كيف تبرد الكعبة أثناء غسلها في فصل الصيف؟
في كل عام، تُفتح أبواب الكعبة المشرفة في مشهد إيماني ينتظره المسلمون حول العالم، غير أن خلف هذا المشهد تبدأ استعدادات دقيقة لا يراها كثر.
ومع تزامن مراسم الغسل مع أجواء الصيف وارتفاع درجات الحرارة في مكة المكرمة، تُهيأ أجواء البيت العتيق من الداخل عبر تجهيزات هندسية وتقنية خُصصت لمواكبة المراسم، في صورة تعكس العناية المتواصلة التي توليها المملكة للكعبة المشرفة والمسجد الحرام.
وعند باب الكعبة يُنصب سلم خشبي اعتاد الزوار رؤيته في كل موسم غسل، غير أن دوره يمتد إلى ما هو أبعد من تسهيل الوصول إلى الباب،
إذ يحتضن نظاماً متكاملاً صُمم لتهيئة الأجواء داخل الكعبة، يتضمن فتحات للتكييف المركزي وخزانات مخصصة لمياه التكييف، فضلاً عن تجهيزات أخرى ترافق مراسم الغسل وتدعم تنفيذها وفق أعلى المعايير.
نظام تكييف يهيئ أجواء الكعبة
ووفقاً لوكالة الأنباء السعودية (واس)، زُوّد سلَّم الكعبة بفتحات للتكييف المركزي تسهم في تبريد داخل الكعبة أثناء مراسم الغسل، كما يضم ثلاثة خزانات مخصصة لمياه التكييف لضمان استمرار عمل النظام طوال المراسم.
ويشتمل السلم كذلك على خزان مخصص لمياه غسل الكعبة، وآخر لمياه الرجيع، بما يوفر منظومة تشغيل متكاملة تراعي طبيعة هذا الحدث السنوي، وتسهم في تهيئة الأجواء داخل الكعبة خلال أعمال الغسل.
ويضم منصة بمحاذاة باب الكعبة تتيح الوصول المباشر إلى الداخل، وبسطة مخصصة لإنارة الكعبة، ويعمل بواسطة 24 بطارية تشغيل.
وصُنع السلم من أجود أنواع خشب الساج (التك)، ويبلغ طوله 5.65 متر وارتفاعه 4.80 متر وعرضه 1.88 متر، فيما يصل وزنه إلى نحو 6500 كيلوغرام، بما يحقق أعلى درجات الثبات والأمان أثناء الاستخدام.
ويتميز كذلك بإمكان تحريكه بسهولة عند الحاجة، ويتزين بزخارف إسلامية ونقوش عربية تجمع بين القيمة المعمارية والوظيفة العملية.
مراحل لمراسم الغسل
ومع اكتمال تجهيز الكعبة من الداخل، تبدأ مراسم الغسل بتنظيف الأرضية، ثم غسل الجدران والأعمدة والأرضيات بماء زمزم الممزوج بماء الورد ودهن الورد، قبل تجفيفها وتعطيرها بأفخر أنواع البخور والعطور.
وتنفذ المراسم عبر ثلاث مراحل رئيسة تشمل التحضير، ثم الغسل، وأخيراً التطييب والتبخير، باستخدام مواد تحضّر مسبقاً بعناية، من بينها 15 لتراً من ماء زمزم، و15 لتراً من ماء الورد، و15 لتراً من دهن الورد، إضافة إلى 100 ملليلتر من دهن العود.
وأكدت الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي أن جميع مراحل الغسل تُنفذ وفق أعلى معايير الدقة والطهارة والخصوصية، بما يليق بمكانة الكعبة المشرفة.
أدوات صممت خصيصاً للمناسبة
وامتدت أعمال التطوير إلى الأدوات المستخدمة في مراسم الغسل، إذ تضم المنظومة عربة خدمة صُممت خصيصاً لحمل الأدوات وتنظيمها أثناء المراسم،
فضلاً عن إناء لتحضير المواد ووعاء لسكب المياه وحافظة للسوائل وصندوق لحفظ المستلزمات ومبخرة لتبخير الكعبة، إضافة إلى حافظة للمناديل وقطعة قماش مخصصة لعمليات الغسل والتجفيف.
وجاءت هذه الأدوات ثمرة تعاون بين الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي والمعهد الملكي للفنون التقليدية "وِرث"، مع مراعاة الجمع بين الكفاءة الوظيفية والزخارف المستوحاة من الفن الإسلامي والهوية السعودية.
تقليد يتوارثه الزمن
ويُعد غسل الكعبة المشرفة من أعرق المراسم الإسلامية المرتبطة بتاريخ البيت الحرام،
ويشارك فيه عدد من المسؤولين وأعضاء السلك الدبلوماسي الإسلامي المعتمدين لدى المملكة، إلى جانب سدنة بيت الله الحرام من أسرة آل شيبة التي توارثت مهمة حفظ مفتاح الكعبة وفتح بابها والإشراف على مراسم الغسل منذ عهد النبي محمد.
وتعكس هذه المنظومة المتكاملة من التجهيزات والأدوات والإجراءات حجم العناية التي توليها المملكة للحرمين الشريفين، من خلال توظيف أحدث التقنيات والحلول الهندسية للمحافظة على الكعبة المشرفة، مع الحفاظ على تقليد إسلامي عريق ظل حاضراً عبر القرون.
محمد غرسان
صحافي سعودي