حين تصبح الخيانة رواية جماعية: قراءة في عقل الحرب اليمنية
في المشهد اليمني، لا تكمن الأزمة فقط في تعدد الأطراف المتصارعة، بل في تعدد الروايات التي يقدمها كل طرف لتبرير موقعه، وإدانة خصومه، وتحصين أنصاره نفسيا واخلاقيا.
هذه الروايات، على اختلافها الظاهري، تتشابه في جوهرها: إعادة كتابة الماضي، انتقاء الوقائع، وتغذية خطاب الكراهية، بدلا من تقديم مشروع وطني قابل للحياة..
أولا: تبادل الاتهام بين المؤتمر والإصلاح – من بدأ التحالف مع الحوثيين؟
يختزل هذا السجال تعقيد السياسة اليمنية في سؤال بسيط: من تحالف أولا؟
لكن الحقيقة أن كلا الطرفين كان جزءا من منظومة سياسية انتهازية قبل الحرب.
المشكلة هنا ليست في من بدأ، بل في أن التحالفات لم تبنى يوما على مشروع وطني واضح، بل على حسابات قوة آنية.
لذا، فإن تبادل الاتهامات يبدو كصراع على تبرئة الذات لا أكثر، بينما يتجاهل الطرفان مسؤوليتهما المشتركة في إضعاف الدولة وفتح المجال لقوى ما دون الدولة..
ثانيا: فبراير بين الثورة المنقذة وبوابة الفوضى
يرى أنصار ثورة فبراير أنها لحظة تاريخية كسرت احتكار السلطة وفتحت أفق التغيير، بينما يعتبرها أنصار النظام السابق بداية الانهيار. كلا الروايتين تختزل الواقع..
فبراير لم تكن حدثًا معزولا؛ بل جاءت نتيجة تراكمات من الفساد، والإقصاء، وغياب العدالة. لكنها في الوقت ذاته لم تنجح في بناء مؤسسات بديلة قوية، ولم تحسم فيها مسألة شكل الدولة.
الفراغ الذي نتج عن ذلك استغل من قبل قوى منظمة (كالـحوثيين) وأخرى إقليمية..
إذا، لم تنقذ فبراير البلاد كما يقول أنصارها، لكنها أيضا لم تكن سبب الفوضى الوحيد كما يدعي خصومها.
الحقيقة أنها لحظة انتقال غير مكتمل، فشلت نخبها في تحويلها إلى مشروع دولة، خاصة بعد أن توفرت لها الظروف..
ثالثا: الحوثيون بين مقاومة العدوان والانقلاب على الدولة، يقدم الحوثيون أنفسهم كحركة مقاومة في مواجهة تدخل خارجي، وهو خطاب يجد صدى لدى شريحة متضررة من الحرب،
لكن هذا الخطاب يتجاهل حقيقة أنهم وصلوا إلى صنعاء بالقوة، وأسقطوا مؤسسات الدولة، وفرضوا أمرا واقعا بالقهر..
في المقابل، تختزل الشرعية والتحالف الحوثيين في صورة الانقلابي المدعوم خارجيا، وهو توصيف يحمل قدرا كبيرا من الصحة، لكنه يغفل أيضا عوامل داخلية:
فشل الدولة، وانقسام النخب، ووجود حواضن اجتماعية حقيقية – ولو جزئية – للحوثيين..
بمعنى آخر، الحوثي ليس مجرد وكيل خارجي، كما أنه ليس مقاومة وطنية. إنه فاعل معقد، نتاج سياق محلي وإقليمي معا..
رابعا: الشرعية والتحالف – إنقاذ أم تعقيد للأزمة؟
تقول الحكومة الشرعية إن تدخل التحالف حال دون سقوط اليمن بالكامل بيد الحوثيين، وهو طرح منطقي من زاوية توازن القوى،
لكن هذا الخطاب يتجاهل كلفة الحرب الإنسانية، وتعقيدات الأجندات الإقليمية، وفشل الشرعية نفسها في تقديم نموذج حكم مختلف في المناطق التي تسيطر عليها..
التحالف لم يكن مشروع بناء دولة بقدر ما كان تدخلا عسكريا بأهداف متعددة، والشرعية، بدل أن تتحول إلى مركز جذب وطني، بدت في كثير من الأحيان ككيان هش يعتمد على الخارج أكثر من اعتماده على الداخل..
خامسا: القاسم المشترك – خطاب الكراهية بدل المشروع الوطني، رغم اختلاف هذه السرديات، فإنها تتقاطع في نقطة خطيرة: شيطنة الآخر.
كل طرف يقدم نفسه كضحية مطلقة، وخصمه كخائن أو عميل أو عدو وجودي.
هذا الخطاب لا يترك مساحة للسياسة، بل يحول الصراع إلى معركة أخلاقية صفرية، حيث يصبح التعايش مستحيلا..
الأخطر أن هذه السرديات تستخدم لتعبئة الجمهور، لا لمصارحته. لا أحد يتحدث بجدية عن:
شكل الدولة القادمة وتوزيع السلطة والثروة
والعدالة الانتقالية وإعادة بناء المؤسسات، بدلا من ذلك، يتم استدعاء الماضي كسلاح، لا كدرس..
خاتمة: من تفكيك الروايات إلى بناء الواقع
اليمن اليوم لا يحتاج إلى من يثبت أنه كان على حق في الماضي، بل إلى من يقدم رؤية قابلة للتطبيق للمستقبل.
تفكيك روايات الأطراف لا يعني مساواتها أخلاقيا، بل يعني كشف حدودها، وتعرية استخدامها كأدوات تعبئة..
لن يكون هناك مخرج حقيقي ما دامت السياسة تدار بعقلية الثأر، وما دام كل طرف يرى في نفسه الحقيقة الكاملة.
الطريق الوحيد الممكن يبدأ بالاعتراف المتبادل بالمسؤولية، والتخلي عن خطاب الكراهية، والانتقال من منطق من خان أولا إلى سؤال أكثر أهمية:
كيف يمكن لليمنيين أن يبنوا دولة مشتركة تتسع للجميع، رغم كل هذا الإرث من الصراع والانقسام..