حين يصبح الوطن أمتيازاً
أنصار ١١ فبراير وأنصار النظام السابق نموذجاً
اليمني لا يعاني فقط من ذاكرة مثقوبة، بل من نزعة احتكارية للوطن. كل جماعة تريد أن تكون صاحبة الحق في تعريف الوطنية، وتمنح صكوك الكلام باسم اليمن لمن تشاء، وتسحبها ممن تشاء.
هذا وطني لأنه معنا، وذاك خائن لأنه ضدنا، هذا يحق له أن يتحدث، وذاك يجب أن يصمت لأن ماضيه لا يسمح له..
وهنا يبدأ الانحراف الأخطر: حين يتحول الوطن من مساحة مشتركة إلى ملكية سياسية.
ليس من حق أحد أن يقرر أن اليمن لا يتسع إلا لصوته، أو أن الوطنية حكر على من يوافقه.
ومن العبث أن نطلب من اليمنيين أن يصمتوا لأنهم أخطأوا في مرحلة، أو لأنهم كانوا جزءا من سلطة سابقة، أو لأنهم وقفوا في صف سياسي لا يعجبنا.
فالسياسة ليست محكمة تطهر طرفا وتبقي طرفا آخر في مقاعد الملائكة!.
نعم، هناك مسؤوليات، وجرائم، ومواقف لا ينبغي محوها من الذاكرة. لكن المساءلة شيء، وإلغاء حق الإنسان في الكلام عن وطنه شيء آخر.
من ارتكب جريمة يحاسب، ومن شارك في خراب الدولة يسأل، لكن لا يصبح الوطن ملكا للذين يعتقدون أنهم وحدهم كانوا على الجانب الصحيح من التاريخ..
المشكلة أن اليمنيين يعيدون إنتاج الصراع نفسه بطريقة أكثر بلاغة وأقل صدقا. كل طرف يبدأ من لحظة الجريمة التي ارتكبها الآخر، ويضعها في أول الصفحة، ثم يطلب منا أن نقرأ تاريخه من هناك.
أما ما سبقها، وما ساهم فيه هو، وما برره، وما سكت عنه، فيدفع إلى الهامش..
وهكذا تصبح الذاكرة سلاحا سياسيا لا وسيلة لفهم المأساة.
الذين خرجوا في 2011 تحت شعار إسقاط النظام لا يستطيعون جميعا أن يتصرفوا وكأنهم قد أصلحوا الدولة.
وفي المقابل، لا يستطيع الذين كانوا جزءا من السلطة أن يختصروا كل ما جرى في مؤامرة على دولة كانوا هم أنفسهم قد ساهموا، بدرجات مختلفة، في إنهاك مؤسساتها..
ليس المطلوب مساواة الجميع في المسؤولية، ولا تسوية الجريمة بالخطأ السياسي، وإنما رفض البراءة الجماعية..
اليوم، بينما يعيش اليمن صراعا مفتوحا على السلطة والنفوذ، ما زال البعض مشغولا بالسؤال: من يحق له أن يتحدث باسم الوطن؟.
والسؤال في ذاته فخ.
فكلما انشغلنا بتوزيع شرعية الكلام، ابتعدنا عن السؤال الأهم: كيف نستعيد دولة يستطيع الجميع أن يتحدثوا داخلها، بدل أن يتقاتلوا على حق احتكارها؟.
إن استمرار هذه الدائرة لا يخدم اليمنيين، بل يخدم أولئك الذين ازدهرت مصالحهم في غياب الدولة: أمراء الحرب، وتجار السلاح، وشبكات النفوذ التي تعيش على الانقسام. هؤلاء لا يزعجهم أن يتبادل اليمنيون تهم الخيانة، بل يحتاجون إلى ذلك.
لا يخافون من خطاب يلعن الخصم، يخافون من خطاب يعترف بأن الوطن أكبر من الجميع..
ولهذا فإن تحويل الوطنية إلى بطاقة عضوية، وتوزيع حق الكلام باسم اليمن، وإبقاء كل طرف أسيرا لجرائم خصومه، ليس دفاعا عن الدولة، إنه استمرار للذين ازدهرت مصالحهم في غياب الدولة..
اليمن ليس ملكا لمن أسقطوا النظام، ولا لمن دافعوا عنه، ولا لمن حملوا السلاح، ولا لمن عارضوه، ولا لمن يعتقدون اليوم أنهم وحدهم امتلكوا الحقيقة..
اليمن ملك لليمنيين جميعا.
والدولة التي نريدها لا ينبغي أن تسأل المواطن: من كنت بالأمس؟ قبل أن تسأله: ماذا تريد لليمن غدا؟.
أما من يصر على نبش الماضي فقط ليمنع الآخرين من الكلام، فهو لا يبني ذاكرة وطنية؛ إنه يبني سجنا جديدا للوطن. والسجن، في النهاية، لا يحرسه إلا من يربحون من بقائه!.