اليمن... حربٌ ليست كسابقاتها
لا تكاد الحرب في اليمن تهدأ حتى تندلع من جديد. فلم يعرف البلد في نصف القرن الأخير هدنة طويلة، ولا استراحة تتيح له التقاط أنفاسه، أو بلوغ استقرارٍ يضع حداً لنزاعاته الداخلية المتعدّدة، ذات الامتدادات الإقليمية المتشعبة، وتباين الأهداف والأطراف.
لكن الحرب المشتعلة حالياً تبدو الأهم بين كل المواجهات العسكرية السابقة منذ سقوط صنعاء بيد جماعة الحوثي عام 2014، بالنظر إلى تقاطعها مباشرة مع الحرب على إيران، وحجم الحشد العسكري، واتساع الجبهات التي تتحرك فيها القوات ضد الحوثيين.
ما يجري منذ أيام على جبهات عدّة بات أقرب إلى حرب واسعة، تخوضها قوات الحكومة الشرعية ضد جماعة الحوثي التي تسيطر على أجزاء واسعة من شمال اليمن، بما في ذلك العاصمة صنعاء.
وهناك مؤشّرات محلية وإقليمية عدة ترّجح اتساع المواجهة، في مقدّمتها استماتة الحوثيين للسيطرة على مضيق باب المندب، ووضع الحكومة استعادة صنعاء في مقدّمة أهدافها.
أهم سمات هذه الحرب تقاطع تصعيد الحوثيين أخيراً مع تطورات الحرب الأميركية الإيرانية. في سياق "جبهة الإسناد" التي فتحوها منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزّة.
ومع أنهم تلقوا ضربات أميركية إسرائيلية نوعية، واصلوا عملياتهم العسكرية بزخم، وظلوا يمثلون مصدر تهديد كبيراً لأمن الملاحة في البحر الأحمر وللسعودية.
وقد فاجأوا الحكومة وحلفاءها بهجوم كبير شنوه في الثالث من سبتمبر/ أيلول الجاري في الساحل الغربي باتجاه باب المندب.
وقد لعب الحوثيون دوراً مهماً في الصراع الإقليمي، وباتت حساباتهم مرتبطة، إلى حد بعيد، بمآلات الحرب على إيران. ولذلك يصعب النظر إلى قرار الدخول في حرب شاملة ضدهم باعتباره قراراً يمنياً خالصاً تصدره الحكومة الشرعية وحدها.
فقرار الحرب وأهدافها وتوقيتها ترتبط أيضاً بحسابات الولايات المتحدة والسعودية، وبما تريانه مناسباً لمصالحهما في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
تعدّ الحرب الدائرة مرحلة جديدة في النزاع اليمني، ومن غير المتوقع أن تقتصر على أهداف عسكرية محدودة، بل يُرجح أن تسعى إلى الحاق ضرر كبير بالحوثيين.
وحسب إعلان الحكومة، لن يتوقّف هذا المسار، في مرحلته الأولى، قبل محاولة إخراجهم من العاصمة صنعاء. وإذا تحقّق هذا الهدف العسكري المهم، فإنه سيمهد للانتقال إلى مرحلة ثانية تقوم على حصارهم في معقلهم الرئيسي في صعدة.
وسيكون من أولى نتائج ذلك قطع طرق إمدادهم البحرية القادمة إيران، وفصلهم عنها، ولو مؤقتاً، بما يضعف قدرتهم على مواصلة الحرب وإدارة جبهاتها.
لكن تحقيق هذا الهدف لن يكون سريعاً وسهلاً، لأنه يتطلب حرباً برّية متعدّدة الجبهات، وحشد قوات كبيرة مدرّبة وقادرة على تحقيق تقدم سريع، من دون الوقوع بحرب استنزاف على غرار ما حدث في المعارك السابقة.
ويحتاج الأمر كذلك إلى قيادة موحدة تمتلك قرار الحرب والسلم، وتستطيع تنسيق القوات والأهداف والعمليات ضمن غرفة قيادة واحدة. وهذه أهم تحدّيات القوات التي تصطف اليوم لمحاربة الحوثيين،
فهي ليست متجانسة ذات قيادة موحدة ومشروع قتالي واحد، بل تجمع قوى وتشكيلات متعدّدة تختلف في المصالح والحسابات والأهداف.
وفي المقابل، يمتلك الحوثيون قوة عسكرية كبيرة اكتسبت خبرة في القتال البرّي، ولديهم تسليح متنوع، من الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية إلى وسائل الحرب التقليدية، فضلاً عن معرفتهم الجيدة بالجغرافية والتضاريس، ومكامن ضعف خصومهم.
بشير البكر
كاتب وشاعر سوري