من هرمز إلى باب المندب: هل وقعت أمريكا في فخ الجغرافيا؟
انتقلت حركة الحوثي، من الضغط على جبهات الساحل الغربي إلى السيطرة على مدينة المخا متقدمين نحو باب المندب، فيما تراجعت القوات الحكومية، من مواقع كانت تعتبر شديدة التحصين والأهمية.
تكمن المفارقة، من الناحية العسكرية، في أن تلك القوات لم تكن تعاني من نقص في السلاح أو التمويل أو التغطية الجوية الكثيفة، بل تعاني من فقدان القيادة الموحدة.
لا يمثل المعسكر المناهض للحوثيين جيشا واحدا بل تشكيلات وقوى محلية ومشاريع سياسية مختلفة، لكل منها حساباتها ورعاتها وعلاقاتها المتشابكة بالسعودية والإمارات.
لا يمكن اعتبار ما جرى في المخا وباب المندب، ضمن هذه الخلفية، مجرد تقدم عسكري جديد للحوثيين، كما لا يمكننا اختزاله في مسألة توسّع النفوذ الإيراني في اليمن.
الحدث أكبر من ذلك، لأنه كشف، من جهة، تهالك الحكومة اليمنية الشرعية، وتفكك المعسكر المناهض للحوثي،
كما كشف، من جهة أخرى، الانتقال الطبيعي لآثار الحرب الأمريكية – الإيرانية من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر.
لا يمكن تحليل ما حصل بقراءة الأحداث الأخيرة فحسب، بل يحتاج الأمر لبحث التطور الذي حصل على الحوثيين خلال السنوات التي سبقت المعارك الجارية حاليا في ربوع اليمن.
لقد استثمر الحوثيون سنوات الهدنة في إعادة بناء قوتهم، وتعزيز قدراتهم في سلاحي الصواريخ والمسيّرات، والأهم من ذلك، في تطوير قيادة مركزية فعالة.
استنزف خصومهم، في المقابل، جزءا كبيرا من الوقت في صراعات داخلية، وتنافسات على الجنوب والساحل، وخلافات بين القوات التي يفترض أن تقاتل في خندق واحد.
الانتصار الحوثي لم يبدأ إذن في المخا بل بدأ عندما تحول التحالف المناهض لهم إلى مجموعة تحالفات صغيرة متنافسة. لعبت الجغرافيا دورا مهما في هذا الانهيار المحلّي الذي أضحى حدثا إقليميا ودوليا كبيرا،
فقد اكتسب باب المندب دورا أكبر من كونه ممرا مهما للتجارة العالمية، فمع تعطل حركة الطاقة عبر مضيق هرمز بسبب الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران،
أصبح البحر الأحمر هو المربع التالي على رقعة الشطرنج الجيوسياسية، بعد أن صار المسار البديل لمضيق هرمز.
بتقدمهم نحو باب المندب، يمنح الحوثيون إيران، بشكل مباشر أو غير مباشر، ورقة ضغط إضافية في مواجهة أمريكا ودول الخليج العربي، والسعودية على وجه الخصوص.
ربما يكون الدرس الأهم من سقوط المخا أن عناصر المال والسلاح والدعم الخارجي لا تعوض غياب الدولة كمبنى سيادي واستراتيجي، وأن كثرة الوكلاء لا تصنع جيشا موحدا.
ما انهار في الساحل الغربي لليمن ليس خط دفاع عسكري فحسب، بل جهد استراتيجي واسع قام على فرضية أن تجميع خصوم الحوثيين تحت عنوان واحد يكفي لصناعة بديل قادر على هزيمتهم وحكم اليمن.
لم تتم الهيمنة على باب المندب لأن الحوثيين غير قابلين للهزيمة، بل لأن الطرفين الرئيسيين الفاعلين ضمن «التحالف العربي» الذي تم إنشاؤه لدعم الحكومة الشرعية كانا يحملان أجندات سياسية وعسكرية متضاربة أدت إلى تراكمات معقّدة ضمن البيئة اليمنية والإقليمية، وإلى تنازع على اليمن الذي يقولون إنهم يريدون استعادته،
فيما أمضى الحوثيون يشحذون سيوفهم، ويحضرون صواريخهم ومسيّراتهم، ويؤلفون تشكيلاتهم القيادية، استعدادا للحرب.
القدس العربي