رسالتي حتى لا ندفن المستقبل في المهد !!
مع بداية العام الدراسي، استوقفتني صورة لأبنائنا في اليمن، وهي صورة تعكس في جوهرها مأساة العالم العربي بأسره؛ صورة تتحدث بوضوح عن صفوف مكتظة، وتكشف في الوقت ذاته عن كفاح مرير تخوضه الأسر لتعليم فلذات أكبادها في ظل تحول ديموغرافي هائل.
وما يؤسف له، أن الدولة غائبة تماماً عن إدراك حقيقة ديموغرافية حاسمة، وهي أن اليمن تشهد اليوم معدلات ولادة مرتفعة تُقدر بنحو 25 إلى 27 مولوداً لكل 1000 شخص، مما يضيف نحو مليون ونصف المليون طفل سنوياً إلى تركيبة سكانية تتجه بالبلاد بسرعة لتجاوز حاجز 53 مليون نسمة خلال أقل من عقد من الزمن.
هذا النمو المتسارع يفرض ضغوطاً خانقة لا تقف عند حدود البنية التحتية والخدمات المتهالكة، أو كادر تعليمي يعاني الأمرين وسط فقر متمدد، بل يتجاوز ذلك ليكشف عن الأبعاد الحقيقية لأزمة المستقبل؛
فنحن أمام ثروة بشرية هائلة تُهدر كل يوم، في وقت لا تزال فيه القوى والمشاريع القائمة تنظر إلى هؤلاء الأطفال كـ "عسكر" ومجرد وقود لمعاركها المريضة، أو كأيدي عاملة رخيصة مستغلة عند الغير.
من هنا، لا تغيب عن مخيلتي صور المدارس اليمنية منذ بداية الحرب وحتى قبلها، ومعاناة الأهل والمعلمين والطلاب على حد سواء؛ ورغم ما تحمله تلك المشاهد من إصرار أسري أسطوري،
إلا أن الأفق اليوم يبدو قاتماً وضبابياً لأطفالنا، وهم يصطدمون بمناهج عتيقة، وكادر تعليمي أنهكه العوز فغدا غير قادر على العطاء، وبيئة تعليمية فوضوية، وكتاب مدرسي غير متوفر، ومعامل منعدمة، وفوق ذلك كله، فقر مدقع ينهش جسد الأسرة اليمنية.
إننا نحلم بتسليح هذا الجيل بأدوات العلم والتنمية، لكن الواقع المرير يضعهم في خانة الضحايا؛ ضحايا لمنظومة تعليمية منهارة، وارتجال وعشوائية في إدارة ملفات الدولة السيادية.
كان واجبنا الأسمى والبديهي أن نُعبّد لهم الطريق، وثقتنا مطلقة بأن من بينهم عقولاً مبدعة قادرة على صنع المعجزات، لو أنها حظيت فقط بفرصة عادلة، وتعليم حقيقي، ورعاية مستحقة؛ فلماذا لا نفكر بأبنائنا وبناتنا لننافس بهم بين الأمم؟
وحين نتأمل واقعنا التعليمي في اليمن، أو في العالم العربي عموماً، سرعان ما نصطدم بإخفاقات هيكلية يعيد التاريخ إنتاجها مع كل جيل،
حيث ننشغل بالمناهج وحشوها، ونظن واهمين أن إثقال كاهل الطفل بالحفظ والتلقين وزيادة الفروض المنزلية هو مفتاح التفوق والذكاء.
نُلقي باللوم تارة على المناهج، وتارة أخرى على المربين، بينما نتجاهل أصل الداء وجذر المشكلة، وهو غياب مشروع وطني واضح، ورؤية تربوية حقيقية لمرحلة الطفولة المبكرة.
نحن لا نمنح هذه المرحلة الحرجة من عمر الإنسان ما تستحقه من استثمار ورعاية، وإن وُجدت بعض المبادرات، فهي في الغالب محاولات سطحية وتجارب عشوائية، مجرد تقليد أعمى لشكليات التعليم الغربي دون استيعاب معالمه وفلسفته الحقيقية.
في المقابل، يرى الألمان في السنوات الأولى من حياة الطفل — تلك التي يطلق عليها العلماء "الفترة الحساسة" — نافذة ذهبية لا تتكرر في عمر الكائن البشري؛
إنها اللحظة اللوجستية التي يبلغ فيها الدماغ أقصى درجات مرونته واستعداده للتشكّل، حيث تُبنى الروابط العصبية العميقة التي تُرافق الإنسان مدى حياته.
التجارب التي يخوضها الطفل هنا ليست أحداثاً عابرة، بل جذورٌ راسخة تحدد سمات شخصيته، وقدراته، وملامح مستقبله بالكامل.
الحضانة في ألمانيا ليست مجرد مركز رعاية يومي أو "مكان انتظار مؤقت حتى ينتهي دوام الأهل"، بل هي مؤسسة تربوية سيادية تؤدي دورها المرسوم ضمن استراتيجية شاملة لتنشئة الإنسان الصالح للمجتمع.
الطفل هناك يُعامل كـ "مشروع قومي" تتشارك فيه الدولة والملكية العامة، ويُنظر إلى اللعب على أنه أداة معرفية رصينة لاكتشاف الكون، وليس وسيلة لتضييع الوقت؛ فالركض، والضحك، والسقوط، والأسئلة المتكررة، كلها عناصر طبيعية لبناء العقل وتشكيل الوعي السليم.
وحتى الأسرة ملزمة قانوناً باتباع إرشادات المربيات، فإن قصرت في ذلك، تتدخل مؤسسات حماية الطفولة بقوة؛
لأن الطفل في الفلسفة الألمانية ليس ملكية حصرية أو خاصة للعائلة، بل هو استثمار وطني ترعاه الدولة ليغدو إنسانًا فاعلاً ومتوازنًا.
ولكن، ما الذي يحدث تحديداً في هذه المرحلة حتى تصنع هذا الفارق الحضاري الهائل؟
في هذه الحواضن، يتعلم الطفل مهارات تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها حاسمة في جوهرها المستقبلي،
حيث يتعلم كيف يطلب ما يريد بوضوح وشجاعة، وكيف يُصغي للآخر باحترام، وكيف ينتظر دوره بوعي ويتقاسم ممتلكاته مع أقرانه.
يكتشف مبكراً أن العالم يتسع لآخرين كثر غير والديه، فيتعلم بناء الثقة مع المجهول والتعامل مع المحيط بلا خوف أو عقد نفسية، وهذا الانفتاح المبكر يمنحه رصيداً سلوكياً يُمكّنه لاحقاً من مواجهة الحياة بثبات وثقة.
ومع اقتراب السنة الأخيرة من الحضانة، يمتد التركيز إلى المهارات المعرفية الأولية مثل الأعداد، والأشكال، والألوان، وأسئلة استكشاف الطبيعة؛
غير أن هذه المعارف لا تُلقّن بطرق جافة كما يحدث عندنا، بل تُغرس عبر الملاحظة والتجربة الحية لمعرفة لماذا تسقط أوراق الشجر في الخريف، وكيف يذوب الجليد، وكيف تتحرك الحشرات؛
فمثل هذه الأسئلة الكبيرة تُزرع في عقول صغيرة لتضع حجر الأساس للتفكير النقدي والتحليلي.
ولا يتوقف الأمر عند الجانب العقلي فحسب، بل يمتد إلى التربية الجمالية والصحية؛ فالموسيقى، والرسم، والغناء ليست ترفاً بل نوافذ إجبارية لإطلاق الخيال والابتكار.
وفي الجانب الصحي والسلوكي، يُدرب الأطفال على العادات الحياتية الدقيقة كتنظيف الأسنان بانتظام بإشراف مباشر ومتابعة دورية من طبيب يزور الحضانة، وغسل الأيدي، وترتيب الفراش، وإعادة الألعاب إلى أماكنها؛
فهذه التفاصيل اليومية الروتينية تغرس الانضباط في اللاوعي، ليصبح الطفل مستعداً سلوكياً ونفسياً قبل أن يكون مؤهلاً أكاديمياً.
الانضباط هناك ممارسة معيشية واعية تشمل قيلولة مقننة بعد الغداء، وترتيب الأسرة، والمشاركة الجماعية في رفع الأطباق؛
وعند التنقل الجماعي في الرحلات، يسير الأطفال في صفوف منتظمة، كل اثنين متشابكي الأيدي، تحيط بهم المربيات في مشهد بديع يتجاوز حدود النظام المرئي، ليكون درساً حيّاً في المسؤولية الفردية والتضامن الجماعي.
وحتى في المواصلات العامة، يتدرب الأطفال على النظام برعاية الدولة، مما يرسخ فيهم روح القانون واحترام القواعد العامة منذ نعومة أظفارهم.
بهذا التراكم المدروس والممنهج، تُبنى شخصية الطفل لتجمع بين عقل فضولي منفتح، وجسد نشط، ونفس مطمئنة، وروح اجتماعية واثقة؛
وعندما يلج عتبة المدرسة في سن السادسة، لا يبدأ من نقطة الصفر، بل ينطلق مزوداً بخبرات حياتية وسلوكية تجعل انتقاله سلساً وقابليته للتعلم والاستيعاب في أقصى درجاتها.
وهنا يتجلى الفارق الصارخ والمؤلم؛ ففي مجتمعاتنا، يُلقى بالطفل مباشرة إلى معترك المدرسة والتلقين الصارم دون تمهيد أو تأسيس سلوكي، فيصطدم بالواقع الجديد كمن يتلقى صدمة صامتة، يتعايش معها بمرارة وخوف، ويبقى شرخها النفسي عالقاً في داخله لسنوات طويلة،
بينما الطفل هناك يبدأ رحلته التعليمية وقد تشيدت في داخله دعائم النظام، وشغف المعرفة، والثقة المطلقة بالنفس.
والحقيقة قاسية لكنها جليّة كالشمس، فنحن نخسر الرهان والمنافسة العالمية منذ البداية، لأننا اختزلنا التعليم في فك الخط، والقراءة، والحفظ الأعمى، والامتحانات الجافة، بينما التعليم في جوهره بناء تراكمي طويل المدى يبدأ من المهد لتفجير طاقات وابداعات الطفل.
* أكاديمي وباحث يمني