في حصيلة حرب أوشكت أن تنتهي
إذا صدقنا ترامب ذا المصداقية المتدنية، هذه المرة، فمن المفترض أن يوقع الأمريكيون والإيرانيون، الأحد، على اتفاق لوقف العمليات العسكرية بصورة متبادلة، يشمل جميع حلفاء الجانبين، ويقضي بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة «فوراً»!
وزير خاجية إيران، عراقجي، بدا أكثر حذراً من تغريدة ترامب، كما من تفاؤل الوسيط الباكستاني، ويدور الحديث عن «خلاف إيراني داخلي» بشأن «بعض بنود» مسودة الاتفاق المسربة، بدلالة مظاهرات خرجت في شوارع طهران تتهم عراقجي بالتفريط!
يمكن قراءة هذا المشهد باعتباره تكتيكاً تفاوضياً من القيادة الإيرانية، لاستنزاف ما يمكن تحصيله من المفاوض الأمريكي، الذي يعمل تحت ضغط استعجال ترامب للخروج من الورطة التي جره إليها نتنياهو.
فواقع الحال أن ترامب الذي كان يحلم بتكرار «التجربة الفنزويلية» في إيران، وجد نفسه وقد تكسرت أسنانه، سياسياً، على لقمة من حجر، في الوقت الذي ظن أنه بصدد نهش قطعة من الجبنة الطرية.
وفشلت خطة نتنياهو في استدراج تغيير انقلابي داخل بنية نظام الملالي، بعد نجاحه في قطع رأسه من خلال اغتيال علي خامنئي وعدد من أركان القيادة،
كما فشل ترامب في توريط كرد إيران في الحرب ضد النظام، أو في تشجيع ثورة شعبية تطيح بالنظام تحت وقع الحرب والحصار.
صحيح أن خسائر إيران العسكرية والاقتصادية هائلة، وقد لا تتمكن من استدراكها خلال سنوات، لكن النظام استطاع أن يحافظ على ثباته وتماسكه،
بل إن الحرب ساعدته على إنهاء جذوة الثورة الشعبية الأخطر عليه، التي كانت قد اندلعت قبل شهرين من بداية الحرب،
ويمكن التخمين بأنها لن تستأنف في وقت قريب، بعدما أدت إلى استعادة شيء من الوحدة الوطنية، أمام خطر العدو الخارجي، وصفة الأنظمة الاستبدادية المجربة للتملص من الاستحقاقات الداخلية الضاغطة.
وإذا صحت التفسيرات الرائجة بخصوص بند «الالتزام المتبادل بعدم الاعتداء» بين واشنطن وطهران، بما يشمل حلفاء الطرفين،
فهذا يعني اعترافاً أمريكياً ضمنياً بشبكة تحالفات إيران الإقليمية، حزب الله اللبناني والميليشيات الشيعية في العراق وجماعة الحوثي في اليمن، في ما يمكن اعتباره مكسباً صافياً للنزعة الإمبراطورية لإيران على حساب جواره العربي، وإن بزخم أقل بكثير مما قبل الحرب.
قد لا تلتزم إسرائيل مباشرةً بالتوقف عن ضرباتها لحزب الله، ولكنها لن تجد ذريعة مناسبة إذا التزم الحزب بوقف هجماته.
وربما الأهم في بنود الاتفاق المتوقع، هو استبعاد الموضوع النووي منها، ليصار إلى التفاوض حوله خلال الشهرين التاليين.
هذا يمنح النظام في إيران فترة راحة لالتقاط أنفاسه وتعزيز ترسانته الصاروخية، لتبقى ورقة ضاغطة في يده، والأهم للمماطلة في الانتهاء منه بذريعة مزيد من التمحيص في تفاصيله،
وفي ما يمكن أن تحصل عليه طهران من مكاسب بشأن إطلاق أرصدتها المجمدة، أو الإغراءات الاقتصادية الإضافية التي سبق لترامب أن وعد بها.
ما يعزز هذه الافتراضات، في ملف متفرع، كلام منسوب لأحمد الشرع قال فيه إن «سوريا ليست بصدد أي تدخل عسكري في لبنان»، لخوض معركة تجريد سلاح حزب الله استجابة لطلب ترامب العلني قبل أيام.
صحيح أن هذا التأكيد لم يأت بصورة صريحة على لسان الشرع، بل نقله عنه «بعض من التقى بهم» مؤخراً في اجتماع ضمه إلى «وجهاء من ريف دمشق»،
لكن هذه الطريقة في إرسال الرسالة مفهومة بالنظر إلى أن رفض طلب لترامب علناً ليس لعبة! يمكن الافتراض أن جهات إقليمية أو دولية همست في أذن الشرع أن «الطبخة قد استوت» بين واشنطن وطهران، وأن «ابتعد عن أي مغامرة غير محمودة العواقب».
والحال أن إنهاء الحرب الدائرة مما يريح سلطة دمشق أيضاً من الحرج أمام الضغوط الدولية المتعارضة، التي تتنازعها، بين إسرائيل وأمريكا من جهة، وتركيا (وإيران) من جهة أخرى.
غير أن «ضياع فرصة» لعب دور إقليمي في لبنان، في نوع من استعادة دور «سورية الأسد»، للهروب من الاستحقاقات الداخلية، ربما كان فيه شيء من الإحباط أيضاً من وجهة نظر سلطة دمشق الانتقالية.
أما ترامب المصدوم بقدرة نظام إيران على الصمود أمام الهجمات الأمريكية ـ الإسرائيلية، فسوف يحقق «انتصاره» المشتهى على منصة «تروث» مكتفياً بـ»إنجاز» فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، بانتظار لحظة الحقيقة «الحقيقية» التي سيتعين عليه مواجهتها في الانتخابات النصفية للكونغرس بعد أشهر قليلة.
أما بشأن الملف النووي الإيراني فلن نفاجأ إذا تمكن من الحصول على نسخة من الاتفاق النووي قد لا تختلف كثيراً عن اتفاق أوباما الذي واظب على انتقاده.في جميع الأحوال نحن مقبلون على تغيرات كبيرة من المحتمل أن تعيد رسم خرائط نفوذ القوى الإقليمية الكبرى.
* بكر صدقي
كاتب سوري