سيطرة الحوثيين على باب المندب تزيد الضغوط داخلياً وخارجياً
الرأي الثالث
تحولت معركة الساحل الغربي في اليمن وسيطرة الحوثيين عليه، إلى نقطة تحول عسكرية وسياسية، محلية وإقليمية. يعود ذلك إلى أن سيطرة الحوثيين جاءت إثر تهاوي دفاعات القوات الحكومية اليمنية في مدينة المخا وتساقط المواقع تباعاً في الساحل الغربي للبلاد، ما مكن الجماعة من التقدم في تلك المناطق وصولاً إلى مضيق باب المندب في البحر الأحمر.
ويمتلك الشريط الساحلي الغربي لليمن أهمية استراتيجية فريدة تتقاطع عندها حسابات التجارة العالمية والأمن القومي، وهو ما يفسر الصراع المحتدم حوله وتسابق أطراف النزاع والقوى الدولية والإقليمية للسيطرة عليه.
اقتصادياً، يمثل الساحل الغربي رئة دولة اليمن وعصب وارداتها، إذ يضم موانئ حيوية واستراتيجية كالحديدة والصليف ورأس عيسى والمخا، الواقعة على خطوط الملاحة الدولية المؤدية إلى قناة السويس المصرية؛ ومن ثم فإن السيطرة عليه تعني التحكم المطلق في تدفق السلع الأساسية والغذاء والتجارة الخارجية لبلد يعتمد كلياً على الاستيراد.
صدمة سقوط الساحل الغربي
وفي أعقاب الصدمة التي خلّفها سقوط الساحل الغربي تجد الحكومة المعترف بها دولياً والتحالف بقيادة السعودية أنفسهم أمام مفترق طرق مصيري يستدعي صياغة استراتيجية متكاملة لاستعادة زمام المبادرة.
ويتصدر المشهد مساران رئيسيان، أولهما عسكري يرتكز على إعادة التموضع، وتقييم أسباب الانهيار الميداني، وتوحيد الفصائل والتشكيلات تحت مظلة قيادة مركزية تتبع وزارة الدفاع، سواء للتهيئة لحرب استنزاف أو لهجوم مضاد مدروس؛ وثانيهما دبلوماسي يستثمر المخاوف الدولية المرتبطة بأمن الملاحة في باب المندب لحشد دعم لوجستي واستخباراتي نوعي.
وأعلن مسؤولون يمنيون، أمس الثلاثاء، أن الحوثيين شنوا موجة جديدة من الهجمات على السعودية وعززوا مواقعهم على ساحل اليمن الغربي على مشارف باب المندب على البحر الأحمر، في الوقت الذي جرت فيه مداولات عاجلة في الرياض بخصوص كيفية الرد على تقدمهم السريع.
وأفاد التحالف العربي، أمس الثلاثاء، أن هجمات الحوثيين تسببت في إصابة 13 مدنياً بجروح. وأصدر الدفاع المدني السعودي أمس الثلاثاء تحذيرات من مخاطر محتملة في ست مدن، وهي ينبع وجدة وأبها وجازان والعلا والطائف، قبل أن يعلن زوال الخطر لاحقاً.
ورداً على هجوم الحوثيين، كثفت القوات الجوية السعودية واليمنية قصفها أهداف الحوثيين، بما في ذلك المناطق المحيطة بميناء المخا، غير أن مسؤولين في الحكومة اليمنية قالوا لوكالة رويترز، إن الحوثيين حافظوا على سيطرتهم الفعلية على ساحل اليمن الغربي بالكامل تقريباً.
وقال أحد المسؤولين اليمنيين لـ"رويترز"، إن الحوثيين يتعرضون لضغوط شديدة، وإن كانوا يمارسون المزيد من الضغط على السعوديين ويكثفون حملتهم من الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيرة.
وأفادت مصادر عن تعرض مواقع الحوثيين، فجر أمس الثلاثاء، لغارات جوية في منطقة الحوبان شرقي مدينة تعز، فيما أعلنت قوات العمالقة إسقاط ثلاث طائرات مسيّرة حوثية في جبهتي كهبوب في باب المندب وبيحان بمحافظة شبوة، بالتزامن مع تصعيد حوثي تجاه السعودية، وفق مصادر وبيانات عسكرية متفرقة.
من جهتها، ذكرت منظمة هيومن رايتس ووتش، أمس الثلاثاء، أن هجمات الحوثيين الأخيرة على سفن تجارية في البحر الأحمر وخليج عدن "ترقى على الأرجح إلى جرائم حرب".
وأضافت في بيان، أن "الهجمات جاءت عقب إعلان الحوثيين في 20 يوليو/تموز 2026 فرض حظر بحري على السعودية، رداً على ما زعموا أنه حصار بحري وجوي سعودي على اليمن، حيث يسيطر الحوثيون على الجزء الشمالي الغربي من البلاد".
وأوضحت المنظمة أن" الهجمات الجديدة استهدفت سفينتَيْن على الأقل ترفعان علم السعودية، وسفينة ترفع علم تنزانيا، وأخرى ترفع علم دومينيكا" مشيرة إلى أن "الهجمات على المدنيين أو الأعيان المدنية، إذا نُفذت عمدا أو بتهور، تشكل جرائم حرب".
وذكرت وسائل إعلام سعودية رسمية أن ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، اجتمع في جدة مساء الاثنين، مع قائد القوات الأميركية في المنطقة الأميرال براد كوبر، وذلك بعد أيام من كشف الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تواصل مباشر مع الحوثيين، خلال زيارته إلى أيرلندا السبت الماضي.
وقال: "لقد أجرينا نقاشات... اتصل بنا الحوثيون وهم لا يريدون قتالنا"، مضيفاً "لا يريدوننا أن نهاجمهم". وأضاف أن "كل شيء سيسير على ما يرام وبشكل رائع" في المنطقة.
وأوضح ترامب، الذي جاء كلامه بعد سقوط الساحل الغربي في اليمن، أن الجماعة أبلغت واشنطن بأنها لا تريد أن تلاحقها الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن هناك "دولة واحدة ليست الجماعة سعيدة جداً بها" دون أن يسميها أو يوضح مقصده.
من جانبه، أوصى جيش الاحتلال الإسرائيلي المستوى السياسي بتجنّب المبادرة لشن هجوم ضد جماعة الحوثي في اليمن، والامتناع عن خطوات قد تضع إسرائيل في مركز المواجهة العسكرية معهم.
وجاء في التفاصيل التي نقلتها صحيفة هآرتس العبرية، أمس الثلاثاء، عن مصدرين كبيرين في المنظومة الأمنية الإسرائيلية، أن مسؤولين في الجيش الإسرائيلي، قالوا خلال نقاشات مغلقة عُقدت في الأيام الأخيرة، عقب سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وعلى نقاط استراتيجية إضافية قرب مضيق باب المندب والممرات المائية، إنه يجب في هذه المرحلة التركيز على جهد سياسي لإنشاء تحالف دولي وإقليمي.
وأبدى المسؤولون في جيش الاحتلال اعتقادهم أن التهديد الحوثي يتجاوز السياق المحدود المتعلّق بإسرائيل، ورأوا أيضاً أن التهديد بالسيطرة على المضيق، الذي يُعد أحد أهم مسارات التجارة في العالم، له تأثيرات واسعة على استقرار الاقتصاد العالمي، وعلى حركة الملاحة في الممرات البحرية الدولية.
ولفتت "هآرتس"، إلى قول مصادر عسكرية لم تسمّها، إنه وفقاً لتحليل ردود دول المنطقة، فإن "السعودية ومصر قلقتان جداً جرّاء سيطرة الحوثيين على مناطق جديدة في الأيام الأخيرة،
كما تخشى القاهرة تداعيات أمنية واقتصادية مباشرة على حركة السفن في قناة السويس، فيما تشعر السعودية، بأنها تُركت دون ردّ أميركي كاف في مواجهة هجمات الحوثيين، ما يعزّز استعداد هذه الدول للاندماج في تحالف إقليمي عبر قنوات دبلوماسية".
واستبعد الخبير عبد الرحمن الربيعي، نظرية "المؤامرة أو الخيانة"، مؤكداً أن "ما حدث يظل في إطار المعارك العسكرية التي تحتمل الخسارة دون أن تعني خسارة الحرب برمتها".
وأوضح الربيعي أن "المعركة سبقتها مؤشرات مبكرة تمثلت في تصعيد الحوثيين عبر الهجمات الصاروخية والمسيرات لاستهداف الموانئ وبنية الإمداد بهدف تنفيذ استراتيجية كماشة لإجهاض قوات طارق صالح وتهديد خطوط الظهر عبر محاور البرح والوازعية".
وبحسب الربيعي، فإن "القوات أبدت استماتة واضحة في الميدان، غير أن الكثافة النارية الهائلة والموجات البشرية للخصم أفرزت ضغطاً استراتيجياً دفع القيادة إلى اتخاذ قرار بإعادة التموضع لتفادي الحصار الكلي".
وعن الأسباب التقنية والتكتيكية للانهيار، أشار الربيعي إلى "غياب التدريب الكافي للضباط والأفراد على عمليات المناورة المعقدة والانسحاب التكتيكي تحت ضغط العدو ونيرانه، وهي مهارات تتطلب جيوشاً مدربة تدريباً عالياً في أوقات السلم،
فضلاً عن إخفاق العمل الاستخباري وغياب الخطط المسبقة لخطوط الأنساق الدفاعية البديلة؛ وهو ما أدى إلى تحول عملية إعادة التموضع المدروسة إلى خروج فوضوي غير منظم وفقدان السيطرة الميدانية".
وفي ما يتعلق بالخيارات والخطوات المستقبلية لاستعادة الزمام بعد الساحل الغربي في اليمن، لفت الربيعي إلى أن "القوات الشرعية والتشكيلات المساندة، رغم قسوة الضربة، ما زالت تنتشر على مساحة واسعة وتمتلك القدرة على تدارك الموقف عبر تقييم شفاف للأخطاء وإعادة رسم الخطط العملياتية".
وختم بالإشارة إلى بعد استراتيجي إقليمي بالغ الأهمية يتمثل في التحركات الدبلوماسية والعسكرية المشتركة
مبرزاً أن "زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى القاهرة تأتي في توقيت حاسم لمواجهة التهديدات المتصاعدة في باب المندب والبحر الأحمر في ظل المتغيرات الدولية،
حيث تملك السعودية الإمكانات المالية والسياسية وتلتقي مع القدرات العسكرية الهائلة لمصر، مما يضع الأمور أمام منعطف جديد لمعالجة الاختلالات على عجل واستعادة التوازن الاستراتيجي في اليمن".
بدوره، أكد المحلل السياسي عبد الله دوبلة، أن "الحديث عن تسوية سياسية مع جماعة الحوثي، سواء بسقوط الساحل الغربي أو من دونه، يُعد نوعاً من الهراء"، موضحاً أن "فكرة الحوثي قائمة في أساسها على الإقصاء والشمولية ورفض المشاركة السياسية".
وأشار إلى أن ما جرى يمثل تحولاً استراتيجياً خطيراً مكّن الحوثيين وإيران من السيطرة على أهم الممرات البحرية في العالم، متسائلاً عن عجز الشريك العربي عن منع الحوثي من الوصول إلى الساحل والتضحية بمجتمع تهامي كان قد تشكل في ذلك الشريط الصغير".
ولفت إلى أن "هذه التطورات أحدثت آثاراً سلبية كبيرة على المعركة الوطنية، وعززت من النفوذ الحوثي داخل المجتمع اليمني، وأحبطت اليمنيين من مسار الشرعية والتحالف،
معتبراً إياها محطة خطيرة من عمر التحالف والشرعية قد تؤدي بهما إلى عواقب وخيمة إن لم يتم تدارك الأمر سريعاً".
الخطر على باب المندب
وفي ما يتعلق بأمن الملاحة إثر سقوط الساحل الغربي بيد الحوثيين، قال دوبلة إن "سيطرة الحوثيين على الممرات المائية تشكل خطراً جسيماً على العالم بأسره، بغض النظر عن حالة التعايش أو التهدئة المؤقتة.
ورغم تقديم الحوثيين تطمينات لأطراف دولية وإقليمية مثل مصر والولايات المتحدة وإسرائيل بحرصهم على سلامة الملاحة،
إلا أن القاعدة الاستراتيجية تؤكد أن من يمتلك القدرة على السماح بالمرور يستطيع المنع أيضاً، مما يجعل الوجود الحوثي في باب المندب خطراً استراتيجياً داهماً على المدى الطويل لا يمكن القبول به".
وحول قدرة الشرعية على توظيف هذه المخاوف لحشد موقف دولي رادع، أوضح دوبلة أن "التحرك الدولي لا يتوقف على توظيف الشرعية لهذه المخاطر، إذ إن سيطرة الحوثيين بحد ذاتها تمثل عامل قلق دولي ملحّ يتوجب التحرك حياله بمعزل عن أي توظيف سياسي".
وأضاف أن "الرئيس الأميركي دونالد ترامب يفضل التهدئة خلال الشهرين الحاليين في ظل قبول متبادل لعروض التهدئة"،
مرجحاً أن "تبدأ الولايات المتحدة والدول الكبرى بالتعاطي الحقيقي مع هذا التهديد بعد الانتخابات النصفية، وأي قوة إقليمية أو عالمية لن تقبل على المدى الطويل بقاء مضيقي هرمز وباب المندب تحت الهيمنة الإيرانية".
فخر العزب
صحافي يمني
نايف زيداني
صحافي فلسطيني