مجموعة السبع في إيفيان: حضور ترامب يطغى على الحدث
الرأي الثالث - وكالات
تفتتح فرنسا، صباح الاثنين، قمة مجموعة السبع في إيفيان، على ضفاف بحيرة ليمان الحدودية مع سويسرا، في مشهد يتناقض فيه هدوء المدينة الصغيرة مع الغليان الدولي الذي سيفرض نفسه على نقاشات القادة المجتمعين.
وتستضيف القمة، التي تستمر حتى مساء الأربعاء المقبل، قادة الدول الأعضاء في مجموعة السبع وهي فرنسا والولايات المتحدة وكندا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا واليابان،
فيما يشارك الاتحاد الأوروبي في أعمالها ممثلاً برئيس مجلسه أنطونيو كوستا ورئيسة مفوضيته أورسولا فون ديرلاين.
كما وسّعت باريس قائمة الحاضرين في عدد من الجلسات لتشمل بلداناً مثل أوكرانيا والهند والبرازيل وكينيا، فضلاً عن مشاركة مصر والسعودية وقطر والإمارات في النقاشات المتعلقة بحروب المنطقة وأزماتها.
وهذه هي المرة الثانية التي تستضيف فيها إيفيان القمة، بعد عام 2003.
لكن الفارق الأساسي بين هذين الموعدين لا يكمن في الزمن الذي مضى منذ ذلك الحين، أو في إخراج روسيا من المجموعة بعد ضمها شبه جزيرة القرم الأوكرانية عام 2014،
بل في التغيرات الجوهرية التي طرأت على معنى هذا النوع من القمم في السنوات الأخيرة وفي قدرة المشاركين فيها على التفاهم والعمل المشترك.
ترامب في قمة مجموعة السبع
ويحمل الشقاق المحتمل اسماً واحداً يتمثل بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي غادر قمة مجموعة السبع في العام الماضي قبل نهاية جلساتها للتعبير عن عدم رضاه، في حين سبق له أن رفض التوقيع على البيان الختامي لدورة 2018 للسبب نفسه.
ولا يبدو أن الحال قد تغيّر منذ هذين الموعدين، بل ربما وصل الرئيس الأميركي إلى نقطة أكثر تطرفاً من السابق في تقلباته وأساليبه الفجّة، التي لا توفّر حتى شركاء واشنطن أنفسهم،
ومن بينهم "الحلفاء" الذين سيجتمعون معه بدءاً من مساء اليوم الاثنين، بعد أن فرض على بلدانهم رسوماً جمركية غير مسبوقة، وإن كان قد خفف منها حكم قضائي أميركي، فضلاً عن معاملته عدداً منهم بازدراء،
كما أظهر ذلك في أكثر من مناسبة مع مستضيفه، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
ولم يكن على المتابعين انتظار بدء قمة مجموعة السبع للوقوف على أثر ترامب الكبير عليها. إذ لم يكتف الرئيس الأميركي بتأجيل انعقادها يوماً (كان من المفترض أن تبدأ أمس الأحد) كي يتفرّغ للاحتفال بعيد ميلاده الثمانين،
بل فرض رؤيته الشخصية على طريقة اختيار وتحضير المجتمعين لبعض المواضيع، وعلى سقف النقاش أو حتى طبيعته في مواضيع أخرى.
ومن أبرز المواضيع التي دمغ عليها "الفيتو" الأميركي قضية التغير المناخي، التي ينكر الرئيس الأميركي وجودها، والتي نجح وزير الخزانة في واشنطن، سكوت بيسنت، بالدفع إلى عدم ذكرها بالاسم في البيان الختامي لوزراء الاقتصاد الممثلين لدول مجموعة السبع، الذين التقوا في مايو/ أيار الماضي للتحضير للقمة.
ولم تكن فعلة بيسنت مجرد إنجاز اصطلاحي، إذ كشفت الإعلانات الرسمية الفرنسية حول "أولويات" القمة، وأحدثها البيان الذي نشرته وزارة الخارجية الفرنسية على موقعها يوم الجمعة الماضي، غياب النقاش حول التغير المناخي عن المواضيع الأكثر سخونة التي سيناقشها الزعماء.
غيابٌ أثار انتقادات واسعة لدى المنظمات الفرنسية والأوروبية المعنية بالمناخ، ولدى العديد من المتابعين من علماء وناشطين، خصوصاً وأن هذه الأيام التي تلتقي المجموعة خلالها تذكّر بضرورة التحرك من أجل فعل شيء إزاء الأزمة المناخية، في وقت تعيش فيه فرنسا وأوروبا موجة حر لم تشهد مثيلها من قبل في فترة كهذه من الربيع.
على أن إشكال ملف المناخ ليس إلا واحداً من حزمة، ففي القضية الأوكرانية، يخشى أصحاب الدار الفرنسيون وشركاؤهم الأوروبيون أن تقودهم تقلّبات ترامب إلى نقاشات غير مأمولة في هذا الملف، كدفعٍ إلى التقارب مع موسكو، مثلاً،
أو تخفيض سقف المطالب الأوكرانية والأوروبية في أي محادثات يمكن إعادة فتحها مع الروس.
ومن هنا تُقرأ دعوة الرئيس الفرنسي نظيره الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، إلى إيفيان، في مسعى إلى إظهار تقارب حول هذا الملف سيكون ترامب مطالباً، بشكل ما، بالالتحاق به، أو النقاش بلغته على الأقل، لا بلغة البيت الأبيض.
وقال مسؤول أميركي للصحافيين، أمس الأول السبت، إن ترامب سيشارك الثلاثاء في جلسة عمل تعقد في إطار قمة مجموعة السبع بحضور زيلينسكي،
لافتاً مع ذلك إلى عدم جدولة أي اجتماع ثنائي بين الرجلين، كما نقلت وكالة فرانس برس.
وقال المسؤول "سيحضر الرئيس زيلينسكي الجلسة التي نعقدها. وقد يلتقيان بالفعل على هامشها"، لكنه أوضح أن أي لقاء ثنائي رسمي لم يدرج في جدول أعمال ترامب.
وأضاف أن ترامب هو الزعيم العالمي "الوحيد" القادر على إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، من دون الغوص في أي تفاصيل.
ومن المقرر أن يعقد ترامب على هامش القمة، اجتماعات ثنائية مع نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون وقادة قطر والإمارات ومصر والهند، وفق المسؤول.
كما يستضيف الرئيس الفرنسي نظيره الأميركي على مأدبة عشاء في قصر فرساي مساء الأربعاء، بعد انتهاء القمة.
وأوضحت الرئاسة الفرنسية أن العشاء الذي سيقام بعد اختتام القمة، هو وسيلة للاحتفال بالذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة في "مكان يرمز بقوة إلى الصداقة الفرنسية ـ الأميركية، حيث وُقّعت عام 1783 المعاهدة التي كرّست" هذ الاستقلال.
وستطغى على قمة مجموعة السبع المحادثات الأميركية - الإيرانية الرامية إلى إنهاء الحرب في الشرق الأوسط. ومن بين الملفات التي قد تطرح، مشاركة فرنسا وبريطانيا في عمليات إزالة الألغام في مضيق هرمز، وفق المسؤول في الإدارة الأميركية.
وسعى المسؤول الأميركي إلى التقليل من شأن التوترات بين ترامب وحلفائه بشأن التزام الولايات المتحدة تجاه حلف شمال الأطلسي (ناتو)،
وقال "عندما نجري محادثات مغلقة مع حكومات حلفائنا في حلف شمال الأطلسي... تكون المحادثة سهلة للغاية. وليست على الإطلاق على النحو الهستيري الذي يجري تصويره في وسائل الإعلام".
وأضاف "نحن سعداء جداً بتقاسم الأعباء الجاري حالياً، ونحتاج إلى المزيد منه".
اعتبر مسؤول أميركي آخر أن مبادرة فرنسا إدراج الاختلالات التجارية على جدول أعمال القمة خطوة "ذكية للغاية" و"وجيهة". بحسب البيت الأبيض، يعتزم الرئيس الأميركي مناقشة ملفات الذكاء الاصطناعي والهجرة والابتكار والطاقة مع شركائه.
وتفعل الدبلوماسية الفرنسية كل ما بوسعها من أجل الوصول إلى "تقاربات" تأمل باريس أن تشمل مجمل الملفات.
وكانت كلمة "تقارب" من أكثر المفردات التي كررها الرئيس الفرنسي خلال كلمة ألقاها الأربعاء الماضي أمام ممثلي المجموعات التحضيرية لقمة مجموعة السبع الحالية.
وإذا كانت فرنسا قد قدّمت بعض التنازلات عبر وضع بعض الملفات على جدول القمة من دون أخرى، أي من دون تلك التي لا يريد ترامب الخوض فيها، لتريه "حُسن نيّتها" ورغبتها هي وشركائها بأن يضم الرئيس الأميركي صوته إليهم في هذه القضايا على الأقل،
فإن هذا المنطق قد ينطبق أيضاً على ترامب، الذي نقلت مصادر صحافية عنه، نهاية الأسبوع الماضي، رغبته في الحديث مع زعماء القمة بقضايا تهمّه أكثر من غيره، مثل إزالة الألغام من مضيق هرمز.
وقد يُبدي ترامب مرونة غير معتادة في بعض الملفات من أجل الوصول إلى ما يريده في ملفات أخرى، ولا سيما إن كان قد استخلص من تجاربه الأخيرة أنّ فرْض رؤيته حرفياً لا يأتي بالضرورة بالنتائج المرجوة.
الرسوم الجمركية التي رفعها بيد، عاد قضاء بلاده وقيّد جزءاً كبيراً منها باليد الأخرى.
ولن يكون الملف الإيراني أولوية لدى الرئيس الأميركي وحده، باعتبار أن تبعاته الاقتصادية تمس مجمل البلدان المجتمعة، التي لم تدعم خطوة ترامب في شن حرب على طهران، في حين تُلقي التبعات الأمنية لهذه الحرب بثقلها على البلدان الخليجية المدعوة إلى القمة.
والحديث عن وقف لإطلاق النار لن يكتمل من دون إعادة شيء من الأمور إلى مجراها في مضيق هرمز، وفي إمدادات الطاقة، التي تلعب البلدان الخليجية الثلاثة دوراً أساسياً فيها.
وعلى الرغم من أن باريس لا تشير مباشرة إلى نقاش سياسي وأمني حول إيران في حديثها عن برنامج القمة،
إلا أن منطق هذا النوع من الاجتماعات يفيد بأن قضية ساخنة كهذه ستشق طريقها إلى طاولة النقاش، أو إلى الاجتماعات الخاصة بين القادة، سعياً إلى ما سمّته وزارة الخارجية الفرنسية توفير "شروط استقرار مديد في المنطقة".
ولعل دعوة مصر والسعودية وقطر والإمارات إلى القمة تتيح لباريس طرح قراءتها، لا قراءة واشنطن، للأزمة في المنطقة، أي الربط مباشرة بين حرب إيران والحرب على لبنان،
وضرورة أن يشمل وقف الحرب في إيران تراجعاً لإسرائيل عن مطامعها التي أوصلتها إلى ما بعد نهر الليطاني. لكن هل ستجد فرنسا وحلفاؤها أذناً صاغية إلى مطلب كهذا؟
أما الملف الفلسطيني، فتسعى باريس إلى إدخاله إلى نقاشات إيفيان عبر توصيات مؤتمر حل الدولتين الذي نظمته الخارجية الفرنسية يوم الجمعة الماضي في معهد العالم العربي. ففي كلمته الختامية بالمؤتمر،
قال وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، إن أحد أهداف هذه الفعالية، التي جمعت شخصيات ومنظمات مدنية فلسطينية وإسرائيلية،
إلى جانب وزراء ومسؤولين من نحو 15 بلداً وممثلين أوروبيين، هو إبقاء الملف الفلسطيني على طاولة النقاش الدولي، ونقل توصيات المشاركين إلى القادة المجتمعين في إيفيان.
وإذا كانت الحروب قد فرضت نفسها على طاولة المجتمعين في إيفيان، فإن الرئيس الفرنسي لا يريد لقمة مجموعة السبع أن تتحول إلى مجلس لإدارة الأزمات الأمنية فحسب،
ذلك لأن المناسبة تشكل، من وجهة نظر باريس، فرصة ذهبية لإعادة الملف الاقتصادي إلى قلب النقاش، سعياً لمعالجة ما وصفه ماكرون، الخميس الماضي، بـ"التوازنات العالمية المختلة".
اختلال اقتصادي دولي
وجاء كلام ماكرون خلال مؤتمر موسّع عقده عبر الفيديو مع قادة ووزراء من الدول الحاضرة في إيفيان، إلى جانب الغائب الأبرز، الصين، التي مثّلها نائب رئيس الوزراء تشانغ غوتشينغ.
وقال ماكرون إن هذا الاختلال الاقتصادي الدولي تفاقم بإفراط في السنوات الأخيرة، وبات يهدد النمو والاستقرار المالي العالمي بسبب غياب التنسيق بين الدول.
ولهذا، دعا إلى العمل "بالتزامن"، والتنسيق بين جميع الأطراف المعنية، من الصين والجنوب العالمي إلى أوروبا والولايات المتحدة
محذراً من أن استمرار كل طرف في التحرك وحده، وفق حساباته الخاصة، قد يقود إلى مخاطر اقتصادية ومالية قاسية.
والحال أن ماكرون لا يريد لهذا النقاش أن يبقى محصوراً في الخريطة الاقتصادية القديمة، التي بُنيت عليها مجموعة السبع، بل أن يشمل فاعلين باتوا جزءاً من موازين القوة الجديدة،
ومن هنا جاءت دعوة الهند والبرازيل وكينيا وكوريا الجنوبية إلى إيفيان، في تأكيد على أن الصيغ القديمة لم تعد كافية لمعالجة خلل يتجاوز قدرة دول السبع وحدها.
بهذا المعنى، تتحول قمة إيفيان إلى مناسبة للنظر في قيمة مجموعة السبع نفسها، وقدرتها على لعب الدور الدولي الذي اعتادت الاضطلاع به في وقت مضى.
هذه المجموعة، التي وُلدت بمبادرة فرنسية في سبعينيات القرن الماضي، جاءت في الأصل تعبيراً عن لحظة كان فيها الغرب قادراً على قيادة الاقتصاد العالمي والتحدث بلغة واحدة في ما بينه، وهو ما بات متعذراً اليوم.
ثمة اقتصادات لم يعد ممكناً تجاهلها، ضمن تشابك للمصالح الدولية كشفت عنه أزمة مضيق هرمز،
كما أن الشقاق بات يعتري أعضاء المجموعة أنفسهم، إذ لم يعد الاختلاف بينهم محصوراً في قضية حرب في إيران أو أوكرانيا فحسب، بل كذلك حول قضايا مثل المناخ والتجارة والذكاء الاصطناعي وغيرها.
كل هذا يجعل الرهان الفرنسي في هذه القمة أقرب إلى محاولة لانتزاع تفاهمات، ولو جزئية، منه إلى لحظة لإظهار إجماع كامل، في انتظار ما قد تؤول إليه صيغة المجموعة نفسها في السنوات المقبلة.