بين يدي نبي الإسلام
تدهشني شخصية نبي الإسلام محمد عليه الصلاة والسلام، بكل ما فيها من صفات مركبة؛ صدق في دهاء، وغنى بلا مال، ودولة بلا جيش، وحضور بلا مظاهر، وكاريزما بلا تصنع، وبساطة في هيبة، وقوة في رحمة، حتى أنه يُظهر من رحمته ما يُطمع فيه الخصوم، فإذا حصل سوء الفهم، أظهر من قوته ما يعالج سقم الأفهام.
من رآه في المحراب يذرف دموعه لا يتصور أن يراه في الميدان حاملاً سيفه، ومن رآه يلاعب الأطفال في شوارع المدينة، لا يتصوره مخاطباً ملوك العالم، ومن نظر إليه وهو يحلب الشاة، ويرقع الثوب، ويخصف النعل، ويرعى الغنم، لا يتصور أنه يحاضر الكبار، ويخاطب الشيوخ، ويتصدر المجالس، ولكنه النموذج البشري الذي اكتمل بجمع قدر كبير من الصفات التي تبدو متضادة، لولا أنها انصهرت في نفس جعلت تلك الصفات في غاية التوافق والانسجام.
قرأت سيرته عند المسلمين، واطلعت على بعض الدراسات الاستشراقية والتاريخية الغربية، حول النبي ورسالته، وطالعت سير رجال التاريخ، ورغم كثرة الشخصيات التاريخية المؤثرة إلا أن أحداً – بحق – لا يرقى إلى مرتبة نبي الإسلام، ذلك أن عظماء التاريخ غيروا بنسب متفاوتة مجراه،
إلا أن محمداً صنع التاريخ الذي امتد بعده لقرون عديدة، مثلت عظمة رسالته التي لم تكمن عظمتها في انتشارها، وحسب، ولكن في استمراريتها عبر القرون – حسب إدوارد جيبون – وهو ما يشير إلى شخصية فريدة، ورسالة خالدة، جعلت الشاعر الفرنسي ألفونس دو لامارتين يقول: «من يجرؤ على مقارنة أي رجل عظيم في التاريخ بمحمد».
لم يكن محمد – إذن – مخلوقاً من الطينة التي خلق منها الإسكندر المقدوني، أو جنكيزخان، أو نابليون أو غيرهم من الذين انطلقوا مدفوعين بطموحات كبيرة، لتحقيق ذواتهم، وإشباع غرائزهم، حيث خالفهم نبي الإسلام الذي لم يكن – حسب مونتغمري وات – «مدفوعاً بمطامع شخصية»، ولا كان يسعى للملك والمجد والشهرة.
والمدهش أنه عندما تحققت له حيازة الملك والمال انصرف عن ذلك كله إلى هدف أسمى، على طريقة أولئك الرجال الصالحين الذين جعلوا الله مبتغاهم، وهو الذي قال: «إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده»، وهو الاختيار الذي نتج عن طاقة روحية هائلة، مكنته من بسط سلطانه الروحي على معظم من عرفه أو عاشره،
لدرجة أن معارضيه من قريش كانوا لا يجدون تفسيراً لهذا «السر الروحي» في شخصيته الآسرة سوى أنه كان يمارس السحر لجذب الناس إلى دعوته.
هذا الإصرار العجيب على رفض كل مظاهر الدنيا، كان السبب الجوهري الذي جعل الدنيا تدين له بالولاء، فقد رفض الملك الذي عرضته عليه قريش، ليغدو بعد فترة بسيطة في موقع يؤهله لمخاطبة الملوك والأباطرة، خطاب متبوع لأتباع.
كما أنه رفض المال الذي عُرض عليه، ثم تدفق فيما بعد، ولم يجعله يغير مبادئه، أو ينغمس في ترف الغني والملذات، بل ظل محتفظاً بنزاهته، وزهده، وظل يصوم عن الطعام والشراب، ويوزع الغنائم بين الناس، ولا يبقي له منها إلا ما يخصصه لتسيير أمور دولته وتدبير شؤون دعوته، أما هو فظل ذلك الصوام القوام الذي مضى حسب التوجيهات القرآنية التي وردت في الآية: «لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى».
وهنا يذكر واشنطن إرفينغ في كتابه «محمد وخلفاؤه» واحدة من أجمل صفات النبي محمد، وهي أنه «حافظ على بساطة حياته، حتى في ذروة قوته، وأن انتصاراته العسكرية لم توقظ فيه الغرور والتفاخر، وأنه ظل على بساطته، كما كان في أيام الضعف»، وذلك هو سر نجاح هذا الرجل الذي جعله مايكل هارت على رأس أعظم مائة رجل في التاريخ.
وفي سياق انبهار كثير من المستشرقين بالشخصية المحمدية المركبة يلخص لبوسورث سميث قدرة النبي الروحية والسياسية بقوله إن محمداً «كان القيصر والبابا في آن واحد، لكنه كان بابا بلا مطامع، وقيصراً بلا جيش»، ذلك أنه كان سلطاناً على الأرواح والقلوب، قبل أن يكون حاكماً على الأجساد والشخوص، وهذا هو التفسير الحقيقي لقدراته ومواهبه الروحية والمادية.
ولا شك أن صفات كثيرة أسهمت في بناء الشخصية النبوية، منها الصدق الذي شكل القوة النفسية الهائلة التي تحرك شخصية النبي، وتوجه تصرفاته، وتجعل أعماله تؤتي ثماراً مذهلة، فهو رجل صادق مع نفسه، مع أهله وأصحابه، ومع خصومه وأعدائه، الأمر الذي جعله يتحرر من عُقد الضعف والخداع والنفاق والتملق، وجعل كلامه ساطعاً وهدفه واضحاً، حتى أثر في كل من حوله تأثيراً عجيباً جعلهم يتسابقون على طاعته، والتضحية بأنفسهم وأموالهم وأولادهم في سبيل دعوته،
وهي التضحية التي كان محمد نفسه متسماً بها، وهي التي ميزته، حسب مونتغمري وات الذي أثار دهشته «استعداد محمد لتحمل الاضطهاد من أجل معتقده».
وهذا الاستعداد لتحمل الاضطهاد ينفي الفهم المغلوط عن نبي الإسلام في الغرب من أنه لم يكن أكثر من رجل محتال، استطاع بالحيلة والكذب الوصول إلى ما وصل إليه، إذ لا يصمد المحتالون – عادة – أمام الاضطهاد. يقول توماس كارلايل إن هذا الادعاء «لا يصمد أمام دراسة شخصية محمد وتأثيره التاريخي».
ثم من هو هذا المحتال الذي انصرف عن السلطة والثروة، ولم يوَرّث أسرته مالاً، ولا ملكاً، بل وزَّع المال، وجعل الولاية شورى بين المسلمين الذين اختاروا صاحبه الأقرب إليه أبابكر، وهو بالمعيار القبلي ليس من أقوى فروع قريش، شأنه شأن عمر الخليفة الثاني في الإسلام، وهما أهم شخصيتين مؤثرتين في تاريخ الإسلام، بعد النبي الكريم الذي قالت آني بيزنت إن من يطلع على تاريخه «من المستحيل أن يشعر بغير التوقير، لذلك النبي العظيم»
ويحسن هنا أن نورد وصفه في القرآن الكريم في الآية: «وإنك لعلى خلق عظيم»، ووصف زوجته عائشة التي قالت عندما سئلت عن خلقه: «كان خلقه القرآن»، وهي التي قالت: «توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودرعه مرهونة عند يهودي، بثلاثين صاعاً من شعير»، حيث تظهر لنا – جليَّةً – شخصية سلطان القلوب، وبغية العشاق، النبي العظيم الذي ملك الدنيا، وعزف عنها، ومات مديناً، بثمن قليل من الشعير، تقتات به أسرته.
عليه الصلاة والسلام.