رغم اتفاقية السلام… الحرب استوطنت الخليج العربي
أُسدل الستار على الفصل الثاني من الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران. ورغم توقيع واشنطن وطهران اتفاقية سلام الأحد 14 يونيو/حزيران 2026، فإن ذلك لا يبعد احتمال اندلاع فصل ثالث من الصراع المسلح لأنها اتفاقية هشة.
وقد حملت هذه الأحداث العسكرية معطى جديدا يتمثل في ترسّخ الحرب في منطقة الخليج العربي، بما يجعل دولها تدخل منعطفا خطيرا في تاريخها.
كان الفصل الأول من هذه الحرب قد وقع في يونيو من العام الماضي، عندما استمرت الهجمات الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران اثني عشر يوما، وانتهت إلى تفاهم «عرفي» غير موثق باتفاقية رسمية.
أما الفصل الثاني، فقد انتهى هذه المرة باتفاقية موقعة رقميا وسيتم التوقيع الرسمي الجمعة المقبلة، لكنها لا تشمل إسرائيل، رغم كونها طرفا أساسيا في النزاع، كما لا تضم الأمم المتحدة، أو أي منظمة قارية أو إقليمية طرفا ضامنا لها،
وبذلك تبدو هذه الاتفاقية ناقصة وهشة، الأمر الذي يترك الباب مفتوحا أمام احتمال استئناف الحرب في أي لحظة.
وهذا الاحتمال هو ما يضع دول الخليج العربي أمام وضع بالغ التعقيد.
لقد انتهت هذه الحرب بنتائج متعددة سيتضح لاحقا من هو الرابح الحقيقي، وأركز هذه المرة على نتيجتين حاسمتين بالنسبة لدول الخليج، وكلتيهما ترتبطان بغياب رؤية استراتيجية براغماتية، وبالرهانات الخاطئة على ما يسمّى التحالف مع القوة الكبرى الولايات المتحدة.
*أما النتيجة الأولى، فتتمثل في أن الحرب بدأت تستقر وتستوطن الخليج العربي، بعدما امتدت إلى الأنظمة الملكية بقوة هذه المرة.
فقد كانت الحلقة الأولى مع حرب العراق سنة 1991 التي طالت الكويت، ثم انتقلت شرارتها إلى اليمن عبر عملية «عاصفة الحزم» في منتصف العقد الماضي، والتي تعد من أكبر الأخطاء الجماعية التي ارتكبتها دول المنطقة،
وشهدت فصلا مقلقا عندما تجرأت إسرائيل وقامت بقصف قيادة حماس في الدوحة خلال سبتمبر/أيلول الماضي.
واليوم، مع ما يمكن تسميته بـ«نكسة هرمز»، أصبح الأمن القومي لدول الخليج، ولاسيما الملكية منها، في مواجهة خطر حقيقي،
ففي هذه الحرب تعرضت كل الأنظمة الملكية الى القصف الإيراني من دون استثناء. ولم يعد التهديد مقتصرا على الأنظمة الجمهورية في اليمن والعراق.
لقد أصبحت الحرب جزءا من المشهد الإقليمي، وسيكون من الصعب التخلص من تداعياتها، على الأقل خلال السنوات الخمس المقبلة.
وستظل بمثابة «سيف ديموقليس» مسلطا فوق رؤوس دول المنطقة، قابلة للانفجار كلما وقع توتر كبير.
ويبدو أن إسرائيل نجحت في نقل بؤرة التوتر إلى هذه المنطقة، انطلاقا من رؤية تعتبر أن ضمان استمراريتها يمر عبر إضعاف الدول الإسلامية، بغضّ النظر عن مستوى انفتاحها، أو حتى درجة التنسيق التي تقيمه معها.
فالصراع، من منظورها، يحمل أبعادا دينية وحضارية، تقوم على فكرة أن أي دولة غنية ومستقرة قد تمتلك في المستقبل طموحات للريادة السياسية، أو العلمية، أو العسكرية.
وتتجلى هذه الرؤية الاستراتيجية تجاه دول الخليج منذ الطفرة النفطية، في السعي إلى منع تحول هذه الدول إلى منصة لدعم تطور العالمين العربي والإسلامي، أو للمشاركة في مشاريع استراتيجية كبرى.
ومن الأمثلة الأخيرة التي وقعت خلال الحرب، أشير إلى الضغوط التي مارستها واشنطن، بالتنسيق مع إسرائيل، على المملكة العربية السعودية لثنيها عن المساهمة في تمويل مشروع المقاتلة التركية «قان» (KAAN)،
التي يُفترض أن تنتمي إلى الجيل السادس من الطائرات المقاتلة،
كما ضغطت على لندن وطوكيو لمنع الاستثمار السعودي في مقاتلة أخرى من الجيل السادس وهيGCAP وعموما، كانت بؤر التوتر الرئيسية تتركز في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق، وهي دول عاشت طويلا على إيقاع الحروب والصراعات،
غير أن هذه الحالة انتقلت اليوم إلى الأنظمة الملكية في الخليج العربي.
فعلى سبيل المثال، قد يؤدي أي توتر مستقبلا بين العراق أو إيران وإحدى دول الخليج إلى إقدام جماعات مسلحة عراقية على استهداف تلك الدولة الخليجية بطائرات مسيّرة، أو قد تشن إيران عليها هجمات قصف،
وبذلك يكون الخط الأحمر للقصف العسكري قد سقط، ولم يعد يتمتع بالهيبة، أو الردع اللذين كانا يميزانه في السابق. ويكفي أن الهجمات على المنشآت النفطية كان محظورا عرفيا، ولم يعد الآن قائما بعد الحرب الأخيرة.
*أما النتيجة الثانية، فتتمثل في الهاجس الذي يؤرق دول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، بوصفها الدولة الأكبر والأكثر تأثيرا: من هو الحليف القادر على المساهمة في ضمان أمنها القومي؟
هل ينبغي الاستمرار في الرهان على الولايات المتحدة، أم أن من الأجدى ترسيخ ثقافة التعاون والحوار مع إيران؟ لقد كشفت هذه الحرب، في نظر كثيرين، حدود ما كانت واشنطن تؤكده بشأن التزامها بحماية أمن الخليج.
فمن جهة، لم تحقق منظومات التسليح الباهظة الثمن التي اقتنتها دول الخليج من الولايات المتحدة النتائج المرجوة في مواجهة الصواريخ الإيرانية ومسيراتها، علما أن الهجمات الإيرانية استهدفت أساسا القواعد الأمريكية.
ومن جهة أخرى، لم تضع واشنطن المصالح الحيوية لدول الخليج في صدارة حساباتها خلال المواجهة مع إيران، بل أولت الأولوية للمصالح الإسرائيلية.
ويتضح كل هذا في عدم إشراك دول الخليج في مفاوضات السلام باستثناء الدور القطري الآن، وقبله الدور العماني. وبشأن الضغوط التي مارسها البيت الأبيض من أجل حصر مدى الصواريخ الإيرانية في حدود لا تتجاوز ألف كيلومتر،
بما يضمن أمن إسرائيل أكثر مما يضمن أمن دول الخليج.
كما أن واشنطن كانت تدرك قدرة إيران على تهديد الملاحة في مضيق هرمز أو إغلاقه، ومع ذلك لم تجعل هذه المسألة ضمن أولوياتها الاستراتيجية أثناء إدارة الأزمة،
وعاش العالم إغلاق المضيق بكل انعكاساته الاقتصادية التي ضربت بالأساس اقتصاديات دول الخليج. فهل ما زالت الأنظمة الملكية تعتقد في حماية أمريكية فعالة ضد إيران، أو أي دولة أخرى؟
من دون شك، لا، وهذا سيقودها إلى التفكير جيدا في إيجاد صيغ أخرى للأمن القومي.
* حسين مجدوبي
كاتب مغربي