سراب الزعامة..
ما أصعب أن يستيقظ المرء ليجد أن الوطن الذي ناضل من أجله لم يكن في نهاية المطاف سوى عقار يباع ويشترى في سوق النخاسين الإقليمية،
وأن القادة الذين رفعوا شعارات السيادة وقرعوا طبول الاستقلال ليسوا سوى أحجار شطرنج تحركهم أصابع خفية، وحين تنتهي اللعبة، يلقى بهم خارج الرقعة بلا أسف ولا عزاء.
نحن اليمنيين، بتركيبتنا الصلبة التي نحتتها الجبال وفهمنا الفطري لتقلبات الدهر، ندرك جيداً أن الزعامة الحقيقية هي التي تنبت من طين الأرض وتستقي شرعيتها من عرق الناس،
أما ما رأيناه في حالة عيدروس الزبيدي فلم يكن سوى فصل من فصول الخديعة الكبرى التي انتهت قبل أن تبدأ.
لقد تأملنا كيف انتفخ الزبيدي في لحظة عابرة من الزمن، وكيف ضخت فيه الآلة الإعلامية روحاً من الغرور والخيلاء حتى خيل إليه أن قامته قد طاولت عنان السماء، وراح يوزع صكوك الوطنية ويستعرض القوى في مشهد يذكرنا بشخصية أبي عبد الله الصغير،
ذلك الذي استمرأ العيش في ظل الآخرين وظن أن التاج الذي وضع على رأسه هو ملكية أبدية، بينما كان في الواقع مجرد جسر يقتضيه ترتيب الأوراق وتمرير المصالح.
تماماً كما انتفخت تلك البالونات والتشكيلات الكرتونية التي ملأت الساحات بالضجيج، ثم ما لبثت أن انكمشت وذابت عند أول اختبار حقيقي للسيادة والقرار الوطني المستقل.
وفي ذروة هذا التيه الذي كاد أن يعصف بالبلاد، وبينما كان البعض يظن أن اليمن قد ضاع في زحام المشاريع الصغيرة والتمزيق الممنهج، برزت الحكمة السعودية كصمام أمان وحيد.
كانت المملكة العربية السعودية هي اليد التي أوقفت السقوط الحر نحو الهاوية، وهي السند الذي أعاد ترتيب المشهد حين ظن المنفوخون بالأوهام أنهم ملكوا الأرض ومن عليها.
لقد كانت السعودية هي الحقيقة الثابتة وسط ركام الأكاذيب، وهي التي كشفت هشاشة التكوينات التي كانت تقتات على الشعارات الرنانة بينما هي تفتقر لأبسط مقومات البقاء والاتصال بالتراب.
ثم، وسبحان مغير الأحوال، رأينا كيف تبخر ذلك الوجود وتلاشى ذاك الحضور بكل بساطة. فجأة، انقطع الصوت، وغاب الفيديو، واختفت الصورة، وكأن تلك الزعامة كانت محض خيال أو سحابة صيف عابرة انقشعت مع أول شعاع للحقيقة.
لقد انتهى الزبيدي اليوم إلى حالة من النسيان المطبق، فلا ذكر يُستعاد ولا أثر يُقتفى، ذاب في صقيع التهميش بعد أن استنفدت القوى غرضها منه، ليعود إلى حجمه الطبيعي بعيداً عن أضواء المشهد الذي دخله غريباً وخرج منه منسياً.
وهكذا هو التاريخ دائماً، لا يخلد إلا الصادقين الذين ذابوا في هموم أوطانهم، أما الفقاعات الإعلامية فمصيرها التلاشي مهما بلغت درجة انتفاخها، ليبقى اليمن واحداً شامخاً، وتبقى المملكة سنداً وذخراً، ويذهب الزبد جفاء في غياهب النسيان.