التصعيد الإسرائيلي مستمر في جنوبي سورية: تفاوض تحت النار
الرأي الثالث - وكالات
كثّف جيش الاحتلال الإسرائيلي من توغلاته في الجنوب السوري منذ مطلع العام 2026، بعد جولة التفاوض التي جرت في باريس في يناير/ كانون الثاني، رغم الإشارات الأميركية إلى إيجابية المفاوضات ودعم التفاهم لتحقيق السلام، إلى جانب السعي نحو تحقيق ترتيبات دائمة للأمن.
وتعكس التوغلات الإسرائيلية المستمرة في الجنوب السوري سعياً للتفاوض تحت النار مع الحكومة السورية الجديدة، حيث قصفت ليلة الثلاثاء - الأربعاء قرية الصمدانية الشرقية في ريف محافظة القنيطرة جنوب غرب سورية،
وارتكبت خلال يناير/ كانون الثاني 143 انتهاكاً، منها 131 في محافظة القنيطرة، و10 في درعا، وانتهاكان في محافظة ريف دمشق، بحسب تقرير لنشطاء وإعلاميين وثقوا فيه 48 عملية توغل باستخدام الآليات العسكرية الثقيلة،
فيما أكدوا أنه "نمط ممنهج لفرض واقع أمني وتعزيز سيطرة ميدانية وبث حالة من القلق بين السكان".
ووفق التقرير المفصل، أقامت القوات المتوغلة التابعة لجيش الاحتلال 20 حاجزاً مؤقتاً، أوقفت خلالها المدنيين، واحتجزت 19 منهم، ومن بينهم أطفال، في إشارة إلى أن هذا النوع من الممارسات جزء من سياسة تهدف إلى منع السكان من الوصول إلى مصادر رزقهم، كون معظم عمليات التوقيف طاولت رعاة أغنام، وسبَّب أيضاً جيش الاحتلال نفوقَ مواشٍ لهم.
ونفذ جيش الاحتلال، وفق التقرير، 10 حملات دهم وتفتيش، استجوبوا خلالها سكاناً، وارتكبوا عمليات تخريب للممتلكات، إلى جانب عمليات ترهيب بالسلاح، وعمليات قصف طاولت محيط القرى المأهولة بالسكان، في كل من محافظتي القنيطرة ودرعا، بالتزامن مع تحليق الطائرات الحربية والمروحية التابعة لجيش الاحتلال في أجواء المحافظتين.
ومنذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، اختطف جيش الاحتلال 118 مدنياً سورياً، منهم 38 شخصاً ما زالوا قيد الاحتجاز، بينما أفرج عن 80، علماً أن 73 منهم اختطفوا لقرابة 24 ساعة، بينما اختطف 7 آخرون لفترات تجاوزت الشهرين.
مفاوضات تحت النار
ودخلت المفاوضات ما بين الحكومة السورية وإسرائيل بعد سقوط نظام الأسد مساراً واضحاً، كما يرى الخبير في العلاقات السورية الإسرائيلية خالد خليل،
حيث أصبحت "علنية ومباشرة، وبتمثيل دبلوماسي عال، وبرعاية أميركية، بوجهات نظر متقاربة ما بين دمشق وواشنطن، على حساب زيادة الفجوة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو".
وبعد جولة المفاوضات الأخيرة التي عقدت في باريس في يناير/ كانون الثاني الماضي، يشير خليل إلى "حل نحو 90 % من المشكلات بين سورية وإسرائيل، وفق تطلع الولايات المتحدة للوصول إلى اتفاق "كفّ الاعتداء""
مشيراً إلى التوافق على إنشاء غرفة مشتركة، واستبدال الشرط الإسرائيلي بوجوب منطقة منزوعة السلاح بتحويلها إلى واحة اقتصادية.
ورغم المخرجات الإيجابية لجولة مفاوضات باريس، تواصل إسرائيل اعتداءاتها وانتهاكاتها في الجنوب السوري، باعتبارها نوعاً من الحفاظ على أجواء المفاوضات تحت الضغط أو المفاوضات تحت النار،
كما أشار خليل، مضيفاً: "نرى أن تل أبيب تحاول الحفاظ على ما يسمى الوضع الراهن أو خط الستاتيكو، وتريد فرض هذه الوقائع إلى حين التوصل إلى نوع من التفاهمات"،
مبيناً أن "المفاوضات خلال عام كامل مرّت بمرحلة شد الحبل دون نتائج سوى جولة تفاوض باريس 3، التي كانت بمثابة اتفاق مبادئ بانتظار ترجمتها على أرض الواقع"، مشيراً إلى أن إسرائيل تحاول مواصلة انتهاكاتها إلى حين التوصل إلى صيغة نهائية.
وترتبط الانتهاكات ببعد مرحلي تكتيكي، كما يصف خليل، وهي "تتعلق بأهداف شخصية وانتخابية لبنيامين نتنياهو، وليست ذات بعد استراتيجي، لأن المعادلات الكبرى أو التحول الكبير في المنطقة يفرض الذهاب إلى التسويات الكبرى والقليل من الحروب".
خطوط حمراء
وتضع الحكومة السورية خطوطاً حمراء في التفاوض، وفق خليل، فهي "لا تفاوض على السياسة والحقوق والأراضي، إضافة إلى أنها تطالب بانسحاب الجيش الإسرائيلي وكفّ الاعتداءات إلى حين التوصل إلى ترتيبات أمنية،
بينما لم تظهر إسرائيل أي جدية، فهي تجلس على طاولة المفاوضات من جهة، وتمارس الاعتداءات الصارخة والخطرة من جهة ثانية".
ولفت خليل إلى "خطر يهدد سورية الجديدة، وهو محاولة إسرائيل تحويل الجنوب السوري إلى "ضفة غربية ثانية"، عبر ممارسة جميع أدواتها الاحتلالية التي تطبقها في الضفة الغربية في الجنوب السوري"
لافتاً إلى أن "هذا البعد قد يكون تكتيكياً بسبب التباين في ترتيب الأولويات السياسية في المنطقة".
وبعد جولة المفاوضات التي عقدت في يناير/ كانون الثاني بباريس، أقرّت الحكومة السورية وإسرائيل إنشاء خلية اتصال مخصصة لتسهيل التنسيق الفوري بخصوص المعلومات الاستخبارية، وخفض التصعيد العسكري، والانخراط الدبلوماسي، والفرص التجارية، وذلك تحت إشراف الولايات المتحدة، وفق وزارة الخارجية الأميركية.
بدوره، أشار المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو إلى الحاجة إلى جولة مفاوضات جديدة بين سورية وإسرائيل، مشيراً، في تصريحات صحافية، إلى أن "فرنسا تحاول إقناع إسرائيل بأن سورية لا تشكل خطراً عليها"
مبيناً أن "موقف فرنسا متقارب مع موقف الولايات المتحدة".
واحتل الجيش الإسرائيلي العديد من المواقع في سورية بعد سقوط نظام الأسد، ودخل أيضاً مواقع في جنوب البلاد، منها مرصد جبل الشيخ والقنيطرة المهدمة ونقطة المحافظة التي انسحب منها في وقت لاحق.
كما أنشأ قواعد عسكرية في جبل الشيخ وقرص النفل وجباثا الخشب والقنيطرة المهدمة، إلى جانب قواعد عسكرية في العدنانية والحمدانية وتل أحمر غربي في ريف القنيطرة، وقاعدة سرية الجزيرة بريف درعا الغربي، حيث تنفذ قوات الاحتلال عمليات التوغل انطلاقاً من هذه القواعد العسكرية.