جدلية الصراع الأمريكي ـ الإيراني: حتمية الحسم ـ غياب التماس
تتهيأ منطقة الشرق الأوسط لأكبر موجة من الحروب، إذ بدأت ملامحها وتجلياتها على وقع التهديدات الأمريكية بالتحضير لضربة مؤلمة وقاسية لإيران، في الوقت الذي تتحضر طهران للرد بالمثل على كل هجوم أو اختراق، وارتفاع نبرة التحدي بقتل جندي أمريكي مقابل إيراني.
على الجبهة اللبنانية، تحاول الدولة الشرعية استعادة القرار السيادي والسياسي، وإمكانية حصر السلاح بيد الدولة، واستمرار المفاوضات مع «إسرائيل» برعاية أمريكية، والحديث عن إفشال محاولات إدخال كميات من الأسلحة والمتفجرات على الحدود السورية اللبنانية كانت متجهة لحزب الله.
في العراق الوضع مختلف تماماً، فالدولة الشرعية أضعف حالة منها واللبنانية بسبب التغلغل الإيراني في مفاصل الدولة وكثرة الأحزاب والميليشيات التابعة لها، إذ انبرت هذه الميليشيات ( أولياء الدم ) بالرد على القصف الأمريكي الذي طال معبر الشلامجة بين العراق وإيران، بضرب معبر العبدلي بين العراق والكويت، بالإضافة إلى الحدود الواسعة بين البلدين، تمتد الحدود بين إيران والعراق إلى 1458 كلم بدءاً من الممر المائي المسمى شط العرب (المعروف باسم أروند رود في إيران) إلى النقطة الحدودية الثلاثية المشتركة مع تركيا الحديثة في كوه دالنبر.
في اليمن، تحركت جماعة الحوثي (أنصار الله) وهددت الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب، بعد محاولة إيران إمداد الجماعة بالأسلحة من خلال الطيران المدني، وما تلاها من هجمات حوثية، والقصف السعودي الذي طال ميناء الحديدة والجوف ومأرب. هذه بداية لجولة دموية!
يُستشف من هذه التحركات وتزامنها، أن العملية العسكرية المعلنة من الولايات المتحدة أخذت طريقاً لا رجعة فيه، من ناحية إزالة التهديد الإيراني للملاحة في المضيقين، وبالتالي لا يمكن تأمينهما إلا بالقضاء على النظام الحالي، ودخول بريطانيا على الخط الساخن لا يحتاج إلى دليل، وبدورها طهران هددت لندن بالرد عليها سواءً بقصف مصالحها في الملاحة الدولية، أو ربما هناك صواريخ تصل إلى عمق لندن. الكيان الصهيوني قاب قوسين أو أدنى من الدخول مرة ثالثة بالحرب الدائرة فهي على أبواب انتخابات وبالتالي هي فرصة سانحة لا تعوض بإشغال المجتمع الصهيوني عن فكرة تغيير الحكومة أو محاسبة نتنياهو.
واشنطن بدورها تتحضر لانتخابات نصفية، ومحاولة الحزب الديمقراطي بفرض قوانين لتقييد ترامب في الحرب الدائرة، ونجاح الأخير إلى هذه اللحظة من المحاولات الفاشلة بزيادة الإنفاق والطلب من الكونغرس بدعم البنتاغون، إذ يعتبر الوضع مريح والبيئة الحربية ملائمة لتوجيه ضربة قاضية حاسمة تنهي الصراع قبل الوصول إلى الاستحقاقات الانتخابية.
يدعي ترامب أن هناك من الإيرانيين يطلب التفاوض، بينما التصريحات الواردة من مقر خاتم الأنبياء وجنرالات الحرس الثوري، وحتى بعض السياسيين كرئيس البرلمان محمد قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي تقول العكس، والاستعدادات لتوجيه الضربة بالضربة، والموقع بالموقع، والمعبر بالمعبر، والجسر بالجسر، والجندي بالجندي، والتهديد الفعلي بإغلاق المضيقين وفرض الرسوم القسرية.
هذا الجدل القائم بين طرفي الصراع، مرده إلى التناقض الواضح من واشنطن وأقصد سياسة ترامب التي تهدد في الصباح وتتراجع في المساء، وكأن الساحة أصبحت ساحة بازار، وبالتالي فإن الإيرانيين غير مستعدين لتقديم كل شيء مقابل لا شيء.
جدلية الصراع، وبقاء الوضع على ما هو، والغموض وإشكالية القراءة المختلفة لمذكرة التفاهم، وصياغتها وتأويلها وفق رؤية كل طرف، كلها عوامل تساعد في التصعيد المتدرج، وتنذر بحرب مدمرة ومكلفة للطرفين.
القوة الأمريكية الهائلة وقدرتها على التزود بالسلاح، والهيمنة المطلقة في الجو، تبقى عاجزة تماماً على الحسم، وبالتالي لا يمكنها المغامرة بالحرب البرية التي تقول طهران ميدانها وبيئتها. وحتى عجزها عن احتلال الجزر القريبة من الشواطئ الإيرانية.
قدرة طهران على الصمود لهذه اللحظة، تحسب لها لأنها صاحبة الأرض، وقدرتها على التكيف والتأقلم مع القصف الأمريكي يسجل لها على المديين القريب والبعيد،
وبالتالي على واشنطن أن تدرك أن مثل هذا النظام استعد لمثل هذه الهجمات. إلا أن ما يؤرق القادة الإيرانيين من هشاشة الجبهة الداخلية وشراء الذمم والمعارضة الخارجية، وفتح الحدود بالقوة لدخولهم وإحداث الفارق.
تخشى واشنطن من فخ البقاء في حالة الحرب، واستحالة الحسم، وبالتالي إذا أرادت التخلص من هذه العقدة، عليها أن تكون واضحة وتشرح أسباب العجز وتداعياته..
في المقابل طهران تستعد لاستراتيجية صمود تمتد لسنوات طويلة على الأقل حتى الفترة المتبقية من ترامب.
في ظل هذين الهدفين اللذين يعكسان الجدل في الصراع، لا يمكن اعتبارهما في حالة حرب بالمعنى المطلق إلا إذا أصبح هناك مناطق تماس.
٭ د. محمد عياش
كاتب فلسطيني وباحث سياسي