الحوثيون يشعلون جبهة تعز: نقاط الاشتباك وخريطة السيطرة
الرأي الثالث
في سياق التصعيد العسكري الأخير في جبهات الصراع اليمني، تتداخل العوامل التي تمنح جبهة تعز أهمية عسكرية.
وإذا كانت الجبهة الغربية للمحافظة، والتي تضم مديريتي مقبنة وجبل حبشي ومعهما المديريات الساحلية الواقعة غربي المحافظة، قد تصدرت الجبهات من حيث الأهمية لطرفي الصراع، نتيجة قيمتها الجيوسياسية والاقتصادية لضمها مضيق باب المندب وميناء المخا، فإن مدينة تعز التي تمثل مركز المحافظة تتضمن حسابات عسكرية مغايرة تماماً تعكس تباين أهداف الجانبين،
فالشرعية ترى أن الجغرافية تمثل عمود أهدافها العسكرية بهدف تحرير ما تبقى من مديريات تحت سيطرة الحوثيين، في حين تُبنى الأهمية لدى الجماعة على العوائد الاستراتيجية والإيرادية بأقل كلفة ممكنة.
تعز المحافظة الأكبر من حيث عدد السكان، إذ يقترب عددهم من أربعة ملايين نسمة، وتتكون إدارياً من 23 مديرية (ثلاث منها تمثل مركز المدينة). ولا تقاس خريطة النفوذ والسيطرة فيها بحجم المساحة الجغرافية وحدها، بل تتداخل معها اعتبارات السيطرة على المواقع الحيوية والتحكم العسكري بالأرض.
خريطة السيطرة في تعز
وإسقاطاً على هذه المعايير، تتوزع خريطة السيطرة بين الأطراف الفاعلة، إذ تحظى الحكومة الشرعية بمساحة واسعة تشمل مديريات مشرعة وحدنان، وصبر الموادم، والمسراخ، والمعافر، وجبل حبشي، والمواسط، والشمايتين، والصلو، فضلاً عن أجزاء واسعة من مديريات المدينة الثلاث (المظفر، القاهرة، صالة)، ومديرية سامع التي يتقاسم الطرفان السيطرة عليها.
وفي المقابل، تسيطر "المقاومة الوطنية" بقيادة العميد طارق صالح على المديريات الساحلية الأربع (المخا، وذوباب، وموزع، والوازعية)، وأجزاء قليلة من مديرية مقبنة، بينما تحكم جماعة الحوثيين سيطرتها المطلقة على الأطراف الشمالية والشرقية التي تشمل مديريات شرعب السلام، وشرعب الرونة، وخدير، وحيفان، وماوية، والتعزية، ومقبنة، وأجزاء من جبل حبشي والصلو.
ونتيجة لهذا التموضع، تحتفظ الجماعة بمنطقة الحوبان الاستراتيجية التي تضم الثقل الاقتصادي والصناعي ورافعاتها المالية الأساسية، وهو حضور ميداني تمثل في التطويق العسكري من الجهات الشمالية والشرقية والشمالية الغربية، ليمنحها القدرة على التحكم المطلق بالمداخل الرئيسية ــ باستثناء المدخل الجنوبي الواقع تحت سيطرة الشرعية ـ وإحكام حصار مطبق، فصل المدينة عن عمقها الحيوي.
بناءً على ذلك، تتبدل ملامح أهداف الحوثيين في تعز. فبدلاً من المعارك الكبرى والصدمات العسكرية المباشرة التي ميزت السنوات الأولى للحرب التي بدأت العام 2015، تدير الجماعة صراعاً هادئاً ومدمراً يعتمد على فرض "الحصار" باعتباره استراتيجية بديلة للسيطرة الميدانية. وبينما تشهد مديريات الساحل الغربي معارك محتدمة، تبدو الجبهات المحيطة بمدينة تعز مغايرة تماماً،
إذ تكتفي الجماعة بمناوشات واشتباكات متقطعة، تستهدف إحداث خرق تكتيكي محدود في القطاع الغربي، وتحديداً في مناطق حذران، وجبل هان، والضباب. ولا تسعى هذه المناوشات للتقدم الشامل بقدر ما تستهدف السيطرة العسكرية ــ ولو نارياً ــ على الخط الرئيسي الرابط بين تعز وعدن، ليتحول الشريان الإنساني والاقتصادي الوحيد للمدينة المحاصرة إلى هدف دائم للخنق، بما يضمن استنزاف البنية الحياتية لأبناء تعز وإبقائها رهينة حصار مطبق دون كلفة الاجتياح الباهظة.
وفي المشهد الراهن، عكس التصعيد الميداني الأخير الذي قاده الحوثيون فجر الخميس الماضي، والذي مهدت له الجماعة بإطلاق 14 صاروخاً باليستياً وطائرات مسيّرة واستمر لنحو 15 ساعة، طبيعة المعارك الضارية في القطاع الغربي،
إذ انطلقت الهجمات المتزامنة، مستهدفة محاور تنتشر فيها قوات الجيش والمقاومة، بما فيها قوات لواء "النصر".
ورغم تحقيق الحوثيين اختراقات مؤقتة تمكنوا من خلالها الوصول إلى مواقع حيوية مثل جبل نعمان الاستراتيجي المشرف على قرى الأشروح وبني بكاري في مديرية جبل حبشي،
إلا أن خريطة الميدان ظلت متأرجحة، بفعل عمليات الكر والفر. وسارعت قوات الجيش والمقاومة إلى شن هجمات معاكسة أسفرت عن استعادة العديد من تلك المواقع.
وتركزت الاشتباكات في جبهات الأحطوب والطوير والكويحة وجبل العويد وجبل غباري. وعلى امتداد جبهة الكدحة ــ التي تمثل حلقة ربط محورية وحيوية بين تعز والساحل الغربي ــ نجحت القوات الحكومية في امتصاص هجوم الحوثيين وصدّه ودحر المهاجمين، داحضةً الشائعات حول سقوط الكدحة.
ولم يقتصر المشهد الميداني على المواجهات العنيفة، بل رافقته تحولات استراتيجية تمثلت في وصول تعزيزات عسكرية مساندة من قوات "العمالقة" و"درع الوطن" إلى تعز والساحل الغربي لتعزيز الجاهزية القتالية،
في وقت كشفت فيه مصادر ميدانية عن تطور لافت تمثل في رصد مقاتلين أفارقة ضمن صفوف القوة الحوثية المهاجمة ــ بين قتلى ومصابين ــ يُعتقد أنه جرى تجنيدهم قسراً بعد احتجازهم في معاقل الجماعة شمالاً.
مخاوف من اتساع رقعة النزوح
وتثير عودة المعارك إلى غرب تعز مخاوف واسعة من اتساع رقعة النزوح، في ظل امتداد القتال إلى مناطق قريبة من الطرق الحيوية التي تربط مدينة تعز بالساحل الغربي، وتصعيد الحوثيين، باستهداف جسر الوازعية الذي يعد أحد المسارات المهمة لحركة المدنيين ونقل البضائع، في محاولة لتعطيل حركة السير وقطع التواصل بين المنطقتين.
وعليه، فإن أي استهداف لهذه المنافذ يعني شللاً تاماً لحركة الحياة، ومضاعفة قاسية لمعاناة ملايين السكان المحاصرين، حيث تتركز هجمات الحوثيين ومناوشاتهم المستمرة على محاولة إحداث اختراقات ميدانية لقطع الطرق الرئيسية، وتحديداً الخط الواصل بين مدينة تعز ومدينة المخا غرباً، والخط الرئيسي الواقع جنوب غربي المدينة والذي يربطها بالعاصمة المؤقتة عدن.
وتهدف الجماعة من وراء ذلك إلى قطع هذين الشريانين نهائياً، أو إبقائهما رهينة للتهديد والنيران المستمرة لتعطيل حركة النقل التجاري والمدني، سعياً لإعادة إنتاج حصار خانق يماثل في قسوته الحصار الذي فرضته على المدينة في عامي 2015 و2016.
وتكمن الغاية الاستراتيجية من هذا الخنق الممنهج في محاولة كسر إرادة الحاضنة الشعبية، وتطويع صمود المدينة، عبر تجفيف مقومات بقائها.
كما تهدف الجماعة إلى عزل مدينة تعز وقطع اتصالها بالساحل والمخا لفرض حصار مطبق عليها. ولا ينعزل هذا التصعيد عن المسار السياسي،
إذ تحول الجماعة ورقة المعابر وتهديد الطرق الرئيسية إلى أداة ابتزاز وضغط تفاوضي دائم، توظفها في أي محطات أو مشاورات إقليمية ودولية قادمة، لانتزاع مكاسب سياسية على حساب معاناة إنسانية مستدامة.
نموذج لاقتصاد الحرب
بالنسبة لمدينة تعز (مركز المحافظة)، يُعد استمرار الوضع العسكري الحالي نموذجاً مثالياً لـ"اقتصاد الحرب" الذي تديره جماعة الحوثيين، فهي تحكم قبضتها على منطقة الحوبان، شمال شرقي المدينة، والتي تمثل الثقل الصناعي والاقتصادي الأبرز بضمها المصانع الكبرى، وشركات التجارة الوطنية، والأسواق الرئيسية، فضلاً عن السيطرة المطلقة على منافذ الدخول والخروج الشرقية.
وفي المقابل، تنجح الجماعة في التخلص تماماً من الأعباء الخدمية والتشغيلية الباهظة، إذ هي معفاة من دفع رواتب الموظفين، أو تقديم الخدمات العامة، أو صيانة وتوفير البنى التحتية في الأحياء الواقعة تحت إدارة السلطة الشرعية داخل مدينة تعز،
والتي تضم الكثافة السكانية الأكبر. وعوضاً عن تحمل كلفة إدارة مدينة معقدة، تجني الجماعة أرباحاً مالية هائلة ووفيرة من خلال فرض الجبايات والرسوم الجمركية والضرائب المزدوجة على حركة الشاحنات والبضائع عند حواجز التفتيش.
وبهذه المعادلة، يحقق الوضع الحالي للحوثيين مكاسب مادية مستدامة تضمن لهم تمويل عملياتهم القتالية، دون تكبد أي كلفة سياسية أو مدنية تذكر.
استحالة خيار اقتحام أحياء مدينة تعز
عسكرياً، تدرك قيادة جماعة الحوثي - استناداً إلى تجربة معارك عامي 2015 و2016 - استحالة الإقدام على خيار اقتحام أحياء مدينة تعز الداخلية دون الانزلاق إلى مستنقع مكلف وباهظ الثمن. وتتصدر الاعتبارات الطبوغرافية والميدانية المشهد،
إذ تتسم المدينة بتداخل معقد للأحياء السكنية المكتظة، وتحيط بها تضاريس جبلية وعرة، أبرزها جبل صبر، الذي يشكل حصناً طبيعياً ومرتفعاً حاكماً يمنح قوات الحكومة الشرعية أفضلية استراتيجية واضحة في الدفاع عن المدينة.
تضاف إلى ذلك الخبرة القتالية الطويلة والمتراكمة لدى الفصائل المحلية وسكان تعز، الذين طوّروا على مدى سنوات الحصار مهارات عالية في القتال الموضعي وحرب العصابات والدفاع المستميت عن منازلهم، في ظل بيئة حاضنة شعبياً بشكل واسع للقوات الحكومية.
كما تدرك قيادة الحوثيين أن أي معركة قادمة داخل الأحياء ستكون خسائرها أضعاف ما تكبدته في بداية الحرب، فهي لم تعد تواجه مجاميع شعبية عفوية فحسب، بل تصطدم اليوم بجيش نظامي مدرب ومزود بعتاد عسكري قوي، إلى جانب إرث متراكم من القتال الذي بدأ مع وحدات اللواء 35 مدرع باعتباره أول لواء أعلن ولاءه للشرعية في تعز.
وعليه، فإن فكرة التقدم البري داخل الأحياء السكنية تمثل للحوثيين انتحاراً عسكرياً من شأنه إغراق الجماعة في حرب استنزاف بشرية ومعنوية قاسية، قد تقوض تماسك قواتها وتزعزع جبهاتها في محافظات أخرى.
وإلى جانب البعد البشري، يصطدم الخيار بمأزق "انعدام العائد الاستراتيجي". فحتى لو افترضنا نجاح الاجتياح، فإن السيطرة ستكون على مدينة محطمة ومبنية على أنقاض دمار كلي، لا تمنحها أي عمق استراتيجي أو مقومات إنتاجية توازي حجم التضحيات الكارثية المطلوبة، وهو ما يجعل "الحصار والإنهاك" الخيار الأوحد والأكثر براغماتية من منظورهم العسكري.
محاولة لقطع الخط بين تعز والمخا
ويؤكد المحلل العسكري العقيد سرحان المحيا، أن تحويل الحوثيين لثقلهم الهجومي نحو الجبهة الغربية ومحاور مقبنة والكدحة يأتي اعتماداً على كون تلك المنطقة واسعة ومترامية الأطراف، بهدف محاولة قطع الخط الواصل بين مدينة تعز ومدينة المخا.
ويشدد المحيا على أن "أحلام الحوثيين بالسيطرة على خط الضباب وخط تعز المخا، وإغلاق الممرات المتبقية تحت سيطرة قوات الشرعية، أمر بعيد المنال، ولن تستطيع قوات الحوثي تحقيقه"،
موضحاً أنه "ثبت نظرياً وعملياً أن أي مساحة خسرتها قوات الحوثيين في محافظة تعز لا تستطيع استعادتها رغم محاولاتها المتكررة".
ويوضح المحلل العسكري أن "جماعة الحوثي باتت تفضل استراتيجية الحصار بدلاً من التقدم المباشر لتجنب الخسائر البشرية الكبيرة، خصوصاً أن قوات الشرعية المتمركزة في جبهات تعز والساحل الغربي أثبتت تمرساً عالياً، وأجادت فن الدفاع بإصرار وعناد، ما يجعل أي معركة تنتهي بخسارة الحوثيين وانتصار الشرعية".
ويضيف أن "مواقع الجيش الوطني داخل تعز باتت عصية بالمعنى الحرفي، بفضل التحصينات الهندسية المتينة التي تتكامل مع الطبيعة الجغرافية الوعرة والموانع المبتكرة، إلى جانب التطبيق الحرفي لمبادئ الإخفاء والتمويه،
وكل ذلك خلق قناعة متكاملة لدى الحوثيين باستحالة تحقيق أي اختراق، بغض النظر عن طول أمد الحرب أو كثافة النيران، ما يجعل الهجمات تعود عليهم بالخسائر البشرية والمادية".
ويشير المحيا إلى أن "إتقان منتسبي الجيش الوطني مهارات حروب الشوارع والمدن، إلى جانب تحول السكان المحليين في تلك المناطق إلى سند مقاتل، وصعوبة الحصول على المعلومات، أفقد الحوثيين ميزة الاستطلاع الدقيق".
ويؤكد أن كل ما سبق "ولد قناعة تامة عند الحوثيين بأن أمر استعادة متر واحد في تعز أصبح محالاً ومستحيلاً، وبالتالي يعتمد الحوثيون على استراتيجية الحصار لإدراكهم استحالة الاجتياح".
تفضيل الحوثيين خيار الخنق
بدوره، يؤكد الباحث في الشؤون العسكرية والأمنية عاصم المجاهد، أن جماعة الحوثيين لا تتجه حالياً نحو خيار اقتحام مدينة تعز، مرجعاً ذلك إلى إدراك الجماعة بأن مثل هذه المعركة ستكون "مكلفة جداً" وقد تتحول إلى حرب استنزاف طويلة الأمد.
ويوضح أن "طبيعة تعز الجغرافية الوعرة، والمرتفعات المحيطة بها، وطبيعة القتال المعقد داخل المناطق السكنية، تجعل أي هجوم واسع مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج".
ويضيف أن "القوات المدافعة عن المدينة راكمت خبرة ميدانية طويلة في حروب المدن والجبال، وهو ما دفع الحوثيين لتفضيل استراتيجية الخنق والاستنزاف على الدخول في معركة اقتحام مباشرة".
ويعتبر الباحث العسكري أن الحصار المفروض على المدينة هو "استراتيجية عسكرية متعمدة" تهدف إلى إضعاف تعز اقتصادياً وإنسانياً وعسكرياً، ودفع القوات المدافعة إلى حالة إنهاك مستمرة.
وفي هذا السياق، يشدد على أن "الحوثيين يدركون أن السيطرة على طرق الإمداد ستمنحهم القدرة على خنق المدينة تدريجياً وإعادة إنتاج نموذج الحصار للسنوات الأولى للحرب".
ويبيّن أن "الهدف الحوثي في المرحلة الحالية يتركز على إنهاك تعز للوصول بها إلى مرحلة تفقد فيها قدرتها على الصمود، بهدف استنزاف الشرعية وابتزازها سياسياً وعسكرياً".
ويشدد المجاهد على أن "الخطر الحقيقي لا يكمن في هجوم مباشر، بل في نجاح الحوثيين في قطع شرايين الإمداد وتحويل الحصار إلى واقع دائم.
وبناءً على ذلك، تظل الجبهة الغربية هي مفتاح معركة تعز، فإذا بقيت طرق الإمداد مفتوحة وظلت القوات قادرة على المناورة، سيبقى مشروع الخنق معطلاً، بينما قطع هذا الممر يعني إخضاع المدينة دون الحاجة لاقتحام شامل".
فخر العزب
صحافي يمني