلى فقدان 12.8 مليون طن سنوياً من الطاقة الإنتاجية، أي ما يعادل 17% من القدرة التصديرية للغاز الطبيعي المسال، مع توقع أن تستغرق أعمال الإصلاح من ثلاث إلى خمس سنوات.
كما اضطرت الشركة إلى إعلان القوة القاهرة على عدد من عقود التوريد طويلة الأجل، وقدرت خسائر الإيرادات المحتملة بنحو 20 مليار دولار سنوياً، إضافة إلى تأثر صادرات المكثفات وغاز البترول المسال والهيليوم والنافثا.
وأعادت هذه التطورات رسم خريطة تدفقات الغاز العالمية. ففي أوروبا، تسارع الاعتماد على الغاز الأميركي لتعويض جزء من النقص،
بعدما ارتفعت حصة الولايات المتحدة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال من نحو 58% خلال عام 2025 إلى قرابة 63% في الربع الأول من عام 2026، وفق بيانات الهيئة الأوروبية لتعاون منظمي الطاقة ووكالة الطاقة الدولية.
وفي آسيا، اضطرت الدول الأكثر اعتماداً على الغاز القطري ومنها باكستان وكوريا الجنوبية والصين إلى البحث عن بدائل في السوق الفورية، ما أدى إلى ارتفاع الطلب على الشحنات القادمة من الولايات المتحدة وأستراليا وماليزيا وسلطنة عُمان.
آسيا في قلب الصدمة
وكانت الأسواق الآسيوية الأكثر تعرضاً لاضطراب الإمدادات، بحكم اعتمادها الكبير على نفط وغاز الخليج وقربها الجغرافي من مضيق هرمز.
وتكشف بيانات تتبع الناقلات أن واردات آسيا من الغاز الطبيعي المسال هبطت في إبريل 2026 إلى 18.74 مليون طن، وهو أدنى مستوى في ست سنوات، بعدما توقفت معظم الشحنات القطرية إثر اندلاع الحرب وإغلاق المضيق فعلياً أمام حركة التصدير.
وكانت قطر قد صدرت نحو 80.9 مليون طن من الغاز المسال خلال 2025، ما يوضح حجم الفجوة التي خلفها تعطل أحد أكبر الموردين إلى المنطقة.
وجاءت باكستان ضمن أكثر الدول انكشافاً، إذ استوردت نحو 6.64 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال خلال 2025، جاءت 6.57 ملايين طن منها من قطر، بما يمثل نحو 99% من إجمالي الواردات، وفق بيانات شركة كبلر.
ولم تستقبل إسلام أباد أي شحنة محملة بعد بداية الحرب وإغلاق مضيق هرمز، ما دفع شركة الغاز الطبيعي المسال الباكستانية في إبريل إلى طرح أول مناقصة فورية لها منذ ديسمبر/كانون الأول 2023 لشراء ثلاث شحنات بديلة.
ويكشف ذلك ضيق هامش المناورة لدى دولة تعتمد على عقود خليجية طويلة الأجل لتشغيل محطات الكهرباء وتلبية الطلب الصناعي.
وفي بنغلادش، بعد أن كانت دكا تعتمد على قطر بموجب عقدين طويلي الأجل يوفران 4.3 ملايين طن سنوياً من أصل نحو سبعة ملايين طن استوردتها في عام 2025، لم تتلق أي شحنة محملة من رأس لفان منذ اندلاع الحرب،
رغم استلامها 19 شحنة قبل الأزمة، ما اضطرها إلى شراء 35 شحنة فورية لتعويض النقص، وفق بيانات شركة كبلر وتصريحات مؤسسة بتروبنغلا الحكومية.وتتباين ت
قديرات المؤسسات المتخصصة بشأن حجم هذا التعويض، إذ تشير بيانات "ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس" إلى أن الشحنات الفورية غطت نحو 60% من الكميات المطلوبة، بينما تقدر كبلر النسبة بنحو 70%.
ويعود هذا الاختلاف إلى تباين منهجيات احتساب الشحنات وتوقيت تسجيلها، وليس إلى اختلاف في اتجاه السوق، إذ تتفق المؤسستان على أن بنغلادش تمكنت من الحد من آثار تراجع الإمدادات القطرية عبر تنويع مصادر الشراء.
أما الصين، فكانت أكثر قدرة على امتصاص الصدمة بسبب مخزوناتها الكبيرة وتنوع مورديها، لكنها لم تخرج من الأزمة من دون خسائر.
فقد كانت تستحوذ في 2025 على أكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني المنقولة بحراً، بمتوسط 1.38 مليون برميل يومياً، يعادل نحو 13.4% من وارداتها البحرية من الخام.
ومع تصاعد الحرب، انخفضت وارداتها من النفط الإيراني إلى 1.10 مليون برميل يومياً في مايو/أيار الماضي، ثم هبط إجمالي واردات الصين من الخام في يونيو إلى 7.12 ملايين برميل يومياً، بانخفاض سنوي قدره 41.3% وأدنى مستوى منذ أكتوبر/تشرين الأول 2016.
وتشير نتائج المسح إلى أن الحرب دفعت كبار المستوردين الآسيويين إلى إعادة النظر في العقود طويلة الأجل، وزيادة المخزونات، وتوسيع قاعدة الموردين.
لكن في المقابل، ارتفعت واردات الصين من النفط الخام الروسي بنسبة 16.7% على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2026، وجاء النمو في الحجم مصحوباً بقفزة أكبر في القيمة الإجمالية للشحنات بضغط من تحركات الأسعار العالمية.
وأظهرت بيانات حديثة صادرة عن الإدارة العامة للجمارك الصينية أن إجمالي كميات النفط الروسي الموردة إلى الأسواق الصينية بلغ 57.28 مليون طن خلال الفترة من يناير إلى يونيو، مقارنة بنحو 49.11 مليون طن في النصف الأول من عام 2025.
وقفزت فاتورة الاستيراد الصينية للنفط الروسي بنسبة 31.1% على أساس سنوي لتصل إلى 33.13 مليار دولار خلال الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، مقارنة بنحو 25.27 مليار دولار سجلتها الشحنات في الفترة المماثلة من العام الماضي، بحسب وكالة تاس الرسمية.
الرابحون والخاسرون
كما أظهرت نتائج مسح أن الحرب لم تؤد إلى تعطيل جزء من تجارة الطاقة العالمية فحسب، بل أعادت توزيع الحصص بين كبار المنتجين والمصدرين.
فبينما خسرت بعض دول الخليج جزءاً من قدرتها على التصدير بسبب استهداف المنشآت أو اضطراب الملاحة، سارعت دول أخرى إلى ملء الفراغ والاستفادة من ارتفاع الأسعار وزيادة الطلب على الإمدادات البديلة.
وكانت الولايات المتحدة أكبر المستفيدين، إذ عززت صادراتها من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا وآسيا مع تراجع الإمدادات القادمة من الخليج.
وكشفت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن الولايات المتحدة حافظت على موقعها بوصفها أكبر منتج للنفط في العالم بإنتاج بلغ 13.59 مليون برميل يومياً خلال 2025، وهو ما منحها مرونة كبيرة في زيادة الصادرات عند تعطل الإمدادات الخليجية.
وفي سوق الغاز، ارتفعت حصة الولايات المتحدة من واردات الاتحاد الأوروبي من الغاز الطبيعي المسال من نحو 58% في 2025 إلى قرابة 63% خلال الربع الأول من 2026، وفق بيانات الهيئة الأوروبية لتعاون منظمي الطاقة ووكالة الطاقة الدولية، لتصبح المورد الأول للقارة الأوروبية.
وأوضحت بيانات مجموعة بورصات لندن أن صادرات الغاز الأميركي إلى آسيا ارتفعت إلى 3.68 ملايين طن في مايو 2026، مقارنة مع 2.71 مليون طن في إبريل 2026، لتسجل أعلى مستوى لها خلال عام، مدفوعة بفارق الأسعار بين السوقين الآسيوية والأوروبية.
وفي المقابل، انخفضت حصة أوروبا من الشحنات الأميركية إلى 5.13 ملايين طن مقابل 6.14 ملايين طن في الشهر السابق، بعدما تحولت الناقلات إلى الأسواق الأكثر ربحية في آسيا.
كما استفادت سلطنة عُمان من اضطراب الإمدادات الخليجية، إذ بدأت في إبريل 2026 تنفيذ أولى شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى ألمانيا بموجب عقود طويلة الأجل مع شركة تأمين إمدادات الطاقة لأوروبا (SEFE) الألمانية،
بينما أكدت الشركة أن الإمدادات تسير وفق الجدول الزمني رغم الحرب، في وقت ازدادت فيه أهمية الغاز العُماني باعتباره أحد البدائل للإمدادات القطرية.
وتبلغ الطاقة الإنتاجية للشركة العُمانية للغاز الطبيعي المسال نحو 10.4 ملايين طن سنوياً، ما عزز مكانة السلطنة مورداً بديلاً للأسواق الأوروبية.
وفي أستراليا وماليزيا ونيجيريا، ساعدت مرونة مرافق التسييل في اقتناص جزء من الطلب الإضافي على الشحنات الفورية.
فقد أظهرت بيانات "كبلر" عودة شحنات أسترالية إلى أوروبا في تحركات نادرة مع اتساع فروق الأسعار، بينما أعلنت الشركة الوطنية النيجيرية للنفط عن تزايد اهتمام المشترين الدوليين بشحنات الغاز النيجيرية منذ مارس 2026، بالتزامن مع اضطرابات الشرق الأوسط.
ووفق بيانات نشرتها دورية "إل إن جي جورنال" المتخصصة، ارتفع إجمالي صادرات الدول الأفريقية من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 27% على أساس سنوي خلال الربع الأول من 2026، ليبلغ 11.32 مليون طن،
مع زيادة طلب المشترين الأوروبيين على الشحنات القادمة خصوصاً من نيجيريا والجزائر وأنغولا، في ظل اضطراب الإمدادات القطرية.
وشكلت نيجيريا أكبر مساهم في الصادرات الأفريقية بنحو 4.99 ملايين طن، تلتها الجزائر بـ2.04 مليون طن، ثم أنغولا بـ1.25 مليون طن.
وفي المقابل، دفعت الدول المستوردة ثمن هذه التحولات. فبحسب بيانات مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية، قفز متوسط العقود الآجلة للغاز الطبيعي المسال المتجه إلى آسيا خلال عام 2026 إلى نحو 12.95 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بزيادة 53% مقارنة بمتوسط عام 2025،
بينما ارتفعت العقود الأوروبية إلى 12.41 دولاراً، بزيادة 49% على أساس سنوي.
وجاءت هذه الزيادات مدفوعة بارتفاع أقساط التأمين، وإعادة توجيه الناقلات، والمنافسة بين أوروبا وآسيا على الشحنات الفورية، ما رفع كلفة تأمين الطاقة حتى بالنسبة للدول التي لم تتأثر مباشرة بانقطاع الإمدادات.
وتكشف هذه التحولات أن الحرب لم تحدث تغيراً مؤقتاً في تدفقات النفط والغاز، بل سرعت إعادة تشكيل موازين المنافسة بين المنتجين. فالدول التي تمتلك طاقات إنتاج احتياطية، وموانئ بديلة، وشبكات تصدير متنوعة، استطاعت توسيع حصتها في الأسواق العالمية،
بينما وجدت الدول الأكثر ارتباطاً بمضيق هرمز نفسها أمام تحديات غير مسبوقة في الحفاظ على حصتها التقليدية.
وأظهر مسح لبيانات وكالة الطاقة الدولية، وإدارة معلومات الطاقة الأميركية، ووكالة كبلر، أن أمن الإمدادات بات عاملاً تنافسياً لا يقل أهمية عن تكلفة الإنتاج أو حجم الاحتياطيات، وهو ما يرجح استمرار آثار هذه التحولات حتى بعد انتهاء الأزمة.