حروب المضائق المائية: الماضي والحاضر وتأثيرها على توازن القوة
شكّلت حادثة الحظر النفطي عام 1973م حالة يقينية بأن العرب يمتلكون سلاحين يُعدّان من أقوى الأسلحة الاستراتيجية؛ إذ يمكنهم من خلالهما اعادة توازن القوى الكبرى من خلال التحكم بأمن الطاقة العالمي ومكانتهم الدولية.
ونتيجة لذلك، بدأت هذه القوى تنظر إلى المنطقة بعين الريبة والتهديد، فاتجهت إلى تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تجميد هذا التأثير ومحاولة إبطال هذه الأدوات،
وكذلك الحدّ من أي وعي سياسي عربي، سواء لدى الحكام أو الشعوب، لانهم يدركوا حقيقة القوة الاستراتيجية التي تمتلكها الدول العربية في هذه المنطقة الحساسة.
وتُعدّ المضائق والممرات المائية من أهم هذه الفرص الاستراتيجية، إلى جانب عامل الطاقة و الاحتياطي النفطي الهائل الذي تزخر به الدول العربية.
اليوم، يصطدم العالم مجددًا بهذا السلاح، لكن هذه المرة عبر إيران، التي تستخدمه في إحدى زوايا الشرق الأوسط. فكيف سيكون الحال لو استُخدم هذا السلاح في أكثر من موقع؟
لقد حرصت إيران على الوصول إلى مضيق باب المندب عبر أحد أذرعها في المنطقة، في خطوة تعكس استهدافًا مباشرًا للقوة العربية ومحاولة تفكيكها،
في وقت لم يستوعب فيه العرب خطورة هذا التمدد إلا بعد تفاقمه.
ولم يقتصر الخطر على ذلك فحسب، بل عملت القوى الغربية أيضًا على الحدّ من تأثير هذا السلاح الحيوي، من خلال تكريس حالة الانقسام داخل الصف العربي، وعبر عقد اتفاقيات مع الكيان الصهيوني، والتركيز على إضعاف الدول العربية، بما يتيح لقوى أخرى التمدد وتعزيز نفوذها على حساب أمن المنطقة واستقرارها.
واليوم، يدفع العالم بأسره ثمن هذه السياسات. ويبقى التساؤل: هل ستدرك القوى العظمى خطورة ما آلت إليه الأوضاع في المنطقة، وتسعى إلى دعم استقرارها، لا سيما دعم الدول العربية، لإعادة التوازن إلى مساره الطبيعي؟
إن العرب، في جوهرهم، لا يشكّلون تهديدًا للعالم، ما لم تتعرض مصالحهم لانتهاكات أو اعتداءات. بل يُعدّون من أكثر الفواعل اعتدالًا في المنطقة، في مقابل مشاريع توسعية أخرى، كالمشروع الصهيوني والمشروع الفارسي، أو أي مشروع دخيل يسعى إلى التمدد على حساب دول المنطقة وأمنها.
* دبلوماسي وسياسي يمني