اليمن في معركة الساحل الغربي
منذ سقوط مدينة المخا اليمنية في التاسع من سبتمبر/ أيلول الحالي، وما ترتب عليه من تقدم جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران في اتجاه باب المندب، ووسائل الإعلام العالمية والعربية تضجّ بروايات متضاربة حيال طبيعة التطورات وأسبابها، ومع أن الوضع العسكري في النطاقات الغربية من اليمن لا تزال هشّة، من حيث التصعيد والتصعيد المقابل،
من المهم هنا التأكيد أنّ التحولات التي شهدتها جبهة الساحل الغربي كانت حصيلة عشرة أعوام من الحرب، بما يتضمنه هذا من الصراعات البينية والاحتقانات المجتمعية واستثمارات التجويع والأهم طبيعة إدارة النفوذ الإقليمي في اليمن.
لأي معركة بُعد خطابي وأيدلوجي يؤثر على البيئة السياسية والاجتماعية المحلية، وكذلك على اتجاهاتها، ومع أن المستوى الخطابي يعد هامشياً مقارنة بالمقدرات العسكرية، إلّا أن تأثيره محوري في ديناميكية المعركة وربما نتائجها، إذ يمنحها زخماً سياسياً وشعبياً، ومن ثم إسناداً معنوياً.
وفي هذا السياق، استطاعت جماعة الحوثي عبر صبغ معاركها في جبهة الساحل الغربي ببعد أخلاقي والأهم اقتصادي، من خلال توصيف معركتها للسيطرة على باب المندب هدفاً لتحسين الوضع الاقتصادي للمواطنين، عبر الضغط على السعودية لتنفيذ خريطة الطريق الأممية،
مكّنها من تسويق نفسها طرفاً يمثل مصالح اليمنيين، خلافاً لخصمها، السلطة الشرعية التي أدارت المعارك وفق سردية حليفها السعودي، أي منع تقدم الجماعة إلى باب المندب وإعاقة نفوذ إيران في اليمن، وتخفيف الضغط على السعودية في جنوب البحر الأحمر، ومن ثم اتخذت معاركها بعداً جيوسياسياً أكثر منه وطنياً،
وكان لهذا التسويق الإعلامي والسياسي دافعية محركة مكّن الجماعة من إعادة موضعة نفسها في معركة اقتصادية مفتوحة ضدّ السعودية، بموازاة توظيف خطاب المعركة، شكلت استراتيجيتها العسكرية الواضحة عامل قوة آخر، أثر على طبيعة إدارتها للمواجهات،
إذ استندت استراتيجيتها على مركزية الجغرافية الغربية لليمن أكثر من الجبهات الأخرى، القائمة على أهمية عملياتها العسكرية في جبهات مدينة تعز الغربية ونطاقاتها الريفية، باعتبارها نقاط انطلاق ميدانية حاسمة للسيطرة على مدن الساحل الغربي،
ومن ثم باب المندب وتأمينها، إلى جانب موازنة معركتها البحرية ضد السعودية من خلال استهداف دوري لمنشآتها الاقتصادية والعسكرية، من مدينة أبها ونجران وجيزان وخميس مشيط،
فضلاً عن دخول الفصائل العراقية الموالية لإيران في معادلة الضغط المزدوج على السعودية.
لم يتأتَّ تفوق جماعة الحوثي وقدرتها في السيطرة على نطاقات جغرافية واسعة تمتد من مديريات غرب الساحل حتى باب المندب من قدراتها العسكرية أو تقنياتها المتطورة، بما في ذلك دعم حليفها الإيراني، بل من عوامل متضافرة ومركّبة أسهمت في هذا الواقع،
فمن جهة شكلت واحدية مسرح العمليات نقطة تفوق للجماعة، إذ مثلت جبهات تعز الغربية وأريافها ومدن الساحل الغربي قطاعاً عسكرياً واحداً، بحيث أدارت المعارك في هذه النطاقات الجغرافية الواسعة كمسرح عملياتي واحد، ما مكّنها من توحيد مواردها وإسناد مقاتليها والتنسيق بين الجبهات، بما في ذلك تحمّل مسؤوليات النجاح أو الإخفاق، على عكس خصومها، أي التشكيلات العسكرية المدعومة من السعودية،
إذ توزّعت في جبهات قتال متعدّدة، من قوات محور تعز في الجبهات الريفية من المدينة، والألوية التهامية في مدينة حيس جنوبي الحديدة، وألوية العمالقة في مديريات الساحل، والمقاومة الوطنية بقيادة العميد طارق صالح في المخا، ما أدّى إلى تشرذم الجبهات، وغياب التنسيق بين الألوية،
ومن جهة أخرى لعبت الاستراتيجية القتالية التي أدارت بها الجماعة حربها في تعز طوال أعوام الحرب دوراً لافتاً في التأثير على معارك الساحل الغربي، بل وحسمها، إذ إنّ احتفاظها بجيوب عسكرية تتمركز في مواقع استراتيجية وأمامية، أي في النطاقات الغربية لأرياف تعز كبعض قُرى جبل حبشي وقُرى الضباب،
مكّنها من اختراق جبهة الكدحة أولاً وتحقيق تقدم فيها، بموازه تكثيف عملياتها العسكرية في محور مقبنة ومفرق البرح، بحيث استطاعت الالتفاف على خصومها وتشتيت أنساقاهم القتالية، وأيضاً التقدّم في موزع ثم الوازعية، أولى مديريات الساحل الغربي، ما جعل المدن الأخرى مكشوفة عسكرياً أمام مقاتليها، خصوصاً بعد سيطرتها على مديرية حيس جنوبي الحديدة،
بحيث أصبحت السيطرة على مدينة المخا، مركز الثقل السياسي العسكري والاقتصادي في الساحل الغربي، مسألة وقت.
في السياق نفسه، من المهم التطرّق إلى طبيعة الدور الوظيفي لقوات خصوم الجماعة، سواءً كان هذا ناشئاً عن عدم تقدير الموقف العسكري، أو أخطاء عملياتية، فمن جهة مثلت خطوط الإمداد بالنسبة للجماعة العامل الأبرز في إدارة عملياتها القتالية، والتقدّم في معظم الجبهات،
ومع أن خطوط امداداتها الرئيسية تأتي من مدينة إب في وسط اليمن والخاضعة لها، فإن هذه الامدادات تمر بمديرية شرعب في تعز، أي في خطوط التماسّ مع مجاميع مقاتلين موالين لحزب الإصلاح، وكذلك مسرح عمليات الألوية في تعز، بيد أنها لم تدفع إلى تعطيلها.
بموازه هذا، غيّرت إعاقة الجيوب العسكرية الموالية للمجلس الانتقالي الجنوبي مسارات الامدادات القادمة من جنوب اليمن التي ظلت ممرّاً حيوياً لإسناد جبهة الساحل موازين المعارك في هذه المناطق،
مقابل تحمل القوات السلفية، أي قوات درع الوطن، العبء العسكري جرّاء استمرار اسنادها لجبهة الساحل، إذ نقلت عدد من ألويتها من شبوة وأيضاً لحج مما أدى إلى استنزافها، فيما كان لواء "45" مشاة جبلي المتمركز في مدينة لحج يحجم عن إسناد الجبهات المشتعلة، خصوصاً جبهة الساحل الغربي.
ومن جهة أخرى، فإنّ سياسة السلطات المتمركزة في مدن الساحل وألويتها العسكرية حيال المواطنين، تسعة أعوم من السيطرة، جذر احتقانات اجتماعية في هذه المناطق وعدائية راسخة لسلطات الجبهة الغربية، من تهجير السكان والسيطرة على أراضيهم واعتقال عدة شيوخ،
كما حدث في مدينة موزع مطلع هذا العام، أو حملات الاعتقالات المتعاقبة التي مارستها الألوية في مدن الساحل، ما مكّن الجماعة من استثمار هذه الاحتقانات لصالحها، سواءً بتحييد الشيوخ لتمكينها من التقدّم أو إجبارهم على تزويدها بمقاتلين،
إضافة إلى استخدام المهاجرين الأفارقة العابرين في هذه المناطق كموارد بشرية في معاركها، إلى جانب أن هذه المناطق، أي النطاقات الجغرافية من موزع والوازعية إلى الساحل الغربي، لا تشكل بيئة حاضنة لأي طرف، بل بيئة مفقرة وحيادية، ومن ثم سائلة، أي أنّ الطرف الأقوى عسكرياً هو من يخضعها،
إلى جانب عامل مهم، وهو مفاعيل الفقر والجوع في المناطق الخاضعة للجماعة والتي مكّنها من استغلالها وتوظيفها عسكرياً،
إذ إنّ معظم موجات الأنساق البشرية من المقاتلين الذين ضخّوا إلى الساحل الغربي كانوا جموعاً من الجوعى والمهمّشين، على اختلاف شرائحهم ومهنهم، مدرّسين وعمّال ولاجئين، اعتقدوا أن السيطرة على باب المندب خيارهم الوحيد للنجاة من الموت جوعاً.
في الأخير، من المهم الإشارة إلى مفاعيل جوهرية أثرت على سير المعارك في جبهة الساحل الغربي، فإلى جانب طبيعة البنى الهيكلية للتشكيلات العسكرية وكيفية تأسيسها، وولاءاتها وعلاقاتها البينية، وإدارة السعودية لمعادلة نفوذها وتأثير دورات الإزاحة في معسكر حلفائها على معادلة الصراع مع الحوثي،
ومع أنّ التشكيلات العسكرية الموالية للسعودية استوعبت الصدمة ووحّدت جهودها لتضييق على الجماعة، فذلك لا يحسّن كثيراً من شروط عملياتها،
فمن جهة تنقسم هذه التشكيلات من المقاومة الوطنية، وحرّاس الجمهورية، وألوية العمالقة، والألوية التهامية، فيما تتمايز من حيث مشاربها الفكرية وعقيدتها القتالية وانتماءاتها وكذلك علاقتها بمحيطها المحلي، بحيث انعكس هذا على العمليات القتالية وعلى علاقتها البينية،
ففي حين تتشارك المقاومة الوطنية وألوية العمالقة، من حيث تولي الإمارات تشكيلها في السنوات الأولى من الحرب، فإنها تختلف من حيث مشاربها الفكرية وعقيدتها القتالية، وانتماءاتها،
ففي مقابل غلبة العقيدة السلفية على ألوية العمالقة، مع تنافسات جغرافية في نطاق السلفية نفسها، أي سلفية الشمال والجنوب، تشكل قوات المقاومة الوطنية توليفة واسعة من بقايا الحرس الجمهوري السابق، أي الانتماء إلى حزب المؤتمر الشعبي العام، ومجاميع مقاتليه أغلبهم من أبناء تعز.
ومن ثم أثرت المرجعية السياسية في العلاقة مع القطاعات العسكرية الأخرى، وتمرّداتها، مع وجود احتقاناتٍ مناطقيةٍ بين المنحدرين من شمال اليمن والمناطق الأخرى.
وبخصوص الألوية التهامية، ينتمي معظمهم سياسياً لحزب التجمّع اليمني للإصلاح، وإن شكّلت ميزتهم بأنهم من أبناء مناطق الساحل الغربي، ومن ثم عطّلت هذه الانقسامات السياسية في المشهد الفصائلي توحيد قيادة عسكرية في مواجهة الحوثي
بحيث سيطرت على كل فصيل مخاوف من إزاحته سياسياً، خصوصاً قوات المقاومة الوطنية التي لا يناصبها "الإصلاح" والحوثي العداء فحسب، بل يحضرها درس معركة حضرموت الذي أسفر عن إزاحة المجلس الانتقالي الجنوبي ،
ومن ثم ومع تحمل جميع القوى مسؤولية ما حدث، فإنّ إدارة السعودية نفوذها في اليمن والقائم على تعضيد وكلاء متعدّدين ومفاعيل دورات الإزاحة تضفي تعقيداً إضافياً على المشهد العسكري ومستقبله، بحيث ينتج حالة دائمة من التوجس بأن مصيرهم ومستقبلهم السياسي غير مضمون ومرتبط بإرادة الممول وأهدافه المتقلبة.
* كاتبة وناشطة يمنية