الدين بين الغريزة الإنسانية والاستغلال العاطفي
الدين في جوهره علاقة روحية نابعة من فطرة الإنسان، يسعى من خلالها إلى فهم الوجود، وضبط السلوك، وتحقيق التعايش وفق منظومة أخلاقية وقيمية. وقد رافقت هذه الحاجة الإنسان منذ بداياته، قبل الأديان السماوية وبعدها.
غير أن هذه الغريزة الروحية والعاطفة الدينية كانت – ولا تزال – عرضة للاستغلال، خصوصًا لدى عامة الناس. تاريخيًا، نشأ تلاقي مصالح بين السلطة السياسية ورجال الدين، حيث وفّرت المؤسسة الدينية الغطاء الشرعي للحكم، مقابل النفوذ والمكانة.
تجلّى ذلك بوضوح في تجربة الكنيسة الأوروبية حتى الثورة الصناعية، التي مثّلت تحررًا من هيمنتها.
وفي التاريخ الإسلامي، تكرّر النموذج ذاته عبر التناسق بين “السيف والصومعة”، حيث قامت السلطة العسكرية على دعم ديني متبادل، من العصر الأموي إلى العباسي، وصولًا إلى العهد العثماني، الذي كرّس الاستبداد والجهل والخرافة، واستنزف المجتمعات العربية بالجبايات والحروب، وحوّلها إلى خزان بشري لخدمة مشروعه، ولا تزال آثار تلك المرحلة ماثلة حتى اليوم.
في الواقع المعاصر، أصبح الدين في كثير من الدول العربية الطريق الأسهل للوصول إلى السلطة، لا لتحقيق القيم الدينية، بل لاستثمار العاطفة والحنين إلى الماضي.
وبينما بدأت بعض الدول الأكثر استقرارًا، كدول الخليج، بمحاولة الفصل بين الدين وإدارة الدولة، وجعل الدين شأنًا روحيًا فرديًا تحت سيادة القانون، لا تزال دول مثل اليمن والعراق وسوريا والسودان تعيش صراع النفوذ الديني، ما أنتج عدم استقرار، وتناحرًا، وفشلًا في بناء الدولة.
إن المشكلة ليست في الدين، بل في توظيفه السياسي، حين يتحول من قيمة أخلاقية جامعة إلى أداة للهيمنة والصراع، ويُستبدل العقل بالعاطفة، والدولة بالشعارات.
* دبلوماسي وسياسي يمني